مع مرور 6 أشهر على
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على
إيران، تقترب فاتورة ما أنفقته وزارة الحرب "البنتاغون" حتى الآن، من ما يقرب من 40 إلى 50 مليار دولار عند احتساب نفقات إعادة بناء المنشآت العسكرية الأمريكية واستبدال الأصول المتضررة أو المدمرة.
بهذا الشأن، نشرت مجلة "
ذي نيويوركر" مقالاً للصحفي جون كاسيدي قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب وصف، في أوائل شهر آذار/ مارس، وأثناء حديثه إلى مجموعة من المشرعين والمانحين الجمهوريين الذين تجمعوا في نادي الغولف الخاص به في دورال بولاية فلوريدا، الحرب مع إيران بأنها "مهمة قصيرة الأمد" ستنتهي "قريباً".
اظهار أخبار متعلقة
وفي يوم الجمعة الماضي، تجاوز الصراع حاجز الأشهر الستة، ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعودا تقصفان أهدافاً إيرانية بشكل يومي، إلا أن ما يقرب من خمسين ألف جندي أمريكي لا يزالون منتشرين في المنطقة؛ كما أن مضيق هرمز مغلق إلى حد كبير أمام حركة الشحن التجاري، وانتهت صلاحية مذكرة تفاهم وقعها الطرفان في حزيران/ يونيو، وأفادت تقارير بأن إدارة ترامب أبلغت وسطاء في الشرق الأوسط بأنها ليست مهتمة بإحيائها.
ومع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق، تتزايد
تكاليف حرب ترامب. وبعض هذه التكاليف لا يمكن التعبير عنه بالدولار والسنت؛ فوفقاً للبنتاغون، قُتل ثمانية عشر جندياً أمريكياً وأصيب أكثر من سبعمائة وخمسين آخرين.
أما حصيلة القتلى الإيرانيين فتُقدّر بالآلاف، بمن فيهم أكثر من مائتي طفل، وذلك وفقاً لتقديرات منظمة اليونيسف والحكومة الإيرانية. وقد امتدت الحرب إلى دول أخرى، مما تسبب في مقتل المئات - أو الآلاف إذا أخذنا في الاعتبار الهجوم الإسرائيلي على لبنان.
من حيث المبدأ، يبدو تقدير التكاليف الاقتصادية للحرب أمراً أسهل، لكنه في الواقع مهمة معقدة للغاية. فحتى لو اقتصر الحساب على الولايات المتحدة، يتعين عليك أولاً إحصاء النفقات العسكرية المتعلقة بأمور مثل الذخائر، ونشر قوات إضافية، وإصلاح الأضرار الجسيمة التي ألحقتها الضربات الإيرانية المضادة بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
كما أن هناك التكاليف المالية التي فرضتها أسعار الطاقة المرتفعة على الأسر والشركات الأمريكية، يُضاف إلى ذلك تكاليف غير مباشرة، مثل الثمن الذي دفعه الأمريكيون جراء ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة. ولا يمكن تقدير التكلفة الإجمالية إلا بجمع كل هذه العناصر معاً. ولكن دعونا نبدأ بفاتورة النفقات العسكرية، التي سيتحمل عبئها في النهاية دافعو الضرائب.
تتمثل إحدى العقبات التي تعترض حصر هذه التكاليف في أن البنتاغون لم يكن شفافاً تماماً بشأن جوانب عديدة من الصراع، ففي شهر تموز/ يوليو، صرّح وزير الحرب بيت هيغسيث أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ بأن الصراع قد يكلف ما يقرب من 37.5 مليار دولار، لكنه لم يقدم تفاصيل وافية.
وقبيل مثول هيغسيث أمام اللجنة، أفادت شبكة "إن بي سي نيوز" بأن تقديرات داخلية للبنتاغون تشير إلى أن الرقم الحقيقي - بما في ذلك تكاليف إعادة بناء القواعد العسكرية - يتراوح بين 80 و100 مليار دولار.
وفي وقت سابق من الصيف، طلب البيت الأبيض من الكونغرس توفير مبلغ إضافي قدره 67.2 مليار دولار للبنتاغون، كما أقر الجمهوريون في مجلس النواب إطاراً للإنفاق يتضمن 73 مليار دولار إضافية لقطاعي الدفاع والاستخبارات؛ ومن المتوقع أن ينظر مجلس الشيوخ في هذا الإجراء عند استئناف جلساته في منتصف شهر أيلول/ سبتمبر.
غالباً ما تشكل الذخائر البند الأكبر في تكاليف الحروب الجوية، وهذا ينطبق أيضاً على هذا الصراع. فقد توسع البنتاغون في استخدام الصواريخ الموجهة بدقة - مثل صواريخ "توماهوك" التي تبلغ تكلفة الواحد منها 2.6 مليون دولار وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) - وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، مثل بطاريات صواريخ "باتريوت" التي تبلغ تكلفتها 4.9 مليون دولار.
وقد أشار تحليل أجراه المركز المذكور حول تكلفة الحرب، ونُشر في وقت سابق من الصيف، إلى أن البنتاغون استخدم أكثر من ألف صاروخ "توماهوك" وما يصل إلى 1400 صاروخ "باتريوت"، بالإضافة إلى نحو عشرة آلاف قنبلة غير موجهة (أو ما يُعرف بالقنابل "الغبية").
وذكر التحليل أن هذا الاستهلاك الهائل للذخائر يمثل 26.1 مليار دولار من إجمالي التكاليف العسكرية البالغة نحو 40 مليار دولار، كما حدد التحليل بند التكلفة الثاني من حيث الحجم، والمتمثل في الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في دول مثل البحرين وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث قُدِّرت هذه الأضرار بما يصل إلى 9.2 مليار دولار.
ورغم محاولات البنتاغون التقليل من شأن فعالية الهجمات الإيرانية، إلا أنها تبدو قد دمرت - كلياً أو جزئياً - مئات المنشآت، بما في ذلك حظائر الطائرات ومستودعات الوقود ومرافق الرادار والمخازن وثكنات الجنود، مما وجه ضربة للبنية التحتية العسكرية الأمريكية لم يسبق لها مثيل في الآونة الأخيرة.
قال مارك كانسيان -وهو عقيد سابق في مشاة البحرية ومسؤول سابق عن الميزانية في البيت الأبيض، وشارك في إعداد دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)-: "عليك العودة إلى الحرب العالمية الثانية لترى شيئاً كهذا".
وأضاف كانسيان أنه عند انتهاء الصراع، سيتعين على البنتاغون التفكير بجدية فيما إذا كان ينبغي إعادة بناء المنشآت المتضررة أو التخلي عنها، نظراً لكونها عرضة لهجمات مستقبلية.
تشير بعض التقديرات المتداولة عبر الإنترنت -والتي استبعد "كانسيان" دقتها- إلى أن التكلفة العسكرية تتجاوز مائة مليار دولار. ومهما كان الرقم الحقيقي، فهو مبلغ ضخم يُضاف إلى ميزانية البنتاغون المتضخمة التي تبلغ تريليون دولار والتي أُقرَّت بالفعل لعام 2026؛ وهي أموال كان من الممكن -نظرياً- توظيفها في أغراض أخرى.
ولنأخذ على سبيل المثال مبلغ الثلاثة وسبعين مليار دولار كتمويل إضافي أقره الجمهوريون في مجلس النواب؛ فقد أشار مُعدّو تحليل نشره الأسبوع الماضي "مركز التقدم الأمريكي" (CAP) -وهو مركز أبحاث ليبرالي- إلى أن هذا المبلغ سيوفر "تغطية كاملة ضمن برنامج ’ميديكيد‘ (Medicaid) الصحي لـ 5 ملايين شخص إضافي، مع بقاء فائض قدره 33 مليار دولار".
وأضاف مُعدّو التقرير أن هذه الأموال يمكن استخدامها -بدورها- لزيادة كبيرة في مخصصات برنامج المساعدة الغذائية التكميلية (SNAP)، المعروف سابقاً باسم "قسائم الطعام"، للأطفال من الأسر الفقيرة، وكذلك لمضاعفة التمويل المخصص لـ "خدمة المتنزهات الوطنية" ولبرامج المساعدة الطارئة في مجالي الغذاء والمأوى.
وعلى صعيد الاقتصاد الأوسع، يتمثل العبء الأكبر الذي خلّفته الحرب في الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة. فمنذ أواخر شهر شباط/ فبراير، ارتفع متوسط تكلفة البنزين بأكثر من دولار واحد للجالون الواحد في عموم الولايات الخمسين، أي بزيادة تتجاوز الثلث.
ولم يكن النفط هو الوقود الوحيد الذي ارتفعت تكلفته؛ إذ ارتفع سعر الديزل -الوقود المستخدم في الشاحنات التي تجوب البلاد لنقل البضائع بمختلف أنواعها وأحجامها- بنحو النصف.
ووفقاً لأداة تتبع تكاليف الطاقة التي يديرها "مختبر حلول المناخ" (Climate Solutions Lab) التابع لكلية "واتسون" للشؤون الدولية والعامة في جامعة "براون"، فإن الجمع بين ارتفاع سعري البنزين والديزل يعني أن التكلفة المالية التي تكبدها الأمريكيون منذ اندلاع الحرب تبلغ حوالي 93 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من 700 دولار لكل أسرة.
ولا تقتصر الحصيلة الاقتصادية عند هذا الحد؛ فقد قفز سعر زيت التدفئة بنحو 70 بالمئة، كما ارتفعت بشكل حاد تكلفة الأسمدة -التي تُصنع في الغالب من غاز الميثان الذي شهدت أسعاره طفرة بعد بدء الحرب- مما ساهم بدوره في رفع أسعار المواد الغذائية.
ونظراً للتشابك المعقد بين أسعار المدخلات (مثل الطاقة والأسمدة) والمخرجات (مثل الغذاء والسلع الاستهلاكية والسفر الجوي)، يصعب تقدير المدى الذي ساهمت به الحرب في رفع مستوى الأسعار العام. لكن الحقيقة تظل قائمة؛ وهي أن معدل التضخم قد ارتفع منذ شهر شباط/ فبراير من 2.4 بالمئة إلى 3.4 بالمئة.
كما شهدت أسعار الفائدة في السوق -التي تتأثر بالتضخم وتوقعاته- قفزة ملحوظة، مما أدى إلى زيادة تكاليف القروض العقارية وقروض السيارات وأنواع أخرى من الائتمان الاستهلاكي.
وبالنظر إلى كل هذه العوامل مجتمعة، قدّر مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة "موديز أناليتيكس" (Moody’s Analytics)، التكلفة الإجمالية للحرب بالنسبة للأسرة الأمريكية العادية بألف دولار؛ وهو رقم وصفه بأنه تقدير متحفظ. كان ذلك في أواخر شهر حزيران/ يونيو، لكن زاندي رفع تقديراته مؤخراً لتتجاوز 1200 دولار.
ولا ينبغي اعتبار هذا الرقم دقيقاً تماماً، بل يجب فهمه كتقدير تقريبي يوضح حجم الحماقة التي ارتكبها ترامب. وفي هذا الصدد، قالت لي أليسون مكمانوس، المديرة الإدارية لشؤون الأمن القومي والسياسة الدولية في مركز التقدم الأمريكي (CAP): "لقد كانت الحرب باهظة التكلفة للغاية؛ فقد قرر ترامب شنّها، والأمريكيون هم من يدفعون ثمنها".
اظهار أخبار متعلقة
وحتى الآن، اقتصرت التكلفة التي تكبدها ترامب إلى حد كبير على تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي. ففي الأسبوع الماضي، أظهر استطلاع أجرته وكالة "رويترز" ومؤسسة "إبسوس" (Ipsos) أن نسبة تأييده بلغت 33 بالمئة -وهو أدنى مستوى يسجله هذا الاستطلاع خلال أي من فترتي ولايته- في حين أبدى 25 بالمئة فقط من المشاركين تأييدهم لطريقة تعامله مع ملف إيران.
وما لم تحدث انفراجة في حالة الجمود الراهنة للحرب قبل موعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر، فقد ينتهي المطاف بالرئيس وحزبه إلى دفع ثمن سياسي باهظ؛ غير أنه لا يمكن استعادة التكاليف الاقتصادية لهذا الصراع.