رغم أن
العنصرية تمثل سلوكاً إسرائيلياً تجاه فلسطينيي 48 تارة، وتجاه اليهود ذوي الجذور العرقية والجغرافية المختلفة، فإنها وصلت في ذروة السباق الانتخابي إلى ممارستها حتى في داخل معسكر اليمين ذاته.
نائب المدير العام السابق لشؤون التخطيط بوزارة الاقتصاد، وخريج كلية الأمن القومي (مابيل)، مردخاي شالوم، ذكر أن "اليهود ذوي الأصول الشرقية،
المزراحيم أو
السفارديم، يشكلون نحو 75 بالمئة من قائمة نشطاء وعناصر حزب
الليكود، وأغلبية مطلقة بين رؤساء البلديات التابعة له، ولكن عند حسم الأمور الانتخابية وتوزيع المقاعد، اختارت قيادته المرشحين ذوي الأصول الغربية الأشكنازية".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف شالوم في مقال نشره موقع "
ويللا" العبري، وترجمته "
عربي21" أن "نظرة واقعية لهذه النظرة العنصرية تمثل تشخيصاً دقيقاً لحالة الانقسام في الدولة بين ما تسمى
إسرائيل الأولى وإسرائيل الثانية، أمام ما يمكن اعتباره نجاحاً جزئياً لـ"بوتقة الانصهار" التي وضعها ديفيد بن غوريون، حيث لم تُسجل سوى 28 بالمئة من الزيجات المختلطة منذ قيام الكيان المحتل، وهي التي تحدث غالباً بين أبناء الطبقة المتوسطة".
وأشار شالوم إلى أنه "عادةً ما يتزوج الأغنياء من الأغنياء، والفقراء من الفقراء، الذين يدرس أبناؤهم ويختلطون في مدارس ثانوية مشتركة في الأحياء، وخلال فترة الخدمة العسكرية الإلزامية الطويلة في الجيش الإسرائيلي لأبناء وبنات إسرائيل الأولى والثانية".
واستدرك شالوم بالقول إن "التحسن الكبير في مستوى معيشة اليهود المزراحيين في العقود الأخيرة، بما في ذلك التحاقهم الملحوظ بالدراسات الأكاديمية، خاصة في الكليات المتوسطة وليس في الجامعات، لم يُحسّن وضعهم النسبي في المجتمع عموماً مقارنةً بالنخب الغربية الأشكنازية، الذين ارتقوا لمستويات أعلى بالتوازي، سواءً من الناحية المادية أو المالية".
وأوضح شالوم أن "دراسات واستطلاعات رأي مختلفة أظهرت أن الصلة الإحصائية بين أصول السفارديم والأشكناز تتجلى بوضوح عندما يلتقي الإسرائيليون من الفئتين الأولى والثانية في صناديق الاقتراع خلال فترة
الانتخابات، والتصويت للأحزاب المختلفة في الانتخابات، خاصة: الليكود، شاس، الصهيونية الدينية، يمينا، يوجد مستقبل، أزرق أبيض، العمل، ميرتس، يسرائيل بيتنا".
وكشف أنه "في الانتخابات التمهيدية الأخيرة لحزب الليكود، ومن بين أول عشرة مرشحين في القائمة، 7-8 منهم من أصول مزراحية، أحدهم من عائلة مختلطة، أي حوالي 75 بالمئة، ومن بين أول 25 مرشحاً، ينحدر 15 إلى 18 منهم من أصول مزراحية، وثلاثة منهم من أصول مختلطة، أي ما يقارب 66 بالمئة، وينطبق الأمر نفسه على رؤساء البلديات والمجالس المحلية، حيث ينحدر 60% منهم من أصول مزراحية".
وأضاف شالوم، أنه "في ضوء هذه الأرقام، يتبادر إلى الذهن سؤال منطقي: لماذا، بعد مرور ما يقارب 50 عاماً على تولي الليكود للحكم في 1977، لم يرشح الليكوديون رئيس وزراء مزراحياً أصيلاً، ومن نسلهم الأصلي، مما يعيد للأذهان تصريح بن غوريون الشهير في الخمسينيات، حين تمنى أن يكون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي من أصول يمنية، ومنذ ذلك الحين، تولى ثلاثة رؤساء أركان من أصول مزراحية مناصبهم: شاؤول موفاز، وداني حالوتس، وغادي آيزنكوت".
في الوقت ذاته، ذكر الكاتب أن "الجماهير المزراحية انتخبت الأشكناز فقط رؤساء وزراء، مما يثبت تجاوزها، مكرهةً، للبعد التمييزي، ومنحت الليكود السلطة لفترة طويلة جداً، باستثناء فترات وجيزة في المعارضة، لكن الواقع يؤكد أنه منذ مناحيم بيغن طالما فضّل الليكوديون "الأمير الأشكنازي" على المرشح المزراحي، وهو خطأ سياسي وتاريخي فادح".
وضرب شالوم أمثلة من خلال "تفضيل إسحاق شامير على ديفيد ليفي، وأريئيل شارون على مائير شيتريت، وبنيامين نتنياهو على موشيه كاتساف، وسيلفان شالوم، وداني دانون، وجدعون ساعر، من خلفيات مختلطة".
اظهار أخبار متعلقة
وختم شالوم بالقول إن "ذلك يمكن تفسيره بأن الأشكناز الغربيين لديهم شعور جماعي وجماهيري ونفسي بعدم الأمان في اختيار زعيم من غير أصولهم، وسيكون من المثير للاهتمام معرفة كيف سيتصرفون بعد تنحي نتنياهو عن الساحة السياسية، فهل سيختارون أخيراً زعيماً من أصل مزراحي؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فأتمنى ألا نضطر للانتظار 240 عاماً، كما حدث حتى انتخاب باراك أوباما في الولايات المتحدة".
تكشف هذه المعطيات كم أن المجتمع الإسرائيلي ممزق من داخله، وتنتابه السلوكيات العنصرية الداخلية الكفيلة بانهياره من داخله، في ضوء تصاعد الاتهامات المتبادلة، وتفشي سلوك تفضيل مرشح على آخر ليس لكفاءته السياسية والحزبية، ولكن بسبب أصوله العرقية ولون دمه.