هل تحوّل العلمانية الضمير إلى بديل عن الوحي؟ قراءة في كتاب

الكتاب يعكس أزمة حقيقية في مواجهة تصورات العصر، وإن بصورة غير مباشرة وربما غير مقصودة من المؤلف..
الكتاب يعكس أزمة حقيقية في مواجهة تصورات العصر، وإن بصورة غير مباشرة وربما غير مقصودة من المؤلف..
شارك الخبر
الكتاب: التوظيف العلماني للمضامين التراثية: قراءة حول (استفتاء القلب، والوازع الأخلاقي، والضمير)
الكاتب: السعيد صبحي العيسوي
الناشر: مركز تكوين للدراسات والأبحاث، لندن، ط1، /2022م
عدد الصفحات: 143 صفحة

ـ 1 ـ


ينطلق السعيد صبحي العيسوي من تقرير شمولية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، مبرزًا أن "قوة الضبط العلمي والمنهجي" التي حظي بها هذا الدين -من أصول الفقه وقواعده والمصطلح وعلوم القرآن واللغة- هي حصانته ومنعته التي "تتكسر دونها أهواء الزائغين" (ص10). وفي المقابل، يرصد وجود "تيار علماني موازٍ" يسعى إلى فرض حضوره، استعلن به أهله والمنافحون عنه، محاولين انتهاز فرصة التغيرات العالمية وطغيان نمط الحياة الغربية.

ويحدد المؤلف العلمانية تحديدًا سلبيًا اتهاميًا في مسلكين مزدوجين، يتمثل الأول "تحريف لأحكام الشريعة" غايته تنحية الشريعة عن الحياة العامة وإقصاؤها منها، أما الثاني فعلى صلة ب"تحريف للمعاني الشرعية" عند الفهم والتأويل، عبر تقديم قراءات تأويلية تسرّب مفردات الفكر الغربي والتغريبي إلى حياتنا بظاهر إسلامي، وهو ما يصفه المؤلف بامتداد "لمشروع المنافقين القديم"، مستشهدًا بابن القيم في وصفه لأصلي أهل الضلال: التكذيب بالحق والتصديق بالباطل (ص13). والغاية من وراء هذا كله، كما يبيّن المؤلف، توظيف نصوص "استفتاء القلب" و"الوازع الأخلاقي" في معنى "ضمير"، بديلًا عن الدين والتديُّن والشريعة وأدلتها.

ويكشف الباحث بعد ذلك الخلفية الحضارية لهذا التوجه، فيرى أن المجتمعات العلمانية عاشت "مأساة حقيقية" نتيجة غياب الدين، وغرقت أرواح الناس في عالم المادة والشهوات، فلما أدرك الغربيون ذلك ظنوا أن "الضمير" بديل داخلي، فصار مُشرِّعًا للإنسان بلا هدى شرعي ولا وحي من السماء. ويختم المؤلف هذا المقطع بالتحذير: إن لم يُوقَف هذا التيار عند حدِّه فسيتحول الضمير إلى بديل كامل عن النصوص الشرعية، فلا حاجة عندها للتعلم ولا لكليات الشريعة ولا للبرامج الدينية في الإعلام (ص15).

ـ 2 ـ

يبحث العيسوي في هذا المقطع في التوظيف العلماني للمضامين التراثية، مؤرِّخًا لهذه الإشكالية ببدايتها أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، حين واجه الكتّاب العلمانيون العقيدة والتراث الإسلامي بمقررات العلوم التجريبية. ثم تلا ذلك، بحسب المؤلف، "مرحلة جديدة بآلية جديدة": إذ أصبح الخصم يفتش عن فضاء آخر يشن غارته منه، فكانت نصوص الوحي من القرآن والسنة مجال بحثهم، لتكون مدخلًا جديدًا للتشكيك في الثوابت وجسرًا لنشر الأفكار العلمانية والحداثية.

يعكس أزمة حقيقية في مواجهة تصورات العصر، وإن بصورة غير مباشرة وربما غير مقصودة من المؤلف، فهو في جوهره استجابة دفاعية لا استجابة إنشائية، إذ ينشغل بتفنيد أطروحات الخصوم أكثر من انشغاله بتقديم نظرية إيجابية متكاملة عن "الضمير الإسلامي" ووظيفته المعرفية والنفسية في حياة الفرد المسلم المعاصر الذي يواجه فعلًا معضلات أخلاقية جديدة، كالتقنية الحيوية والتعددية الثقافية.
ويستشهد في هذا السياق بمحمد عابد الجابري قوله: "تكسير بنية الفكر القديم يجب أن يتم من خلال ممارسة هذا الفكر نفسه، من خلال العيش معه، من خلال نقده من الداخل" (ص20)، وبقوله أيضًا: "لماذا نضيق على أنفسنا، ونسجن اجتهادنا في قواعد كانت تَفِي بالمصلحة والمقاصد... إذا لم تعد تفي بنفس الغرض اليوم؟" (ص22).

ويفهم المؤلف من "تكسير البنية" هذا سعيًا إلى نزع حصانة قواعد علم أصول الفقه وتحريف وظيفتها، أي تحويلها إلى أصول داعمة لمفردات الفكر الغربي والتغريبي، ليُبرَّر بذلك اعتماد "قراءات تأويلية جديدة" (ص20).

ويصل المؤلف هذا التوظيف بما أورده علماء الأمة، فيستحضر ابن القيم في وصفه لمسالك التحريف عند أهل الضلال: التكذيب بالحق الذي جاءت به الرسل، والتصديق بالباطل، "وصدَّقوا وكذَّبوا! فهي قواطع، ولكن عن الإيمان بالله... وهي خيالات جهلية شُبِّهت عليهم فظنوها قواطع عقلية" (ص24)، ويورد أيضًا قول الشاطبي: "دعوى أن مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها، وإنما المقصود أمر آخر وراءها... حتى لا يبقى في جميع الشريعة ظاهر متمسك به"، وهو بحسب الشاطبي "رأي كل قاصد لإبطال الشريعة، وهم الباطنية" (ص25-26).

ـ 3 ـ

يعرض السعيد صبحي العيسوي بعد ذلك مسالك التوظيف العلماني للمضامين التراثية متدرجًا فيها من الأكثر جذرية إلى الأخف وطأة. يبدأ بمسلك قلب النصوص والقواعد الشرعية وإعادة تأصيل الأصول لتكون مبادئ وأصولًا داعمة لأفكارهم، ومن أخطر ما يورده المؤلف هنا نقله عن حسن حنفي قوله: "فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ، تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور، وما شأننا بالكهنوت، والعلمانية ما هي إلا رفض له؟!" (ص29).

ثم ينتقل إلى مسلك ثانٍ هو إظهار الأفكار في سياق مبرهن ونزاهة مصطنعة، فمسلك ثالث هو توظيف السياق لتعطيل دلالة النصوص، كتوظيف سياق آيات الجهاد بالعفو والصفح لتعطيل حكم الجهاد. ويعرض مسلكًا رابعًا هو البحث في المضامين التراثية عما يدعم الأفكار الباطلة، بأن توضع الفكرة أولًا في الذهن ثم تُصطاد لها إشارات تراثية داعمة ولو كان دعمًا صوريًا ظاهريًا.

ويأتي المسلك الخامس بتبسيط الأفكار إلى أوليات ومجملات مقبولة، مستشهدًا بابن بطة: "وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قومًا يريدون إبطال الشريعة... فيموهون على من قل علمه" (ص47). ويختم بمسلك سادس هو توالي الخطاب التشكيكي في النصوص والقواعد.

وللتصدي لهذا التوظيف، يذكّر الباحث بأن "علوم الإسلام المنهجية المؤسِّسة للفكر" أدوات للحق لا للباطل، لكنها إذا وُظِّفت لتأسيس باطل أو ترويجه انقلب عليها صنيعها، فيرى لزوم ركائز للمواجهة: تأصيل التسليم للوحي والاستعلاء بالدين واليوم الآخر، وإعلاء فهم سلف الأمة، وتفعيل القواعد المنهجية في مواجهة التوظيف الهدَّام، وعدم التنازل عن حكم شرعي لاحتمالية كونه منفرًا، وترسيخ نظرة القرآن للأهواء المخالفة بأنها أهواء لا تفكيرًا عقليًا أو منطقيًا، وتنويع الأسلوب الدعوي تجاه أصحاب المذاهب الهدَّامة، مستشهدًا بابن القيم: "وليس على الأديان أضرَّ من هذا الضرب من الناس، وإنما تُفسِد الأديان من قِبَلهم" (ص63)، مضيفًا أوجهًا للوعظ في المواجهة منها التذكير بالتوبة في سياق الجدل العقدي، وتذكير المخالفين بما هم عليه من الحيرة والتذبذب.

ـ 4 ـ

يعرّف المؤلف الدين لغة بأنه "الانقياد والذل"، واصطلاحًا "ما عليه أهل الشريعة"، والمتديِّن من جعل ذلك دينه فدان به. ويعرّف الضمير لغة بأنه "قلب الإنسان وباطنه"، وفي اصطلاح المعاصرين "استعداد نفسي لإدراك الحسن والقبيح من الأفعال، مصوَّب بالقدرة على إصدار أحكام أخلاقية مباشرة" (ص71). وينتقل بعدها إلى تفصيل حقيقة استفتاء القلب، فيعرّف الاستفتاء لغة بأنه "طلب الفتيا"، واصطلاحًا "طلب إظهار ما خفي على السائل من الأمور الشرعية"، وحقيقة استفتاء القلب عنده "طلب المسلم طمأنينة القلب والنفس فيما اشتبه عليه حكمه" (ص76).

علوم الإسلام المنهجية المؤسِّسة للفكر" أدوات للحق لا للباطل، لكنها إذا وُظِّفت لتأسيس باطل أو ترويجه انقلب عليها صنيعها، فيرى لزوم ركائز للمواجهة: تأصيل التسليم للوحي والاستعلاء بالدين واليوم الآخر، وإعلاء فهم سلف الأمة، وتفعيل القواعد المنهجية في مواجهة التوظيف الهدَّام، وعدم التنازل عن حكم شرعي لاحتمالية كونه منفرًا، وترسيخ نظرة القرآن للأهواء المخالفة بأنها أهواء لا تفكيرًا عقليًا أو منطقيًا، وتنويع الأسلوب الدعوي تجاه أصحاب المذاهب الهدَّامة، مستشهدًا بابن القيم: "وليس على الأديان أضرَّ من هذا الضرب من الناس، وإنما تُفسِد الأديان من قِبَلهم
ويعرّف الوازع الأخلاقي بأنه من "الوزع" وهو كف النفس عن هواها، فالوازع الأخلاقي عنده "كفُّ الإنسان نفسه عن الهوى وارتكاب الخطايا والآثام"، وإذا ضُمَّ إلى الوازع الديني الشرعي "تم أمره، وسلم من المحظور، وكان المرء رشيدًا ثقة دَيِّنًا" (ص77). ثم يقرر المؤلف أن نصوص "استفتاء القلب" وما يقاربه من "الوازع الأخلاقي" شهدت توظيفًا هدَّامًا في معانٍ خادمة للعلمانية تحت مسمى "الضمير"، مستفيدين من تقارب المعنى الشرعي لاستفتاء القلب والوازع مع "إعمال المرء ضميره"، ويرى أن مصطلح "الضمير" قد تنازعه فريقان: فريق يرى فيه حصانة شرعية لدين المسلم من الهوى والزيغ، وفريق آخر يوظف هذا المعنى بديلًا عن الدين والتدين ومرجعية مركزية (ص81).

ويعرض المؤلف الرؤية العلمانية لاستفتاء القلب والوازع بأن دور الدين فيها يتوقف عند كونه سلطة موجِّهة، وأن الأخلاق في حياة المجتمعات "باتت في غنى عن فرضية المشرع الإلهي ما دام الإنسان كائنًا عاقلًا... قادرًا على أن يضع لنفسه قوانين عقلانية"، وأن هدف أصحاب هذه الرؤية جعل "الضمير" دينًا جديدًا متصالحًا مع العلمانية، وأولى مهامه إقصاء الشريعة ونصوصها وقواعدها، وجعل معيار الحلال والحرام "الضمير العلماني" (ص86). ثم يعرض مسالك هذا التوظيف، فيبدأ بتفريغ مصطلحات استفتاء القلب ونحوه من معانيها وتوظيفها في معنى علماني (ص92-97)، وهو ما يدور بحسبه حول فكرتَي "علمنة الأخلاق" و"علمنة المعاني الشرعية"، وإلباسها ثوب الشريعة لتنفيقها وترويجها عند البيئات المحافظة (ص92)، ويفنّد المؤلف في هذا السياق تعميم فتوى القلب على كل الناس دون تمييز.

ـ 5 ـ

ينطلق العيسوي في الصفحات الأخيرة من الكتاب من مسلَّمة أن "النصوص الشرعية وقواعد الشريعة وضوابطها تحمل في طياتها حصانة تحول دون توظيفها فيما يخالف الشرع"، ويصوغ على أساسها قواعد لضبط استخدام مصطلح "الضمير" شرعيًا: أن يُفسَّر الضمير بالوازع الإيماني، وألا يكون بديلًا عن الدين والتدين وتعلُّم الأحكام، ولا اعتبار به إذا خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا صحيحًا، ويشبّه المؤلف "دين الضمير" في هذه الحالة بالإلحاد من حيث الجوهر. ويضيف شرط أن يكون صاحب الضمير على علم وتمييز، مستشهدًا بقول عمر بن الخطاب: "لا يبع في سوقنا إلا من فَقِه"، وأن يكون صاحبه على ديانة وورع، وألا يُفسَّر الضمير والوازع باللادينية، فالمذاهب الفكرية الهدَّامة كالعلمانية قوامها -بحسبه- تأخير منزلة الدين في الحياة. ويشترط أخيرًا ألا تُرَدَّ الاجتهادات المعتبرة اعتمادًا على الضمير، فلا تُرَدُّ اجتهادات العلماء واستنباطاتهم بدون مُسوِّغ شرعي اعتمادًا على الضمير أو الوازع الشخصي، وإنما يُصار إلى ذلك في حالة وقوع الشك حقيقة، لا لرد فتوى مطلقًا اعتمادًا على مستحسنات الضمائر (ص130).

ويختم المؤلف هذا المبحث بالقول إنه بينما اكتفى المتقدمون من العلمانيين بالتوسع في علوم الآلة، كأصول الفقه وعلوم الحديث والقرآن واللغة، دون الخوض في أبجديات الشريعة ذاتها، "فاليوم تراهم قد سلُّوا جميعًا سيف البتر" للعلوم المنهجية المؤسِّسة للفكر الإسلامي ذاتها، بتحريف النصوص وتخلية قواعد الإسلام الركيزة من مضامينها الضابطة، ثم يورد ست نقاط يرى أنها أبرز ما توصلت إليه الدراسة.

ـ 6 ـ

من الناحية المنهجية، يُحسب للكتاب توثيقه الدقيق، إذ يذكر أرقام الصفحات والمصادر لكل نص يورده من الخصوم، ووضوح هيكلته التي تسير وفق تسلسل تعريف، فتوظيف، فمواجهة، فضوابط، وهذا يجعله مرجعًا نافعًا لمن أراد الاطلاع على نصوص "الخصوم" مجموعة في مكان واحد. غير أن الكتاب، في مجمل خطابه، ينحو منحى الترذيل الشامل للعلمانية، ولا يفرّق تفريقًا منهجيًا واضحًا بين تيارات علمانية متعددة، كالعلمانية الإجرائية أو السياسية التي تقصر مهمتها على فصل السلطة الدينية عن مؤسسات الدولة، والعلمانية الشاملة أو الفلسفية التي تتبنى موقفًا وجوديًا من الدين ذاته. فيعامل المؤلف حسن حنفي والجابري ونصر أبو زيد وأركون والطالبي، على تفاوت مشاربهم الفكرية الحقيقي وقرب بعضهم من الإصلاحية الدينية أكثر من العلمانية الصريحة، بوصفهم صفًّا واحدًا يخدم "مؤامرة" أو "توظيفًا هدَّامًا" (ص134: "قد اجتمع من أهل العلم من بأقطارها... مع اختلاف مشاربهم العلمانية والإلحادية وغيرها -كيدًا للشريعة").

يمكن القول من منظور الانفتاح على تطور مقاربات المفكرين الإسلاميين أنقسهم، إن الكتاب يعكس أزمة حقيقية في مواجهة تصورات العصر، وإن بصورة غير مباشرة وربما غير مقصودة من المؤلف، فهو في جوهره استجابة دفاعية لا استجابة إنشائية، إذ ينشغل بتفنيد أطروحات الخصوم أكثر من انشغاله بتقديم نظرية إيجابية متكاملة عن "الضمير الإسلامي" ووظيفته المعرفية والنفسية في حياة الفرد المسلم المعاصر الذي يواجه فعلًا معضلات أخلاقية جديدة، كالتقنية الحيوية والتعددية الثقافية. كما يعاني الكتاب، من زاوية نقدية، من ضعف في تمثيل الخصم بأقوى صوره، فالنصوص المختارة، كنص عدلي جندي الساخر من قصة بني قريظة (ص89)، تبدو أحيانًا مختارة لصدمة القارئ وإثارة انفعاله أكثر من كونها تمثيلًا لأرسخ ما قيل في تيار "أخلقة الدين" الحديث، كأخلاقيات كانط الواجبية التي ربما كانت مثالًا فلسفيًا أقوى للمقارنة.

وأخيرًا، لا يناقش المؤلف إشكالية حقيقية أثارها هو نفسه ضمنًا: إذا كان "الضمير" مشروطًا بالعلم والورع، فما الفارق العملي الحقيقي بينه وبين "الاجتهاد الفقهي" المعتبر أصلًا؟ أي هل "استفتاء القلب" مفهوم مستقل حقًّا له وظيفة معرفية إضافية، أم أنه، كما يبدو من ضوابط الكتاب ذاتها، لا يعدو كونه تسمية بديلة للورع والاحتياط عند تعارض الأمارات، بلا مضمون جديد؟
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل