منظمة التحرير والانتخابات والمشروع الوطني.. سبل الخروج من المأزق الفلسطيني

 استعادة القدرة على المبادرة تتطلب أولا معالجة أزمة التمثيل السياسي، وإيجاد صيغة تستوعب القوى والفصائل والمستقلين والأجيال الجديدة والفلسطينيين في الشتات..
استعادة القدرة على المبادرة تتطلب أولا معالجة أزمة التمثيل السياسي، وإيجاد صيغة تستوعب القوى والفصائل والمستقلين والأجيال الجديدة والفلسطينيين في الشتات..
شارك الخبر
في ظل التحولات التي أعادت رسم المشهد الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تداعيات الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان والضم والتهجير، وتراجع فاعلية المؤسسات السياسية، عاد سؤال مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى واجهة النقاش.

وفي هذا السياق، عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، الأربعاء 2 أيلول/سبتمبر 2026، حلقة نقاش عبر تقنية الاتصال المرئي بعنوان "الخروج من المأزق الفلسطيني"، بمشاركة مجموعة من الباحثين والخبراء، ناقشوا خلالها مسارات مختلفة للخروج من الأزمة، تراوحت بين إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاح النظام السياسي وإجراء انتخابات شاملة، وبين الدعوة إلى مرحلة انتقالية وإعادة تعريف المشروع الوطني وبناء أطر سياسية وشعبية جديدة.

أزمة تتجاوز الانتخابات


وأدار الحلقة مدير عام مركز الزيتونة، أ.د. محسن محمد صالح، الذي وصف التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية بأنها وجودية وغير مسبوقة، في ظل تزامن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال مع أزمات متراكمة في القيادة والرؤية والبرنامج والبنية المؤسسية.

لكن صالح شدد في الوقت نفسه على أن تشخيص الأزمة لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، داعيا إلى الانتقال إلى البحث عن خطوات عملية يمكن البناء عليها، وإلى تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفصائلية والشخصية.

وتكشف طبيعة المداخلات التي شهدتها الحلقة أن السؤال المطروح لم يكن ببساطة: **هل تجري انتخابات فلسطينية أم لا؟**، وإنما كان أوسع من ذلك، ويتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وموقع منظمة التحرير، وطبيعة المشروع الوطني، وآليات تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات، فضلا عن الأدوات التي يمكن استخدامها لمواجهة الاحتلال ومشاريع الضم والتهجير.

معين الطاهر: المطلوب إعادة تعريف المشروع الوطني


وذهب الكاتب والباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، معين الطاهر، إلى أن المأزق الفلسطيني الراهن غير مسبوق، ويستدعي مراجعة نقدية للتجارب والبرامج والأدوات التي حكمت العمل الوطني خلال العقود الماضية.

وربط الطاهر هذه الحاجة بتداعيات حرب غزة، وتصاعد الاستيطان والضم والتهجير، وتراجع أدوار السلطة والفصائل، وما اعتبره تراجعا في حوامل المشروع الوطني.

وفي هذا الإطار، دعا إلى إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، والتمييز بين المشروع الوطني من جهة، والبرامج السياسية وأشكال النضال من جهة أخرى.

واقترح اعتماد النضال ضد نظام الأبرتهايد الصهيوني إطارا جامعا للشعب الفلسطيني، معتبرا أن ذلك يمكن أن يوفر أرضية مشتركة لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني.

كما دعا إلى إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية تعددية، واستعادة دورها وشرعيتها، بالتوازي مع تبني استراتيجية تقوم على الصمود ومقاومة الضم والتهجير وتعدد أشكال المقاومة، وتعزيز الحضور الفلسطيني في الوطن والشتات.

وشدد كذلك على تفعيل الحراك الشعبي والدولي لعزل إسرائيل، وعلى بناء تيار وطني ديمقراطي تعددي قادر على تمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.

المدهون: الانتخابات مدخل للإصلاح وليست غاية


في المقابل، قدم وزير الثقافة الفلسطيني السابق ورئيس مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات، محمد إبراهيم المدهون، مقاربة تضع الانتخابات في موقع أكثر مركزية، وإن كان لا يتعامل معها باعتبارها حلا منفردا.

وقال إن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلا لإصلاح النظام السياسي وتجديد الشرعية، لكنه شدد على ضرورة أن تأتي ضمن مسار متكامل لمعالجة الانقسام وإعادة بناء المؤسسات.

وبحسب المدهون، فإن نجاح أي مسار انتخابي يتطلب أن تكون العملية شاملة ونزيهة وشفافة، وأن تشمل غزة والضفة الغربية والقدس، مع احترام نتائجها وضمان التداول السياسي.

وأولى أهمية خاصة لإدماج غزة في العملية السياسية، باعتبار ذلك ضروريا للحفاظ على وحدة الشعب والأرض والقضية، داعيا كذلك إلى تحويل التحالفات الانتخابية إلى شراكات سياسية قائمة على برنامج وطني.

كما شدد على إدارة الاختلاف من خلال التعددية واحترام الحريات واستقلال القضاء، مقترحا خريطة طريق تبدأ بالتوافق على قواعد العملية السياسية والانتخابية، وتنتهي بإصلاح مؤسسات النظام السياسي وتوحيد الاستراتيجية الوطنية.

الجولاني يحذر من انتخابات تعمق الانقسام


أما رئيس تحرير صحيفة "السبيل" الأردنية، عاطف الجولاني، فانطلق من أولوية مختلفة، تتمثل في مواجهة ما وصفه بتهديد وجودي متصاعد يستهدف القضية الفلسطينية والشعب والأرض.

ومن هذا المنطلق، رأى أن مواجهة المخاطر الخارجية ينبغي أن تتقدم على الخلافات الداخلية، محذرا من أن الانتخابات بصيغتها الحالية، وفي ظل غياب التوافق وتهميش فلسطينيي الشتات، قد تتحول إلى ساحة جديدة للصراع الفلسطيني بدلا من أن تكون أداة للخروج منه.

ودعا إلى تجميد الخلافات الداخلية وإلغاء الشروط الانتخابية المجحفة، وضمان التعددية والتمثيل السياسي، إلى جانب التوافق على مستقبل غزة ومواجهة مخططات الاحتلال والوصاية عليها.

كما دعا إلى استثمار ما اعتبره عزلة دولية متزايدة لإسرائيل، وتعزيز التنسيق بين القوى الوطنية المتمسكة بالثوابت والمقاومة، بما يسمح بتوجيه الجهد الفلسطيني نحو مواجهة التحديات الخارجية.

ماهر الطاهر: مرحلة انتقالية قبل الانتخابات


وقدم القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والأمين العام للمؤتمر القومي العربي، ماهر الطاهر، طرحا أكثر اختلافا بشأن ترتيب الأولويات.

فبدلا من البدء بالانتخابات، دعا إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الحركة الوطنية باعتبارها حركة تحرر، معتبرا أن اتفاقات أوسلو أسهمت في تكريس الأزمة الفلسطينية، وأن الخروج منها يتطلب إنهاء الالتزامات المترتبة عليها.

وحذر من إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال والانقسام، معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام القائم أو نقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني.

واقترح الدخول في مرحلة انتقالية وتشكيل مجلس انتقالي بالتوافق، على أن يمهدا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإجراء انتخابات شاملة في ظروف أفضل.

وفي الإطار ذاته، شدد على ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير باعتبارها الإطار الجامع للفلسطينيين في الوطن والشتات، مؤكدا الحاجة إلى الوحدة والتلاحم ووضوح الرؤية واعتماد أشكال متعددة من المقاومة، إلى جانب توفير مقومات الصمود في مواجهة مشاريع القتل والتهجير.

عريب الرنتاوي: الأزمة في بنية المشروع الوطني


أما مؤسس ومدير مركز القدس للدراسات السياسية، عريب الرنتاوي، فذهب إلى أن المأزق الفلسطيني يتجاوز الانتخابات إلى المشروع الوطني وحوامله السياسية وبنية الحركة الوطنية برمتها.

وشكك في قدرة الانتخابات، في الظروف الراهنة، على إحداث تغيير جوهري، معتبرا أن دوافع القوى السياسية المشاركة فيها ترتبط، بدرجات متفاوتة، بالبحث عن الشرعية والحماية السياسية.

كما لفت إلى تهميش قطاعات واسعة من الفلسطينيين في الداخل والشتات، داعيا إلى مراجعة آليات التمثيل السياسي.

وبدلا من حصر النقاش في ثنائية المشاركة أو المقاطعة، طرح الرنتاوي فكرة بناء كتلة وطنية جديدة تضم فصائل المقاومة والقوى السياسية والمبادرات والمؤتمرات الشعبية، تكون قادرة على فرض شروط سياسية مختلفة.

كما دعا إلى استرداد منظمة التحرير وإعادة بنائها، وتشكيل تيار وطني ديمقراطي يستوعب المستقلين والأجيال الجديدة، بما يفتح الطريق أمام مرحلة سياسية واستراتيجية جديدة.

هاني المصري: الانتخابات ضرورة مشروطة


بدوره، رأى مدير عام مركز مسارات، هاني المصري، أن الخروج من المأزق يتطلب تغيير المسار السياسي وبناء بديل وطني، وليس التعامل مع الانتخابات باعتبارها الحل.

وشخص المصري الأزمة باعتبارها تراكم أزمات تتعلق بالمشروع الوطني والقيادة والمؤسسات والاستراتيجيات وأشكال النضال، مؤكدا الحاجة إلى مراجعة جذرية للتجربة السياسية الفلسطينية.

ودعا إلى بلورة مشروع وطني يحافظ على الحقوق والسردية التاريخية، ويحدد أهدافا قابلة للتحقيق لكل مرحلة، إلى جانب بناء جبهة وطنية عريضة تقدم رؤية واستراتيجية بديلتين.

وفي موقفه من الانتخابات، ميز المصري بين ضرورتها من حيث المبدأ لتجديد الشرعية، وبين إجرائها في سياق قد يؤدي إلى تكريس الواقع القائم.

وشدد على أن تأتي الانتخابات ضمن مشروع وطني وعقد اجتماعي، وبصيغة ديمقراطية توافقية، وأن تحترم نتائجها، داعيا إلى بلورة موقف موحد للقوى المعارضة يحدد شروط المشاركة وضماناتها.

عطاونة: دور المجتمع في إنتاج البديل


وركز مدير عام مركز رؤية للتنمية السياسية، أحمد عطاونة، على دور النخب والقوى المجتمعية في إنتاج مخرج من الأزمة، معتبرا أن الأمر يحتاج إلى جهد طويل المدى لا يقتصر على الاستجابات السياسية الآنية.

وحدد أربعة مسارات مترابطة، أولها إجراء قراءة نقدية شاملة ومنهجية للتجربة الوطنية، وصولا إلى بلورة رؤية وبرنامج وآليات مستقبلية.

أما المسار الثاني، فيتمثل في فتح حوارات نقدية جادة مع الفصائل، خصوصا فتح وحماس، للاستفادة من التجربة وأخطائها، فيما دعا في المسار الثالث إلى بناء تجمعات وكيانات شعبية ومجتمعية ونقابية تتحول من النقاش إلى ممارسة ضغط فعلي على القوى المؤثرة.

وركز المسار الرابع على النقد الذاتي لأداء النخب والبنى المجتمعية، والبحث في أسباب عجزها عن التأثير، معتبرا أن تفاعل هذه المسارات يمكن أن يسهم في إنتاج أدوات جديدة ومقاربة وطنية أكثر قدرة على التعامل مع الأزمة.

نقاط التقاء وسط اختلاف في الطريق


وعلى الرغم من اختلاف المشاركين في تشخيص الأولويات وترتيب الخطوات، فإن النقاش أظهر مجموعة من نقاط الالتقاء، أبرزها أن الأزمة الفلسطينية لا يمكن اختزالها في استحقاق انتخابي منفرد، وأن معالجة الانقسام وإعادة بناء مؤسسات التمثيل الوطني تظل جزءا أساسيا من أي محاولة للخروج منها.

كما حضرت منظمة التحرير بقوة في معظم الطروحات، سواء باعتبارها الإطار الذي ينبغي إعادة بنائه، أو باعتبار استعادة دوره شرطا لإعادة توحيد الفلسطينيين في الداخل والشتات.

في المقابل، اختلفت المقاربات حول توقيت الانتخابات ووظيفتها. فبينما اعتبرها المدهون مدخلا ممكنا للإصلاح وتجديد الشرعية ضمن شروط واضحة، حذر الجولاني والرنتاوي من أن إجرائها في الظروف الحالية قد يؤدي إلى تعميق الانقسام أو إعادة إنتاج الواقع السياسي القائم.

أما ماهر الطاهر فدعا إلى مرحلة انتقالية تسبق الانتخابات، في حين وضع هاني المصري الانتخابات ضمن مشروع وطني وعقد اجتماعي أوسع، بينما ذهب معين الطاهر إلى ضرورة البدء بإعادة تعريف المشروع الوطني نفسه.

وهكذا لم تنتج الحلقة وصفة موحدة للخروج من المأزق، بقدر ما كشفت عن **تعدد التصورات الفلسطينية بشأن ترتيب الأولويات والأدوات**: هل يبدأ الإصلاح من الانتخابات، أم من إعادة بناء منظمة التحرير؟ وهل يمكن إصلاح النظام السياسي قبل التوافق على مشروع وطني جديد؟ وكيف يمكن الجمع بين وحدة التمثيل السياسي وتعدد القوى والتيارات وأشكال المقاومة؟

إعادة بناء التمثيل قبل استعادة المبادرة


ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل التحولات التي فرضتها الحرب على غزة وما رافقها من تغيرات في البيئة السياسية الفلسطينية والإقليمية والدولية، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة قديمة بصياغات جديدة حول طبيعة المشروع الوطني، وحدود التسويات السياسية، وشكل العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وموقع غزة والشتات في النظام السياسي الفلسطيني.

وتشير المداخلات، في مجملها، إلى أن استعادة القدرة على المبادرة تتطلب أولا معالجة أزمة التمثيل السياسي، وإيجاد صيغة تستوعب القوى والفصائل والمستقلين والأجيال الجديدة والفلسطينيين في الشتات، إلى جانب صياغة استراتيجية وطنية تتعامل مع الاحتلال بوصفه التحدي المركزي.

وفي نهاية الحلقة، دار نقاش موسع بين المشاركين والخبراء حول الأوراق والمداخلات المقدمة، وأتيح لمقدميها توضيح ما أثير من قضايا والإجابة عن التساؤلات.

ورغم تباين المقترحات، بدا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في رفض اختزال الأزمة في إجراء انتخابي أو تغيير حكومي محدود، والنظر إليها باعتبارها أزمة أعمق تتعلق بالمشروع الوطني ومؤسساته وقيادته وأدواته، مع اختلاف واضح حول الطريق الأكثر واقعية للبدء في معالجتها.

للإشارة فإن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات هو مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في الدراسات والاستشارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، ويعمل على إعداد الدراسات والكتب والتقارير والأوراق البحثية التي تتناول التطورات السياسية والاستراتيجية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

ويتخذ المركز من بيروت مقرا له، ويرأسه أ.د. محسن محمد صالح، ويضم نشاطه البحثي تنظيم ندوات وحلقات نقاش واستضافة باحثين وخبراء لمناقشة المستجدات المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

ويقدم المركز نفسه بوصفه مؤسسة تسعى إلى توفير المعرفة والمعلومات والدراسات للباحثين والمهتمين وصناع القرار، مع تركيز خاص على تطورات القضية الفلسطينية، وتداعيات الصراع، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وهو الإطار الذي جاءت ضمنه حلقة "الخروج من المأزق الفلسطيني" الأخيرة.
التعليقات (0)