ينتقل مشروع سلسلة "الرسائل" الذي
يشرف عليه الإعلاميان فيصل جلّول وسامي كليب إلى المحروسة هذه المرّة، حيث تستعرض
أربع وعشرون شخصية عربية تفاعلها مع
مصر وناسها ومدنها المختلفة عبر أربعة وعشرين
نصّاً، يستكشف كلّ منها البصمة التي تركتها أرض الكنانة على صاحبه.
وقد تشرّفت بأن يكون لي نصٌّ ضمن دفّتي
الكتاب عبّرت فيه عن رؤيتي لمصر، التي عشت فيها قرابة عشر سنوات، متّخذةً من مدينة
الغردقة على ساحل البحر الأحمر مدخلًا إلى هذه الرؤية. ففي كلّ مرة أعود فيها إلى
الغردقة، أكتشف مدينة أخرى داخل المدينة التي ظننت أنني عرفتها وسبرت أغوارها.
وربما أكتب نصّاً مختلفاً عنها الآن بعدما زرتها مجدداً إثر صدور الكتاب.
في "الرسائل المصرية"، اجتمع أربعة وعشرون من الصحافيين والأكاديميين والسياسيين والفنانين العرب، ولم يكتبوا مصر من نافذة واحدة. وهذه، في تقديري، إحدى نقاط قوة الكتاب. فلا صوت يدّعي امتلاك الصورة الكاملة، ولا تعريف واحد يحاول اختزال بلد عصيّ على الاختزال.
ففي البداية، يبدو البحر هو الحكاية كلّها:
زرقة البحر الأحمر، الشعاب المرجانية، الجزر، الدلافين، والشواطئ التي جعلت
المدينة مقصدًا للقادمين من جميع أنحاء العالم. لكن شيئًا فشيئًا، تتراجع صورة
المنتجع السياحي لتظهر مدينة أكثر تعقيدًا، مدينة تحمل ذاكرة الحرب والسلام،
وتتجاور فيها جنسيات ولغات وثقافات مختلفة، بل متخاصمة أحيانًا. ومن خلال تلك المدينة
التي صرت أعتبرها نسخة مصغّرة من مصر، عبّرت عن إيماني بقدرة هذا البلد وناسه على
استيعاب الآخر وثقافته، وحتى لغته، ثم ترك بصمتهم فيه، حتى يعود إلى بلده وقد
تمصّر شيء في روحه.
وحين استقرّ نصّي إلى جوار نصوص الكتّاب
الآخرين، بدا لي أن ما حدث معي في الغردقة على نطاق صغير، يحدث في مصر كلها على
نطاق أكبر. فكلّما اعتقدنا أننا عرفنا المحروسة، ظهر لنا وجه آخر منها.
الكتاب، الصادر عن دار هاشم للكتب والنشر،
هو الحلقة السادسة من مشروع "الرسائل"، وقد تنقّل المشروع بين دمشق
وفلسطين والمغرب والخليج ولبنان. ورغم استحالة أن تختصر نصوص "الرسائل
المصرية" بلداً تتراكم داخله كلّ هذه الأزمنة والتجارب، فقد حاول الكتاب أن
يقدّم رؤى لكتّاب عرب من مشارب مختلفة تفاعلوا مع مصر، وتفاعلت مصر معهم، وعايشوها
فعاشت فيهم. ويقول المشرفان على المشروع إنه يتجاوز، في جوهره، فكرة إصدار كتب
متفرقة عن بلدان عربية، إذ يريان أن ثمّة فكرة أشمل يقوم عليها، ألا وهي أن يكتب
العرب بعضهم عن بعض، وأن يتبادلوا المعرفة والتجارب والذاكرة، فيكون البلد الواحد
موضوعًا للرسائل تارةً، وينطلق أبناؤه للكتابة عن بلدان عربية أخرى تارةً أخرى.
وفي "الرسائل المصرية"، اجتمع
أربعة وعشرون من الصحافيين والأكاديميين والسياسيين والفنانين العرب، ولم يكتبوا
مصر من نافذة واحدة. وهذه، في تقديري، إحدى نقاط قوة الكتاب. فلا صوت يدّعي امتلاك
الصورة الكاملة، ولا تعريف واحد يحاول اختزال بلد عصيّ على الاختزال.
نبدأ من مدن المحروسة، من القاهرة
والإسكندرية وطنطا والغردقة، ثم ندخل إلى الحارات والصحافة والفنون والقاهرة كما
تراها السينما. بعدها تتغير زاوية النظر، فنقرأ في الاقتصاد الناصري والوحدة
المصرية السورية، ثم نعود أبعد في الزمن إلى الحملة الفرنسية، قبل أن نصل إلى
التصوّف والأزهر، وتنفتح الصفحات لاحقًا على شهادات عربية عن مصر والمصريين. قد
تبدو هذه الموضوعات، للوهلة الأولى، مختلفة ومتباينة. لكن أليست مصر نفسها كذلك؟
يصف تقديم الكتاب مصر بأنها "متحف كبير
متعدّد الطبقات الزمانية والمعرفية". وربما تختصر العبارة جانبًا كبيرًا من
بنية الكتاب: التاريخ هنا لا يقف وراء الحاضر، وإنما يسير إلى جواره. والسياسة لا
تنفصل تمامًا عن الثقافة، ولا تنفصل السينما والأغنية والصحافة عن الطريقة التي
عرف بها ملايين العرب مصر قبل أن يروها. وهنا نصل إلى وجه آخر من "الرسائل
المصرية": مصر الموجودة خارج مصر. إذ ثمّة مصر موزعة في الذاكرة العربية.
عرفها بعضهم من السينما، وبعضهم من صوت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ومن المسرح
والكتاب والصحيفة والمجلّة. وعرفها آخرون من مدرّس مصري دخل فصلًا دراسيًا في بلد
عربي، أو طبيب أو مهندس أو خبير عاش بينهم سنوات. وثمة أجيال تشكّل وعيها السياسي
والثقافي، في جانب منه، على وقع أحداث كانت القاهرة في قلبها. ولهذا يكتسب الباب
المخصّص للشهادات العربية في حبّ مصر والمصريين معنى يتجاوز الاحتفاء. تأتي
الأصوات من اليمن والسودان وتونس والمغرب والجزائر والعراق وسلطنة عمان والبحرين
وفلسطين، فتطرح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سؤالًا آخر: ماذا بقي من مصر في
ذاكرة الآخرين؟
وهذا السؤال يعيدنا إلى فلسفة مشروع
"الرسائل" نفسه. نحن نعيش في زمن نعرف فيه أخبار بعضنا بعضاً بسرعة لم
تعرفها أجيال سابقة، لكن وفرة الأخبار لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة. قد نعرف
الحروب والأزمات والمواقف السياسية، ونجهل الحياة اليومية والذاكرة والفن والتجارب
الإنسانية التي تصنع البلدان. من هنا، تبدو الكتابة عن بلد عربي بعين عربية أخرى
أبعد من تمرين أدبي. إنها محاولة لمقاومة الصورة المختصرة، بأن يروي تجربته كلّ من
عاش المكان أو عرفه أو شاهده أو ترك فيه المكان أثرًا.
قد نعرف الحروب والأزمات والمواقف السياسية، ونجهل الحياة اليومية والذاكرة والفن والتجارب الإنسانية التي تصنع البلدان. من هنا، تبدو الكتابة عن بلد عربي بعين عربية أخرى أبعد من تمرين أدبي. إنها محاولة لمقاومة الصورة المختصرة، بأن يروي تجربته كلّ من عاش المكان أو عرفه أو شاهده أو ترك فيه المكان أثرًا.
وربما لهذا اكتسب نصّي عن الغردقة، بالنسبة
إليّ، معنى آخر بعدما أصبح جزءًا من الكتاب. فقد دخلت المدينة أول مرة وفي ذهني
صورة واحدة عنها، ثم خرجت منها بصور كثيرة: رأيت البحر، لكنني وجدت وراءه تاريخًا
وحربًا وعملًا وسياحة ولغات وثقافات متجاورة. وتعلّمت منها شيئًا عن صعوبة اختزال
الأمكنة، وهو تحديدًا ما تفعله "الرسائل المصرية" على مساحة أكبر.
فالكتاب لا يدّعي الإحاطة بمصر كلّها، بل يلتقط قطعًا من فسيفسائها. تضيف كلّ
مساهمة قطعة جديدة، فيما تبقى بينها مساحات يستطيع القارئ أن يملأها بمصر التي
يعرفها، أو بتلك التي سيكتشفها للمرة الأولى.
وفي انتقاله بين دمشق وفلسطين والمغرب
والخليج ولبنان، وصولًا إلى مصر، يحمل مشروع فيصل جلّول وسامي كليب سؤالًا يستحق
أن يظلّ مفتوحًا: ماذا يحدث حين يحاول العرب إعادة اكتشاف بعضهم بعضًا بأقلام
بعضهم بعضًا؟
ولعلّ مصر من أكثر محطات المشروع ملاءمةً
لهذا السؤال، ففي نفوس كثير من العرب "شيء من مصر" حتى قبل أن تطأ
أقدامهم أرضها أو يرووا ظمأهم من ماء نيلها: أغنية، أو فيلم، أو كتاب، أو وجه، أو
حكاية عائلية، أو لحظة من التاريخ.
أمّا أنا، التي دخلت هذا الكتاب من بوابة
مدينة على البحر الأحمر، فقد خرجت منه أمام سؤال أوسع: كم مصرًا تسكن مصر؟
لن تقدّم أربع وعشرون مساهمة جوابًا نهائيًا
عن هذا السؤال، ولا أظنّ أن الكتاب يسعى إلى ذلك. ولعلّ هذا أجمل ما فيه. فبعض
البلدان لا تختصرها الإجابات، وإنما تفتح الرسائل أبوابًا جديدة إليها.
وإذا كان يونس القاضي قد سأل في كلمات
النشيد الوطني المصري: "وعلى كلّ العباد، كم لنيلك من أياد؟"، فإن صفحات
هذا الكتاب تكشف أن لمصر في ذاكرة العرب أيادي لا تُحصى، وحكايات لا تنتهي.
*إعلامية
جزائرية مقيمة في مصر