كيف كشفت كارثة النيبال عن تهديد البحيرات الجليدية لحياة الملايين؟

تؤكد مجلة "نيتشر" تزايد الخطر المفروض على نحو 15 مليون شخص عالمياً بفعل فيضانات البحيرات الجليدية - الأناضول
تؤكد مجلة "نيتشر" تزايد الخطر المفروض على نحو 15 مليون شخص عالمياً بفعل فيضانات البحيرات الجليدية - الأناضول
شارك الخبر
على امتداد عقود، شهدت المناطق الجبلية حول العالم سلسلة من الكوارث الطبيعية المدمرة، التي كشفت في كل مرة عن القوة الهائلة التي تكمن خلف الانهيارات الجليدية والبحيرات التي تتشكل عند سفوح القمم العالية.

رغم اختلاف أسباب حدوث هذه الكوارث، إلا أن القاسم المشترك بينها واحد، وهو "طاقة طبيعية هائلة تتحرر بصورة مفاجئة وتقطع مسافات طويلة عبر الأودية لتصل في بعض الأحيان إلى مناطق سكانية كثيفة، تاركة وراءها خسائر بشرية ومادية هائلة".

لماذا الانهيار الجليدي خطر؟

الانهيار الجليدي هو حركة سريعة لكتلة من الثلج والجليد تنفصل من منحدر جبلي وتسقط أو تنزلق إلى أسفل، ويمكن أن تتراوح من طبقات ثلج صغيرة إلى كتل هائلة قادرة على تدمير مناطق واسعة.

اظهار أخبار متعلقة


وبالنسبة للانهيار الصخري الجليدي فهو يعد أكثر تعقيداً، إذ يتضمن كميات من الصخور والجليد والثلوج، وقد يتحول أثناء حركته إلى كتلة ضخمة وسريعة من الحطام، يمكن أن تكتسب سرعة كبيرة في أثناء انحدارها، وأن تصل إلى مسافات بعيدة عن نقطة الانفصال.

وبحسب "المجلس الوطني للانهيارات الثلجية"، فإن الانهيارات الجليدية قد تصل سرعتها إلى 100 ميل في الساعة، وتتنوع قوتها التدميرية من غير ضارة إلى كبيرة بما يكفي لتدمير الغابات الناضجة أو تسوية القرى.

لا تثقوا بثبات الجبال 

مثلما وقع في نيبال، بإمكان أن يتحول انهيار جليدي أو انفجار بحيرة جليدية إلى موجة مدمرة تندفع عبر الوديان بسرعة هائلة، حاملة معها المياه والصخور والحطام، ومحوِّلة في دقائق مشاهد هادئة إلى ساحات للدمار، إضافة إلى الأعداد الهائلة من القتلى التي قد تسببها، وفقاً لـ"فرانس24".

صحيفة "الباييس" الإسبانية، تقول إن الفيضانات المدمرة التي ضربت التبت ونيبال، وأسفرت عن مقتل مئات الأشخاص وفقدان الآلاف، تسلط الضوء مجدداً على خطر متزايد يهدد المجتمعات التي تعيش قرب السلاسل الجبلية الجليدية.

وكشفت كارثة نيبال الأخيرة عن الوجه الأخطر لقمم الجبال، فلم يعد هذا الانهيار حادثة مناخية معزولة، بل جاء بمثابة جرس إنذار انفجاري يؤكد أن الثبات الظاهري للجبال يخفي تحولاً بنيويّاً جعل القمم الشاهقة قنابل موقوتة تُهدد ملايين البشر في أسافل الأحواض النهرية.

ونقلت صحيفة "الغارديان" عن دانيال شوغار، عالم الجيومورفولوجيا والأستاذ المشارك في جامعة كالغاري في كندا، أن التحليل الأولي للأقمار الصناعية أظهر أن كتلة جليدية بمساحة 0.2 كم مربع قد "انهارت عمودياً بحوالي 1.2 كم".

وأضاف قائلاً: "ما أراه في صور الأقمار الصناعية أن الجزء السفلي من نهر جليدي انفصل عند حوالي 5,200 متر وتحطم على قاع الوادي على بعد حوالي 1,200 متر أسفله"، مضيفاً: "بعض الأنهار الجليدية في الوادي كانت مغطاة بالثلوج، ثم أصبحت جليداً عارياً".

وقال البروفيسور أندرو ماكنتوش، عالم الأنهار الجليدية في جامعة موناش في ملبورن: "هذه الأنواع من انهيارات الأنهار الجليدية الكبيرة صادمة حقاً"، مضيفاً: "من الصعب كعالم جليدي ألا يقلق من هذه الأحداث التي تبدو مختلفة عما لاحظناه سابقاً".

الملايين مهددون بالطمر

يتسبب ارتفاع درجات الحرارة المرتبط بتغيُّر المناخ في تسارع مخاطر الانهيارات، إذ تضاعف متوسط عدد هذه الفيضانات المفاجئة بنحو 6 مرات خلال القرن الماضي، بحسب مجلة "نيتشر".

وتتركز المناطق الأكثر عرضة لها في جبال الهيمالايا والأنديز والألب، فيما يعيش نحو 15 مليون شخص حول العالم في مناطق معرضة لخطرها، ويتركز نصفهم تقريباً في بيرو والهند والصين وباكستان، وفق خريطة عالمية نُشرت عام 2023 تظهر مخاطر فيضانات البحيرات الجليدية.

وكانت السنوات الأربع الأخيرة من بين الخمس التي سجلت أكبر خسائر جليدية، فيما تضاعف معدل التراجع خلال أول 25 عاماً من القرن الحادي والعشرين مقارنة بالـ25 عاماً السابقة.

أوروبا ليست ببعيدة

من جهته، قال عالم الجليد أولاف آيزن، والأستاذ في معهد ألفريد فيجنر للأبحاث القطبية والبحرية وجامعة بريمن، إن وقوع كوارث مماثلة أمر ممكن في أوروبا، ولا سيما في جبال الألب.

وأشار إلى حادث وقع في قرية بلاتن السويسرية في أيار/مايو 2025، عندما حدث انهيار لصخور وجليد، ما أدى إلى مقتل رجل يبلغ من العمر 64 عاماً، رغم إجلاء سكان القرية مسبقاً.

وأوضح آيزن أن من غير المرجح أن يصل انهيار جليدي في جبال الألب إلى الحجم نفسه الذي شهدته نيبال، مشيراً إلى أن حجم الانهيار في نيبال، وفق التقديرات الحالية، كان أكبر بنحو 10 إلى 20 مرة من حادث بلاتن.

وأضاف أن أوروبا تعد من أسرع قارات العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة بسبب تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، لافتاً إلى أن التراجع السريع للأنهار الجليدية وذوبان التربة الصقيعية يتسببان في زعزعة استقرار المناطق الجبلية المرتفعة.

وتتركز المناطق الأكثر عرضة لخطر الانهيارات على ارتفاعات تتراوح بين 2500 و3000 متر، وتشمل أجزاءً من فرنسا وإيطاليا والنمسا وسويسرا، كما أن الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر والأمطار الغزيرة، تزيد من احتمالات وقوع كوارث طبيعية مماثلة.

ووفقاً لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، اختفى نحو ألف نهر جليدي في سويسرا منذ عام 1850، وفقدت البلاد في المجمل غطاءً جليدياً يغطي مساحة تقدر بنحو ألف كيلومتر مربع.

ذوبان التربة الصقيعية

آيزن قال أيضاً، إن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان التربة الصقيعية وبدء ذوبان النهر الجليدي من قاعدته، ما يقلل من ثباته والتصاقه بالأرض.

وأضاف أنه في بعض الحالات لوحظ تشكل جيوب مائية أسفل الأنهار الجليدية التي لا تزال أجزاؤها الأمامية متجمدة، موضحاً أن هذه الجيوب يمكن أن تتعرض لضغط شديد خلال موجات الحر أو هطول الأمطار، ما قد يؤدي إلى انهيار الجزء المتجمد وتحرير الكتلة الجليدية بأكملها دفعة واحدة.

كما أشار إلى أن حادثاً مماثلاً وقع عام 2022 في نهر مارمولادا الجليدي بمنطقة الدولوميت الإيطالية، عندما انفصلت كتلة ضخمة من الجليد عن النهر الجليدي، ما أسفر عن مقتل 11 متسلقاً للجبال.

اظهار أخبار متعلقة


وأكد آيزن أن "حماية المناخ هي حماية للأنهار الجليدية"، مشدداً على أن خفض متوسط درجات الحرارة ولو بمقدار عُشر درجة مئوية له أهمية، وأن تراجع درجات الحرارة العالمية قد يسمح للأنهار الجليدية بالتكيف والنمو مجدداً.

تغير المناخ زعزع ثبات ثلوج الجبال

أوضح سايمون كوكس، كبير العلماء في برنامج الجبال إلى البحر في علوم الأرض في نيوزيلندا أن "تغير المناخ يولد ظروفاً يمكن أن تزعزع استقرار الصخور والجليد في الجبال العالية"، بحسب رويترز، وأضاف أن هذا التغيير بدوره يجعل الانهيارات والمخاطر المتتالية التي شوهدت هذا الأسبوع أكثر تكراراً.

وبحسب مجلة "نيتشر"، فإن الأزمات الميدانية، مثل كارثة نيبال، تؤكد أن غياب مراقبة الأنهار الجليدية غير المدروسة يرفع صعوبة التنبؤ بهذه الأحداث، مما يجعل الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والتخطيط العمراني السليم ضرورة حتمية لحماية الأرواح.


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم

خبر عاجل