احتجاجات فلسطين ترفع اعتقالات الإرهاب في بريطانيا إلى مستويات قياسية

مع اقتراب نظر المحكمة العليا في الطعن المقدم ضد حظر "فلسطين أكشن"، تبدو القضية مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أبرز المواجهات القانونية في بريطانيا حول حدود قوانين مكافحة الإرهاب، وحرية التعبير، وحق الاحتجاج.. غيتي
مع اقتراب نظر المحكمة العليا في الطعن المقدم ضد حظر "فلسطين أكشن"، تبدو القضية مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أبرز المواجهات القانونية في بريطانيا حول حدود قوانين مكافحة الإرهاب، وحرية التعبير، وحق الاحتجاج.. غيتي
شارك الخبر
كشفت بيانات رسمية بريطانية عن قفزة غير مسبوقة في أعداد الاعتقالات المرتبطة بالإرهاب في بريطانيا، إذ وقع نحو نصف إجمالي الاعتقالات المسجلة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 خلال عام واحد فقط، بالتزامن مع دخول قرار حظر مجموعة "فلسطين أكشن" حيز التنفيذ وما أعقبه من حملة اعتقالات واسعة بحق متظاهرين مؤيدين لها.

وبحسب بيانات وزارة الداخلية البريطانية، التي أوردتها صحيفة "الغارديان" الثلاثاء، بلغ إجمالي الاعتقالات المرتبطة بنشاطات إرهابية في بريطانيا منذ هجمات 11 سبتمبر 6539 حالة، بينها 3021 اعتقالا خلال العام المنتهي في 31 مارس/آذار 2026، أي ما يعادل نحو 46% من إجمالي الاعتقالات المسجلة على مدى 25 عاما.

ويمثل ذلك ارتفاعا بنسبة 1434% مقارنة بالعام السابق، في واحدة من أكبر الزيادات المسجلة في هذا النوع من الاعتقالات.

"فلسطين أكشن" في قلب الارتفاع


يتزامن هذا التصاعد الحاد مع قرار الحكومة البريطانية إدراج مجموعة "فلسطين أكشن" على قائمة المنظمات المحظورة بموجب قانون الإرهاب، وهو القرار الذي دخل حيز التنفيذ في 5 يوليو/تموز 2025.

وتعد "فلسطين أكشن" أول مجموعة احتجاجية من هذا النوع تُحظر بموجب قانون الإرهاب البريطاني، وهي جماعة تنفذ أعمال احتجاج مباشر ضد مؤسسات وشركات بريطانية تقول إنها متورطة في دعم إسرائيل، ولا سيما شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات العسكرية.

وأدى قرار الحظر إلى إطلاق حملة عصيان مدني واسعة، كان من أبرز مظاهرها تنظيم احتجاجات من جانب حركة "دافعوا عن هيئات المحلفين" (Defend Our Juries)"، شارك فيها متظاهرون رفعوا لافتات كتب عليها: "أعارض الإبادة الجماعية، وأدعم فلسطين أكشن".

وبحسب الحركة، تجاوز عدد الاعتقالات المرتبطة بدعم "فلسطين أكشن" منذ حظرها 3600 اعتقال، وهو رقم يعني، إذا أخذ في الاعتبار، أن الاعتقالات المرتبطة بالمجموعة وحدها أصبحت تتجاوز نصف إجمالي الاعتقالات المسجلة في قضايا الإرهاب منذ هجمات 11 سبتمبر.

كما جرى توجيه اتهامات إلى نحو 2500 شخص بموجب المادة 13 من قانون الإرهاب، التي تحظر إظهار الدعم لمنظمة مصنفة إرهابية، وتصل عقوبتها القصوى إلى ستة أشهر من السجن.

وتقول الحركة إن ما لا يقل عن 50 شخصا وُجهت إليهم اتهامات بموجب المادة 12، المتعلقة بالدعوة إلى دعم منظمة محظورة، وهي جريمة تُنظر أمام هيئة محلفين وقد تصل عقوبتها القصوى إلى 14 عاما في السجن.

ارتفاع لافت في اعتقالات النساء وكبار السن


ولا تقتصر دلالة الأرقام على حجم الزيادة، بل تمتد إلى طبيعة الأشخاص الذين شملتهم الاعتقالات.

فقد ارتفعت اعتقالات النساء والفتيات المرتبطة بالإرهاب خلال العام محل البيانات بنسبة 3761%، فيما قفزت اعتقالات الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 30 عاما فأكثر بنسبة 2306%.

وأثارت هذه الأرقام انتقادات حادة من منظمات حقوقية ومحامين، وسط اتهامات للحكومة البريطانية بتوسيع نطاق استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ليشمل أنشطة احتجاجية سلمية.

وقال مدير الدفاع الجنائي في مكتب المحاماة "هودج جونز آند ألن"، راج شادا، في وقت سابق من العام، إن الصورة الجديدة للاعتقالات باتت مختلفة جذريا، مشيرا إلى أن "الإرهابي الأكثر شيوعا في بريطانيا حاليا هو متقاعد في وقفة صامتة يحمل لافتة".

"قوانين الإرهاب غير ملائمة"


وانتقدت منظمة "ليبرتي" الحقوقية الارتفاع الكبير في الاعتقالات، معتبرة أنه يكشف، بحسبها، عن مشكلات جوهرية في منظومة قوانين مكافحة الإرهاب البريطانية.

وقالت روث إيرليش، مديرة العلاقات الخارجية في المنظمة، إن الزيادة «المذهلة» في الاعتقالات خلال العام الماضي تمثل أوضح مؤشر على أن قوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا "غير ملائمة للغرض".

وأضافت أن التعريف البريطاني الحالي للإرهاب واسع إلى درجة يمكن أن يشمل سلوكيات لا يعتبرها معظم الناس إرهابا، محذرة من أن غموض حدود القانون يؤدي إلى تقويض ثقة الجمهور في منظومة مكافحة الإرهاب.

وتدخل منظمة "ليبرتي" في الطعن القانوني المستمر ضد قرار حظر "فلسطين أكشن".

وكان القرار قد واجه منذ إعلانه انتقادات من خبراء تابعين للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية، إلى جانب مسؤولين بريطانيين سابقين، بينهم مدير سابق للادعاء العام ومدير سابق لجهاز أمني.

معركة قانونية أمام المحكمة العليا


ولا تزال شرعية قرار الحظر موضع معركة قضائية في بريطانيا، ومن المقرر أن تنظر المحكمة العليا البريطانية في القضية في 4 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وفي يونيو/حزيران الماضي، أدين أربعة ناشطين من "فلسطين أكشن" بإتلاف ممتلكات خلال مداهمة نفذوها عام 2024 لمصنع قرب بريستول تملكه شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات العسكرية.

وفي تطور قضائي لافت، خلص القاضي بعد إدانتهم إلى أن أفعالهم كانت ذات "صلة إرهابية".

الحكومة: الاعتقال قرار للشرطة


في المقابل، دافعت الحكومة البريطانية عن تطبيق القانون، مؤكدة أن إظهار الدعم لمنظمة محظورة يعد مخالفة قانونية.

وقالت متحدثة باسم وزارة الداخلية البريطانية إن قرارات الاعتقال "مسائل عملياتية" تقع ضمن اختصاص الشرطة، ويتم اتخاذها استنادا إلى "وقائع وظروف كل حالة".

لكن حركة "دافعوا عن هيئات المحلفين" ترى أن الأرقام تكشف، من وجهة نظرها، تحولا جوهريا في طريقة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب.

وقالت الحركة إن آلاف المحتجين السلميين اعتُقلوا منذ يوليو/تموز 2025 لمجرد التعبير عن معارضتهم لما وصفته بـ"الإبادة الجماعية" وإظهار التضامن مع أشخاص نفذوا أعمالا احتجاجية مباشرة ضدها.

وبينما تؤكد الحكومة أن دعم منظمة محظورة يمثل جريمة بموجب القانون، تكشف الأرقام الجديدة عن اتساع الهوة بين الرواية الرسمية التي تقدم الإجراءات باعتبارها تطبيقا لقانون مكافحة الإرهاب، وبين المنظمات الحقوقية وحركات الاحتجاج التي ترى فيها استخداما متزايدا لقوانين الإرهاب في مواجهة الاحتجاج السياسي المتعلق بفلسطين.

ومع اقتراب نظر المحكمة العليا في الطعن المقدم ضد حظر "فلسطين أكشن"، تبدو القضية مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أبرز المواجهات القانونية في بريطانيا حول حدود قوانين مكافحة الإرهاب، وحرية التعبير، وحق الاحتجاج، ومدى إمكانية استخدام تشريعات الإرهاب في التعامل مع الحركات السياسية والاحتجاجية.
التعليقات (0)