ليست المعركة الحقيقية حول الكتب التي ينبغي
أن يقرأها الأطفال في المدارس، بل حول نوع الإنسان الذي نريد أن تخرجه المدرسة إلى
العالم.. فالكتاب المدرسي ليس مجرد نص بين عشرات النصوص، والسؤال الذي يضعه المعلم
بعد القراءة ليس مجرد وسيلة لقياس الحفظ؛ كلاهما يشارك في تشكيل علاقة الطالب
بالمعرفة وبنفسه وبالآخر.
ولهذا تبدو النقاشات الجارية في بريطانيا
حول تجديد منهج الأدب الإنجليزي أوسع بكثير من مجرد استبدال رواية بأخرى؛ إنها
مراجعة لفكرة
التعليم نفسها: هل نريد طالبا يعرف ماذا قال الكاتب، أم قارئا يستطيع
أن يسأل لماذا قاله، وهل كان محقا، وكيف يمكن أن نفهمه من زاوية أخرى؟
وعندما نضع هذه الأسئلة بجوار الطريقة التي
يُدرّس بها الأدب في أجزاء واسعة من العالم
العربي، تظهر مفارقة تستحق التأمل: فيما
يخشى البريطانيون أن تجعل المدرسة الطفل يكره القراءة، لا يزال التحدي في أنظمة
عربية عديدة هو الانتقال من تعليم الطالب ما يجب أن يتذكره إلى تعليمه كيف يفكر
فيما يقرأ.
أزمة ليست في الكتاب وحده
بدأت القضية في بريطانيا، وفق
تقرير لصحيفةالغارديان" اليوم السبت، من ملاحظة تبدو بسيطة: الأطفال يقرأون أقل للمتعة.
وتزامن النقاش مع إعلان عام 2026 "العام
الوطني للقراءة"، ومع مراجعة مقررات الشهادة العامة للتعليم الثانوي في بريطانيا للغة
الإنجليزية، ما فتح الباب أمام سؤال مباشر: هل تساعد الكتب التي يدرسها الطلاب في
المدرسة على تكوين علاقة طويلة الأمد بالقراءة، أم أنها تجعل الأدب مرادفا للواجب
والامتحان؟
المفارقة أن الأدب البريطاني المدرسي لا
يعاني من نقص في الأعمال العظيمة؛ بل ربما يعاني من العكس: هيمنة مجموعة محدودة من
الأعمال التي أصبحت مألوفة إلى درجة أنها تكاد تتحول إلى مؤسسة تعليمية مستقلة.
الدراسات حول إصلاح التعليم في البلدان العربية تشير بالفعل إلى أن نماذج التعلم النشط والتفكير التحليلي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية، لكنها تؤكد أيضا ضرورة تكييفها مع السياقات المحلية، لا نقلها بصورة آلية.
وتشير الأرقام التي أوردتها الكاتبة
والروائية البريطانية كيت موس إلى أن 76 بالمئة من الطلاب يدرسون "مفتش
الحكومة" لجاي بي بريستلي، بينما يدرس 93 بالمئة منهم واحدا من عملين هما "أنشودة
عيد الميلاد" لتشارلز ديكنز أو "القضية الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد"
لروبرت لويس ستيفنسون.
أما حضور النصوص النسائية فيبدو أكثر إثارة
للجدل؛ إذ لا يدرس سوى 5 بالمئة من الطلاب في إنجلترا وويلز نصا من تأليف امرأة في
مرحلة الشهادة الثانوية.
المشكلة، إذن، ليست في الكتاب البريطانيين
الثلاثة: ديكنز ولا في ستيفنسون ولا في بريستلي، وإنما في السؤال الذي يلي ذلك: ماذا
يحدث عندما تصبح هذه الأعمال هي البوابة شبه الوحيدة التي يدخل منها جيل كامل إلى
عالم الأدب؟
الأدب بوصفه تجربة لا "معلومة"
لهذا طلبت موس من مجموعة من أبرز الكتاب
اقتراح أعمال يمكن أن تجعل الطلاب يحبون القراءة.
كانت الإجابات لافتة لأنها لم تتعامل مع
الأدب باعتباره مخزونا من "النصوص العظيمة" فقط، وإنما باعتباره تجربة
إنسانية وفكرية.
اقترحت نسيبة يونس، مثلا، "الأشجار"
لبيرسيفال إيفريت، وهي رواية ساخرة عن العنصرية والعنف التاريخي، لأنها تريد
للطالب أن يكتشف أن الأدب الجاد يمكن أن يكون مضحكا أيضا.
واقترح فرانك كوتريل ـ بويس قصص تيد تشيانغ
العلمية، لأنها تمنح المراهق أفكارا كبرى حول اللغة والذكاء والحب والعلم والإنسان.
أما بن أوكري فاختار مجموعة من القصص
الأفريقية، اعتراضا على ضيق الخريطة الجغرافية للأدب الذي يتعلمه الطالب البريطاني.
وتقترح كاميلا شمسي "أشياء صغيرة مثل
هذه" لكلير كيغان، بينما يختار جيف داير "رحلة في الظلام" لجين
ريس، في محاولة للجمع بين الجودة الأدبية واكتشاف أصوات نسائية لم تحصل دائما على
الموقع الذي تستحقه.
هذه الاقتراحات، رغم اختلافها، تلتقي حول
فكرة واحدة: لا يكفي أن يكون الكتاب
عظيما؛ ينبغي أيضا أن يكون قادرا على فتح باب.. باب إلى تجربة مختلفة، أو ثقافة
أخرى، أو سؤال أخلاقي، أو لغة جديدة، أو حتى إلى كتاب آخر.
لماذا تخشى هولي مكنيش "منهج الدم"؟
ربما كانت ملاحظة الشاعرة هولي مكنيش الأكثر
دلالة. تروي أنها أمضت أمسيات في
مراجعة امتحان الأدب مع ابنتها، فوجدت نفسها أمام ثلاثة نصوص تدور بصورة أو بأخرى
حول الدم والموت والعنف: "سيد الذباب"، و"ماكبث"، و"دكتور
جيكل ومستر هايد". ثم يأتي شعر الحرب.
وتتساءل: كيف يمكن أن نطلب من مراهق أن يحب
الأدب إذا كانت الصورة التي نقدمها له عن الأدب الجاد هي عالم لا يكاد يخلو من
القتل والحرب والشر؟
ليس الاعتراض أن هذه الموضوعات لا تستحق
الدراسة. بل إن السؤال هو: أين
الحب؟ أين الفكاهة؟ أين الجمال؟ أين الدهشة؟ أين الحياة العادية؟ فالأدب ليس
موسوعة للمآسي الإنسانية، حتى لو كان قادرا على تمثيل المأساة بأعمق من أي وسيلة
أخرى.
والطالب الذي يتعرف إلى الكتاب لأول مرة من
خلال تجربة ممتعة قد يعود إليه طوعا، بينما الطالب الذي يتعلم أن القراءة تعني حفظ
الاقتباسات وتحليلها استعدادا للامتحان قد يتعلم شيئا عن النص، لكنه قد لا يصبح
قارئا.
هنا تبدأ المقارنة العربية
عند هذه النقطة تصبح المقارنة مع المدارس
العربية شديدة الأهمية، ولكن بشرط تجنب التعميم. فالعالم العربي ليس نظاما
تعليميا واحدا، ومناهجه تتغير من دولة إلى أخرى، كما أن كثيرا من الدول العربية
أدخلت خلال السنوات الأخيرة مفاهيم التعلم النشط والتفكير النقدي والمشروعات
والتقييم القائم على المهارات.
لكن دراسات مقارنة وتقارير دولية ما زالت
ترصد في عدد من الأنظمة التعليمية العربية حضورا قويا للحفظ والتلقين والتعليم
المتمركز حول الكتاب والمعلم، على حساب الأسئلة التي تتطلب التحليل والاستنتاج
والنقد. وقد وجد البنك الدولي، مثلا، أن نسبا مرتفعة من طلاب الصف الثامن في عدد
من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُطلب منهم حفظ الحقائق والمبادئ بصورة
متكررة، وأن فرصا أقل تُتاح لهم للانخراط في تمارين تتطلب تجاوز ما قُدم لهم في
الدرس.
كيف يمكن أن نطلب من مراهق أن يحب الأدب إذا كانت الصورة التي نقدمها له عن الأدب الجاد هي عالم لا يكاد يخلو من القتل والحرب والشر؟
وفي دراسة مقارنة شملت السعودية والكويت
والأردن ومصر وتونس، تبين أن بعض مهارات التفكير النقدي تحظى بحضور في
المناهج،
لكن مهارات مثل فحص المصداقية والافتراضات ظلت أقل حضورا.
وفي الأدب تحديدا، كشفت دراسة لبنانية
منشورة عام 2026 أن النصوص الأدبية الرسمية غنية من الناحية المعرفية والإنسانية،
لكن الأنشطة المصاحبة لها تميل في كثير من الحالات إلى أسئلة التذكر والفهم، بينما
يكون حضور التحليل والنقد والإبداع أضعف.
وهنا نصل إلى قلب المقارنة: السؤال
البريطاني والسؤال العربي لنتخيل طالبا بريطانيا يقرأ رواية عن شخصية تواجه أزمة
أخلاقية. يمكن أن يأتي السؤال على
نحو قريب من: كيف غيّر هذا الحدث فهم الشخصية لنفسها؟ أو: هل يمكن للقارئ أن يتعاطف
مع الشخصية رغم رفضه خياراتها؟ أو: كيف يغير السرد بوجهة نظر
مختلفة فهمنا للأحداث؟ أو حتى: هل توافق الكاتب في رؤيته؟ استخدم النص للدفاع عن موقفك.
في هذه الأسئلة لا توجد بالضرورة إجابة
واحدة جاهزة. المطلوب أن يثبت الطالب كيف
وصل إلى رأيه. أما في النمط المدرسي التقليدي الذي لا تزال آثاره موجودة في أجزاء
من العالم العربي، فقد يواجه الطالب أسئلة من نوع: من هو مؤلف النص؟ ما
المناسبة التي قيلت فيها القصيدة؟ استخرج الصور البلاغية. ما الفكرة الرئيسة؟ اذكر
خصائص المدرسة الأدبية.. ما مواطن الجمال في الأبيات؟
هذه الأسئلة ليست خاطئة في ذاتها؛ بل إن
بعضها ضروري لتكوين المعرفة الأدبية. المشكلة تبدأ عندما تصبح هي النهاية وليست البداية. فالطالب قد يعرف أن هذا
تشبيه، وأن ذاك استعارة، وأن الشاعر ينتمي إلى مدرسة أدبية محددة، لكنه لم يُدعَ
بالقدر الكافي إلى السؤال الأكثر أهمية: وماذا يعني هذا النص
بالنسبة إليّ؟ وهل أصدقه؟ وهل أختلف معه؟ وهل يمكن أن أقرأه بطريقة أخرى؟
الفرق بين معرفة الإجابة وصناعة الإجابة
هذه النقطة تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة
تكشف اختلافا عميقا في فلسفة التعليم. هناك تعليم يقول للطالب: هذه هي المعلومة، احفظها. وتعليم
آخر يقول: هذه هي المادة، ابنِ منها
حجتك.. في الحالة الأولى يصبح النجاح مرتبطا بدرجة مطابقة الإجابة لما هو متوقع. وفي الثانية يصبح النجاح
مرتبطا بقدرة الطالب على بناء حجة يمكن الدفاع عنها.
وهذا لا يعني أن التعليم
الغربي تحرر تماما
من الحفظ، ولا أن المدارس العربية عاجزة عن التفكير النقدي. بل إن دولا غربية تواجه
بدورها انتقادات بشأن الاختبارات الموحدة وضغط الامتحانات، كما أن دولا عربية
كثيرة تخوض إصلاحات جادة في هذا المجال.
لكن الفارق الذي يستحق النقاش هو الاتجاه
العام للسؤال: هل السؤال يبحث عن إجابة يعرفها المعلم مسبقا، أم عن تفكير يستطيع
الطالب أن يبرهن عليه؟
من "ما قاله الشاعر؟" إلى "لماذا
قاله؟"
في الأدب تحديدا، يبدو هذا الفرق أكثر أهمية
من أي مادة أخرى. لأن الأدب بطبيعته لا يعمل
كمسألة رياضية لها نتيجة واحدة. عندما نقرأ قصيدة، يمكن أن نختلف حول معناها. وعندما نقرأ رواية، يمكن
أن نتعاطف مع شخصية يرفضها قارئ آخر. وعندما نقرأ نصا سياسيا أو
تاريخيا، يمكن أن نسأل عن المسكوت عنه بقدر ما نسأل عن المكتوب. ولهذا فإن تعليم الأدب
يمكن أن يكون واحدا من أقوى التدريبات على الاختلاف المنضبط.
ليس المطلوب أن يقول الطالب "أي شيء"،
وإنما أن يقول ما يعتقده ويثبت لماذا يعتقده.. وهنا تصبح حصة الأدب مختبرا مصغرا
للديمقراطية الفكرية: رأي، ودليل، واعتراض، وتأويل، ومراجعة للموقف.
ولكن ماذا عن تراثنا العربي؟
المقارنة تصبح أكثر إثارة حين نتذكر أن
التراث العربي نفسه زاخر بثقافة السؤال والمناظرة والاختلاف. من الجاحظ إلى أبي حيان
التوحيدي، ومن كتب المناظرات إلى النقد الأدبي القديم، لم يكن الفكر العربي القديم
مجرد عملية تلقين أحادية الاتجاه. كان هناك جدل، ومحاججة،
ونقد، ومفارقة، وأسئلة حول اللغة والمعنى والحقيقة. فالمشكلة ليست في "الثقافة
العربية" بوصفها عاجزة بطبيعتها عن إنتاج التفكير النقدي.
بل إن أحد الأسئلة التي تستحق أن تطرحها
إصلاحات التعليم العربية هو: كيف نستعيد من تراثنا نفسه تقاليد الحوار والمناظرة
والنقد، بدلا من تحويل التراث إلى قائمة من المعلومات التي يجب حفظها؟ وهذا أكثر
أهمية من مجرد استيراد نموذج تعليمي غربي. فالدراسات حول إصلاح
التعليم في البلدان العربية تشير بالفعل إلى أن نماذج التعلم النشط والتفكير
التحليلي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية، لكنها تؤكد أيضا ضرورة تكييفها مع السياقات
المحلية، لا نقلها بصورة آلية.
الكتاب الذي يشبه الطالب والكتاب الذي يوسّع
الطالب
ثمة سؤال آخر في النقاش البريطاني يستحق
نقله إلى العالم العربي: هل ينبغي أن يقرأ الطالب فقط ما يشبه عالمه؟
الإجابة ليست بسيطة، إذا قرأ الطالب فقط عن
نفسه، فلن يكتشف الآخر.،
وإذا قرأ فقط عن الآخر، فقد لا يجد نفسه أبدا في الأدب، لذلك يحتاج المنهج إلى
الاثنين معا: كتاب يقول للطالب: "أنا
أعرف هذا الشعور"، وكتاب آخر يقول له: "تعال، انظر إلى العالم الذي لم تعرفه
من قبل".. وهذه ربما واحدة من أهم وظائف الأدب، أن يمنح الإنسان اعترافا
بتجربته، ثم ينتزعه منها في الوقت نفسه.
هل يجب أن نتخلى عن الكلاسيكيات؟
بالتأكيد لا. ليست القضية أن نستبدل
شكسبير برواية معاصرة، أو ديكنز بكاتب جديد، أو المتنبي بشاعر حديث. القضية هي ألا نعامل
القائمة الأدبية كما لو أن تاريخ الأدب توقف عند نقطة معينة. فحتى الكاتب البريطاني جيف
داير، في النقاش الذي أثارته موس، يؤكد أهمية الحفاظ على جودة الأدب وعلى تطور
التقليد الأدبي.
لا تقول المناهج فقط للطفل "ماذا تقرأ".. إنها تقول له أيضا: من يستحق أن يُسمع صوته؟ أي ثقافة مهمة؟ أي تاريخ يستحق أن يُحكى؟ أي نوع من الشخصيات يستحق التعاطف؟ هل الأدب عالم للرجال أم للنساء أيضا؟ هل هو أوروبي أم عالمي؟ هل هو عن الملوك والحروب فقط، أم عن الحياة اليومية والهامش أيضا؟ وهل وظيفة الطالب أن يفهم ما قيل له، أم أن يمتلك الشجاعة ليقول: لا أتفق؟
المطلوب إذن ليس "قديم أم جديد؟"
وإنما: لماذا هذا النص تحديدا؟ وما
الذي يستطيع أن يفعله في عقل الطالب؟ هل يعرّفه بلغة عظيمة؟ هل يفتح أمامه سؤالا
أخلاقيا؟ هل يجعله يرى التاريخ من زاوية مختلفة؟ هل يجعله يكتشف ثقافة أخرى؟ هل
يمنحه متعة؟ هل يعلّمه أن يختلف؟ هل يدفعه إلى البحث عن كتاب آخر؟
إذا كانت الإجابة "نعم"، فإن النص
يستحق أن يكون في المدرسة، سواء كتب قبل ألف عام أو العام الماضي.
المشكلة ليست في السؤال بل في خوفنا من
الإجابة
ربما يكون أصعب ما في التعليم النقدي هو
قبول أن الطالب قد يقول شيئا لا يتوقعه المعلم. فالتعليم القائم على
الإجابة النموذجية أكثر راحة. المعلم يعرف الإجابة، والطالب يعرف ما ينبغي أن يقوله، والمصحح يعرف ما
ينبغي أن يمنحه من درجات.
أما عندما يصبح السؤال مفتوحا، فإن مساحة
عدم اليقين تتسع. وهنا يحتاج المعلم إلى
مهارة أكبر. فالطالب قد يقدم تأويلا لم يخطر في بال المعلم، وقد يختلف مع الكتاب
المدرسي، وقد يطرح سؤالا لا توجد له إجابة في نهاية الفصل. لكن هذا بالضبط هو المكان
الذي يبدأ فيه التفكير.
مناهج الأدب تكشف صورة المجتمع عن نفسه
في النهاية، لا تقول المناهج فقط للطفل "ماذا
تقرأ".. إنها تقول له أيضا: من يستحق أن يُسمع صوته؟ أي ثقافة مهمة؟ أي تاريخ يستحق أن يُحكى؟ أي
نوع من الشخصيات يستحق التعاطف؟ هل الأدب عالم للرجال أم للنساء أيضا؟ هل هو
أوروبي أم عالمي؟ هل هو عن الملوك والحروب فقط، أم عن الحياة اليومية والهامش
أيضا؟ وهل وظيفة الطالب أن يفهم ما قيل له، أم أن يمتلك الشجاعة ليقول: لا أتفق؟
هذه الأسئلة تجعل المعركة على المنهج الأدبي
أعمق بكثير من معركة حول عناوين الكتب.
المدرسة التي تصنع قارئا
الدرس الأهم من النقاش البريطاني ليس أن
ننسخ الكتب التي اختارها كتاب بريطانيا، ولا أن نعلن أن مدارس الغرب أفضل من مدارس
العرب. الدرس الأهم هو أن حب
القراءة لا يمكن أن يُفرض بالقرار الإداري.
يمكن للوزارة أن تضع قائمة كتب، ويمكن
للامتحان أن يفرض نصا، ويمكن للمعلم أن يشرح، لكن القارئ الحقيقي لا يولد من الحفظ. إنه يولد عندما يشعر أن
الكتاب يخاطبه. وأن السؤال لا يريد منه تكرار الإجابة التي يعرفها المدرس، وإنما يريد
أن يعرف ماذا رأى هو في النص، وكيف رأى ذلك، ولماذا يعتقد أنه محق..
ربما لهذا السبب لا ينبغي أن يكون السؤال
الأخير بعد كل رواية: ما الفكرة التي أراد الكاتب أن يوصلها؟ بل يمكن أن يكون أحيانا: ما الفكرة التي وصلت إليك
أنت؟ وهل تستطيع الدفاع عنها؟
فبين السؤالين تقع مسافة هائلة. في الأول، يبحث الطالب عن عقل
الكاتب.. وفي الثاني، يبدأ في اكتشاف عقله هو.. وهنا تحديدا يتحول الأدب من مادة
دراسية إلى تربية للإنسان.