بعد كل ما أعلنته إدارة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت من عقوبات وإجراءات تستهدف
الاقتصاد الإيراني وشبكات تمويله وتجاراته، تبدو الصورة الاقتصادية الإيرانية
شديدة الصعوبة، لكن ليس أمام انهيار وشيك بالضرورة. فالأرقام تؤكد أن العقوبات
تضرب العملة والنمو والتضخم والقدرة الشرائية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن
الولايات المتحدة لم تتمكن حتى الآن من إغلاق جميع منافذ الاقتصاد الإيراني، وفي
مقدمتها النفط المتجه إلى
الصين. ولذلك فإن المعركة انتقلت من سؤال "هل
تستطيع العقوبات إضعاف إيران؟" إلى سؤال أكثر تعقيداً: "إلى أي مدى
تستطيع إيران تحمل الاستنزاف الاقتصادي قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية
تهدد قدرة النظام على الصمود؟".
الخطوة الأمريكية
الأخيرة، التي قادها بيسنت تحت عنوان "اليوم الاقتصادي الحاسم"، استهدفت
توسيع العقوبات على إيران وعلى الأطراف التي تساعدها اقتصادياً، مع تهديد الدول
والشركات التي تستمر في التعامل مع طهران. وتشمل الإجراءات قطاعات متعددة، من
الشحن والطيران والتكنولوجيا والذهب إلى الأصول الرقمية، في محاولة لضرب مصادر
الإيرادات وشبكات التجارة والدفع التي تسمح لإيران بالاستمرار رغم العقوبات. كما
أعلنت واشنطن أنها ستمنح الأطراف المتعاملة مع إيران مُهَلاً محددة للامتثال، بما
يعني أن استراتيجية العقوبات تنتقل من استهداف إيران مباشرة إلى محاولة خنق شبكة
العلاقات التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالبقاء.
لكن المشكلة الأساسية
أمام هذه الاستراتيجية هي الصين، فبكين لا تزال أكبر منفذ خارجي مهم للنفط
الإيراني، ولذلك فإن العقوبات الأمريكية، مهما اتسعت، لا تحقق هدفها الكامل ما لم
تتمكن واشنطن من دفع الصين إلى وقف أو تقليص تعاملاتها مع إيران بصورة جذرية. وهذا
هو الحد الفاصل بين "إضعاف الاقتصاد الإيراني" و"خنقه".
فالتقارير الأخيرة تشير
إلى أن إدارة ترامب استهدفت شركات مرتبطة بالصين وهونغ كونغ، لكنها تجنبت حتى الآن
توجيه الضربة الأوسع إلى المؤسسات المالية الصينية الكبرى، في ظل حرص واشنطن على
عدم تحويل الملف الإيراني إلى مواجهة مالية وتجارية شاملة مع بكين. وتشير
التقديرات إلى أن الصين ستتعاون جزئياً لتجنب العقوبات، لكنها لن تكون مستعدة على
الأرجح لقطع علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع إيران بالكامل.
وهنا تظهر قدرة إيران
على الصمود، فحتى مع استمرار العقوبات والحصار، لا يزال الاقتصاد الإيراني يحصل
على موارد من النفط والتجارة الإقليمية والشبكات غير الرسمية والوسطاء، كما أن
طهران راكمت خلال سنوات العقوبات خبرة واسعة في الالتفاف على القيود المالية
والتجارية. لكن هذه القدرة على البقاء لها ثمن اقتصادي كبير، وأبرز مظاهر هذا
الثمن هو التضخم.
ويقدّر صندوق النقد
الدولي أن التضخم الإيراني في عام 2026 سيبلغ نحو 68.9 في المئة، في حين يتوقع
انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 5.4 في المئة. وهذا يعني أن إيران تواجه في
الوقت نفسه انكماشاً اقتصادياً حاداً وتضخماً استثنائياً، وهي من أسوأ التركيبات
الاقتصادية الممكنة؛ لأنها تؤدي إلى تراجع الإنتاج والدخل الحقيقي في وقت ترتفع
فيه الأسعار بسرعة كبيرة.
أما العملة الإيرانية،
فهي تقدم المؤشر الأكثر وضوحاً على حجم الاستنزاف. فقد وصل الريال إلى مستويات
قياسية من الضعف أمام الدولار، في وقت تتسع فيه الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر
السوق. وانهيار العملة لا يقتصر تأثيره على الأسواق المالية؛ فهو يعني ارتفاع كلفة
الاستيراد، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والسلع
الأساسية، ثم انتقال هذه الزيادة إلى بقية الاقتصاد.
ولهذا، فإن أخطر ما
تواجهه إيران ليس مجرد انخفاض الناتج المحلي، بل تآكل القوة الشرائية للمجتمع. فالاقتصاد
يستطيع أن ينكمش بنسبة كبيرة ويستمر، والدولة تستطيع أن تعيد توزيع مواردها، لكن
المواطن لا يستطيع بسهولة أن يتكيف مع تضخم يقارب 70 في المئة، خصوصاً عندما تكون
المواد الغذائية أكثر تأثراً من المتوسط العام للأسعار. ومع استمرار تراجع العملة،
يتحول التضخم من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة اجتماعية وسياسية.
ومع ذلك، فإن القول إن
إيران ستنهار اقتصادياً بسبب هذه المؤشرات سيكون استنتاجاً متسرعاً. فالتاريخ
الاقتصادي الإيراني خلال العقود الماضية يوضح أن النظام استطاع إدارة فترات طويلة
من العقوبات والتضخم وانخفاض قيمة العملة. كما أن الدولة الإيرانية تملك أدوات للسيطرة
على الاستهلاك والاستيراد، وإدارة النقد الأجنبي، وتوجيه الدعم، وتحديد أولويات
الإنفاق، فضلاً عن قدرتها على نقل جزء من تكلفة الأزمة إلى المجتمع من خلال التضخم
وانخفاض قيمة العملة.
وهنا يجب التفريق بين
الانهيار الاقتصادي والصمود الاقتصادي، فإيران لا تعيش اقتصاداً طبيعياً قادراً
على تحقيق نمو مستدام في الظروف الحالية، لكنها تملك اقتصاداً قادراً على البقاء.
والفرق بين الاثنين جوهري؛ الاقتصاد القادر على النمو يحتاج إلى استثمارات
وتكنولوجيا وتمويل خارجي وأسواق مفتوحة، بينما اقتصاد البقاء يحتاج قبل كل شيء إلى
الحد الأدنى من الإيرادات التي تسمح للدولة بدفع الرواتب وتأمين الغذاء والطاقة
والحفاظ على المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ومن هذه الزاوية، فإن
النفط يبقى العامل الأكثر حسماً، فإذا بقيت إيران قادرة على تصدير النفط ولو
بكميات أقل، واستمرت الصين في شراء جزء مهم منه، فإن الولايات المتحدة تستطيع
زيادة كلفة هذه الصادرات، لكنها تجد صعوبة أكبر في القضاء عليها بالكامل. أما إذا
نجحت واشنطن في إغلاق هذا المنفذ بالتزامن مع تجفيف قنوات الدفع والتجارة، فإن
المعادلة ستتغير جذرياً.
ولهذا فإن الصين تمثل
في الوقت الراهن صمام الأمان الاقتصادي لإيران، لكنها ليست قادرة على إنقاذ
الاقتصاد الإيراني من الاستنزاف. الصين تستطيع شراء النفط وتأمين بعض القنوات
التجارية، لكنها لا تستطيع أن تمنع التضخم الإيراني، ولا تستطيع أن تعيد قيمة
الريال إلى مستويات مستقرة، ولا تستطيع أن تعوض بالكامل تراجع الاستثمار والإنتاج.
ولذلك فإن استمرار التعامل الصيني يعني أن إيران تستطيع البقاء، لكنه لا يعني أن
الاقتصاد الإيراني يستطيع الاستمرار بالوضع نفسه إلى ما لا نهاية.
وهنا تنتقل الأزمة من
الاقتصاد إلى المجتمعن فقد بدأت التقارير تتحدث عن احتجاجات عمالية ومخاوف من نقص
بعض السلع، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع العملة ومشكلات الأجور. وتظهر الاحتجاجات
في قطاعات مختلفة، بما فيها العمال والمتقاعدون والمعلمون، فيما يدفع ارتفاع
الأسعار مزيداً من الأسر إلى الاقتراض لتأمين الاحتياجات الأساسية. لكن حتى هذه
المرحلة لا تعني بالضرورة سقوط النظام، فالأزمة الاقتصادية يمكن أن تؤدي في ظروف
الحرب إلى نتيجة معاكسة مؤقتاً؛ إذ يستطيع النظام تقديمها باعتبارها نتيجة مواجهة
خارجية، وتحويل جزء من الغضب الشعبي نحو الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى
استخدام الخوف من الفوضى والتدخل الخارجي كعامل لتعبئة المجتمع.
لذلك، فإن السؤال
الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران قادرة على الصمود، بل ما تكلفة هذا الصمود وكم يمكن
أن يستمر؟ في المدى القصير، تبدو قدرة إيران على البقاء قوية نسبياً، فالمؤسسات
الأساسية للدولة ما زالت قائمة، ومصادر الإيرادات لم تنقطع بالكامل، والصين لم
تنضم إلى مقاطعة شاملة لإيران، كما أن روسيا والهند وبعض دول المنطقة توفر منافذ
بديلة، وإن كانت محدودة مقارنة بما يحتاجه الاقتصاد الإيراني. وتُظهر التطورات
الأخيرة أن واشنطن نفسها تواجه مشكلة في بناء تحالف دولي كامل لعزل إيران
اقتصادياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالصين.
لكن المدى المتوسط أكثر
خطورة، فإذا استمر الانكماش خلال 2026، وبقي التضخم قريباً من 70 في المئة، واستمر
الريال في فقدان قيمته، فإن إيران قد تنتقل من مرحلة "اقتصاد يتألم" إلى
مرحلة "اقتصاد يستهلك قدرته على البقاء". وفي هذه الحالة تصبح الدولة
مضطرة إلى الاختيار بين تمويل الاقتصاد المدني، وتمويل الدعم، وتمويل الجهاز
الأمني والعسكري، وتمويل الواردات الأساسية. وهذه هي النقطة التي يمكن أن يتحول
فيها الضغط الاقتصادي إلى ضغط سياسي.
لذلك، يمكن القول إن
2026 هو عام الصدمة الاقتصادية، بينما قد يكون 2027 عام اختبار القدرة على التحمل.
وليس المقصود بذلك أن انهياراً سياسياً سيحدث حتماً في 2027، وإنما أن استمرار
المؤشرات الحالية لمدة أطول سيجعل إدارة الأزمة أكثر صعوبة بكثير. فإذا بقي النفط
يصل إلى الصين، وظلت إيران قادرة على تأمين قنوات الدفع والتجارة، فمن المرجح أن
يستمر النظام في الصمود حتى مع تدهور مستوى معيشة الإيرانيين. أما إذا اجتمعت
ثلاثة عوامل في وقت واحد، وهي انهيار أكبر في صادرات النفط، وانقطاع قنوات الدفع
والتجارة مع الصين، واستمرار التضخم المرتفع وانهيار الريال، فإن قدرة الدولة على
إدارة المجتمع ستتعرض لاختبار مختلف تماماً.
وهنا تكمن المفارقة
الكبرى في استراتيجية ترامب وبيسنت: أمريكا قادرة على إفقار إيران، لكنها لم تتمكن
حتى الآن من خنقها؛ والصين قادرة على منع الخنق، لكنها غير قادرة على منع
الاستنزاف؛ وإيران قادرة على الصمود، لكنها تدفع ثمن هذا الصمود من عملتها ونموها
ومستوى معيشة شعبها.
وعليه، فإن الاقتصاد
الإيراني لا يبدو أمام انهيار فوري، بل أمام حرب استنزاف اقتصادية طويلة. وإذا
استمرت العقوبات الأمريكية بالمستوى الحالي مع بقاء الصين منفذاً للنفط، فإن
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار إيران في الصمود اقتصادياً وسياسياً، ولكن
على قاعدة اقتصادية أضعف ومجتمع أكثر فقراً وتضخماً. أما إذا تمكنت واشنطن من
إجبار الصين على قطع الشريان النفطي والمالي، فستدخل إيران مرحلة مختلفة، لأن
المشكلة لن تعود في مقدار الضرر الذي تلحقه العقوبات بالاقتصاد، بل في قدرة الدولة
على دفع ثمن استمرارها.
إن مفتاح مستقبل إيران
الاقتصادي ليس في واشنطن وحدها ولا في طهران وحدها، بل في العلاقة بين واشنطن
وبكين. فإذا بقيت الصين خارج مقاطعة شاملة، فإن استراتيجية "الخنق الاقتصادي"
ستظل ناقصة، وسيبقى الاقتصاد الإيراني قادراً على الصمود، ولو على حساب التضخم
والعملة ومستوى المعيشة. أما إذا تحولت المواجهة إلى قطيعة صينية- إيرانية فعلية
تحت ضغط أمريكي، فإن الساعة الاقتصادية الإيرانية ستبدأ بالعمل بسرعة أكبر، وعندها
قد تنتقل الأزمة من مرحلة الاستنزاف الاقتصادي إلى اختبار الصمود الاجتماعي
والسياسي للنظام نفسه.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.