ليست التحولات الجيوسياسية التي تشهدها
المنطقة ذات طابع عابر، بعد أن تجاوزت مرحلة التنظير الاستراتيجي والتصوري، إلى وقائع
تشغيلية، وذلك في لحظة مفصلية تقاطعت فيها المصالح الأمريكية مع مصالح دول
المنطقة، بعكس مراحل سابقة أرادت فيها الإدارات الأمريكية توليف شكل جديد للشرق الأوسط
بالاعتماد على رؤى أمريكية خالصة دون فحصها، ولا سيما ما إذا كانت لديها قابلية
للتطبيق.
على عكس المرات السابقة، ليست التصورات
النظرية هي التي تنشئ الخرائط والتوجهات بل الوقائع هي التي تفرض شكل الترتيبات،
فقد شكّل إغلاق مضيق هرمز اللحظة التي أطلقت عنان مشاريع جيوسياسية طالما بقيت
حبيسة الأدراج لعقود، وشكّل هذا الحدث محفزاً للتفكير بمشاريع طالما تم تقييمها
سابقاً على أنها نوع من الترف الاستراتيجي، في ظل عدم الحاجة الماسة لها، مثل
مشروع ربط البحار الأربعة الذي تم إطلاقه في العقد الأول من القرن الحالي، أو بسبب
التكاليف المرتفعة لمثل هذه المشاريع.
هذه التطورات، مضافاً إليها التداعيات التي انتجتها الحرب، دفعت الفاعلين في المنطقة إلى إعادة تموضع استراتيجي جديد، عبر الرغبة في الاستفادة من التحولات الجارية للحصول على مقعد مهم في التشكّل الإقليمي الجديد، في سياق تصنعه الجغرافيا والموارد والإرادة السياسية، وتنافس القوى الكبرى
لكن هذه التطورات، مضافاً إليها
التداعيات التي انتجتها الحرب، دفعت الفاعلين في المنطقة إلى إعادة تموضع استراتيجي
جديد، عبر الرغبة في الاستفادة من التحولات الجارية للحصول على مقعد مهم في
التشكّل الإقليمي الجديد، في سياق تصنعه الجغرافيا والموارد والإرادة السياسية،
وتنافس القوى الكبرى على الدخول شريكاً في لعبة بدا أنها جدية أكثر من سابقاتها،
ما شهد تزاحماً في طرح مشاريع تركيب المنطقة جيوسياسياً، وهو ما تنبهت له الولايات
المتحدة التي نصّبت نفسها ضابطاً لإيقاع هذه التطورات، وجمع تفاصيلها لتشكيل إطار استراتيجي
يضبط الديناميكيات الصاعدة ويرشّدها.
تستند واشنطن في ذلك على أدوات القوتين
الناعمة والصلبة، حيث تم تعيين أكثر من مبعوث رئاسي متفرغين لشؤون المنطقة، وبعضهم
يقيم فيها، مثل توماس باراك، بالإضافة إلى المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف واتكوف،
ومستشار ترامب للشرق الأوسط مسعد بولس، وصهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر. وقد بنى
هؤلاء المبعوثون شبكة علاقات قوية مع الفاعلين في المنطقة، وكانت لهم أدوار كبيرة
في إعادة هندسة الواقع الجيوسياسي في المنطقة. وبالطبع كان للقوة الصلبة دوراً
فاعلاً في صياغة الترتيبات الجديدة في المنطقة، وذلك عبر الحرب الشرسة على
إيران
ووكلائها في اليمن ولبنان.
تفعل واشنطن ذلك، وفي خلفية المشهد
محاولة إعادة هندسة
التوازنات في المنطقة بأدوات أقل تكلفة ولكنها أكثر استدامة،
بعد أن تبين أن الترتيبات المؤقتة لإدارة الصراع في المنطقة كانت هشة على الدوام،
ولطالما استهلكت طاقة أمريكا واستنزفت مواردها العسكرية والدبلوماسية دون تحقيق
عوائد مهمة، وبالتالي يمكن ملاحظة ارتكاز السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة
على مجموعة أسس.
أولاً: إضعاف فعالية إيران إلى أبعد حد،
عبر نزع أغلب أوراق القوّة من يديها، من ورقة مضيق هرمز إلى عزل وكلائها في
المنطقة، ما يعني تفكيك الممتدات الجيوسياسية من طهران إلى بيروت. وتأكيداً لهذا
المسار قال المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا والعراق توماس باراك، إن برنامجاً
إقليمياً يجري العمل عليه قد يجعل من مضيق هرمز أمراً غير ذي أهمية خلال عامين،
عبر إنشاء شبكة جديدة من مسارات الطاقة والتجارة.
وفي الوقت نفسه، يجري العمل على تفكيك
البيئة الحاضنة لقوة إيران، من خلال محاولات تغيير المعادلات الداخلية في العراق
ولبنان، واختراق البيئات المؤيدة لإيران عبر دعم واحتضان فاعلين محليين، مثل حكومة
علي الزيدي في العراق والعهد اللبناني الجديد، لنزع أسلحة المليشيات الحليفة
لإيران وحصر نشاطها إلى أبعد الحدود.
ثانياً: احتواء
إسرائيل، وإعادتها إلى
وضع ما قبل 7 أكتوبر 2023، فقد باتت إسرائيل، بحكومتها المتطرفة، أحد مصادر تهيد
المصالح الأمريكية في المنطقة، وأصبحت أفعالها تتعارض مع خارطة المصالح الأمريكية،
ووجدت إدارة ترامب أن حل هذه الإشكالية يتمثل في لجم الانفلات الإسرائيلي وضبطه
ضمن سقوف محدّدة. وقد تجلى ذلك بالضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على إيران
وإجبارها، على قبول الاتفاق الإطاري مع لبنان، وهناك حديث عن ضغط أمريكي لانسحاب
القوات الإسرائيلية من الاراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد.
من خلال تفاصيل تقنية معقدة، وتوليد ديناميكيات سياسية، يجري بناء الشرق الأوسط الجديد عبر مسارٍ هندستْه بدرجة كبيرة الولايات المتحدة الامريكية بعد الأخذ بعين الاعتبار مصالح دول المنطقة وهواجسها، من دون أن يعني ذلك أن الأمور استقرت بالفعل على هذا التشكّل
ويبدو أن إدارة ترامب باتت تشجع رحيل
حكومة نتنياهو في الانتخابات القادمة ومجيء حكومة جديدة أكثر تفهماً للسياسات
الأمريكية في المنطقة، وحتى تستطيع واشنطن إنجاح خطتها في دمج إسرائيل في المنطقة،
بعد تعثر مساعيها نتيجة رفض غالبية دول الإقليم التطبيع مع حكومة نتنياهو المتطرفة.
ثالثاً: توزيع القوة في المنطقة بهدف
تشكيل التوازنات الإقليمية، فليس سراً أن هناك اختلالا في توازنات القوى بين دول
المنطقة، وطالما أوجد هذا الأمر حساسيات بين هذه الدول وخلق اصطفافات محاورية كان
لها تأثير سلبي على التعاون والسلم في دول المنطقة. وقد أدركت واشنطن هذا الأمر
جيداً، لذا تم رسم معادلة جديدة تقوم على دمج الموارد بالقوة العسكرية والجغرافيا
الاقتصادية، بحيث تصبح جميع الأطراف متساوية في الوظيفة والدور، دون هيمنة طرف على
آخر.
وهكذا، ومن خلال تفاصيل تقنية معقدة،
وتوليد ديناميكيات سياسية، يجري بناء
الشرق الأوسط الجديد عبر مسارٍ هندستْه بدرجة
كبيرة الولايات المتحدة الامريكية بعد الأخذ بعين الاعتبار مصالح دول المنطقة
وهواجسها، من دون أن يعني ذلك أن الأمور استقرت بالفعل على هذا التشكّل، فمرحلة
بناء الشرق الأوسط الجديد وفق المقاسات الموصوفة أعلاه ستسغرق وقتاً ليس بقصير، كما
أن الافتقاد لأطر وهياكل واضحة قد تجعل هذه الترتيبات هشة إلى حد ما.
x.com/ghazidahman1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.