كشف رئيس
الاستخبارات الخارجية الروسية (SVR) سيرغي ناريشكين، أن لقاءه مع مدير
المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف في موسكو، الثلاثاء الفائت، "بحث
جملة من القضايا التي تدخل في اختصاص الاستخبارات"، ملخصاً الموقف بالقول: "لا
شيء غير عادي في ذلك"، غير أن الحقائق المرتبطة باللقاء وسياقاته تقول غير
ذلك؛ هو اللقاء الأول منذ سنوات على اندلاع الحرب الأوكرانية، والأول لراتكليف.
لا تتوقف الأمور
عند هذا الحد، فالتقارير والمعلومات المسربة تؤكد بأن الزيارة لم يكن مخططاً لها
مسبقاً، وأن راتكليف اضطر للانتظار يوماً كاملاً في ريغا، عاصمة لاتفيا، للحصول
على إذن بزيارة موسكو، الأمر الذي تحقق بعد اتصال من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، على نحو يوحي بأن
روسيا لم تكن مستعدة أو راغبة
بتلقي رسائل أمنية من الجانب الأمريكي أو مناقشة أي من الملفات المعقدة والحساسة
المرتبطة بالحرب قبيل الانتخابات الأمريكية.
تدهور كبير في قدرات الجيش الأوكراني ومخاوف من انهيار سريع، خلافاً لما يتم الترويج له حول ضربات أوكرانية موجعة تدفع روسيا للقبول بالمفاوضات المباشرة منتصف شهر أيلول/سبتمبر المقبل
التكهنات التي
نقلها النائب السابق لوكيل وزارة الدفاع الأمريكية ستيفن براين تؤكد ذلك، بعد أن
لخصها في عنوان مقالته المنشورة على موقع "الأسلحة الاستراتيجية": "لغز
زيارة راتكليف لموسكو.. هل كان يحاول إنقاذ زيلينسكي؟"، مشيراً إلى تدهور
كبير في قدرات الجيش الأوكراني ومخاوف من انهيار سريع، خلافاً لما يتم الترويج له
حول ضربات أوكرانية موجعة تدفع روسيا للقبول بالمفاوضات المباشرة منتصف شهر
أيلول/سبتمبر المقبل.
المخاوف من
انهيار نظام زيلينسكي وتولي السلطة نظام موالٍ لموسكو، والحديث عن حشود روسية
كبيرة، تزامنت مع توسع خطير في الضربات الروسية طالت قواعد للناتو في ألمانيا، كان
أشهرها قاعدة "ليبزغ هال" مطلع الشهر الحالي، وتفجيرات غامضة طالت مصنعاً
لمحركات الدفع الخاصة بمنظومات الدفاع الجوي في إيطاليا، التي أعلنت نيتها، إلى
جانب فرنسا، تقديم مساعدات مرتبطة بمنظومات دفاع جوي تقدر بـ3 مليارات يورو، ما
عزز الشكوك بوجود عمليات تخريب جريئة في دول مركزية في حلف الناتو، يشرف عليها
جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي (SVR)،
الذي التقى رئيسه راتكليف في موسكو مؤخراً.
موسكو لم تُظهر
تعاطياً إيجابياً مع الزيارة، ولم تقدم رسائل طمأنة، إذ سارع رئيس الأركان فاليري
غيراسيموف بزيارة قواته المنتشرة على جبهة أوكرانيا، مؤكداً عزم بلاده السيطرة على
ما تبقى من بلدات شرق أوكرانيا، إلا أن الرسالة الأهم جاءت على لسان المتحدثة باسم
الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، محذرة لندن من رد روسي قد يطال "أي مواقع
أو معدات عسكرية بريطانية في أوكرانيا وخارجها"، مؤكدة أن الضالعين بجرائم
الحرب ضد المدنيين الروس "سينالون عقابهم العادل".
رسائل زخاروف
طالت كافة دول بحر البلطيق، بما فيها لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، ما يمثل رداً
روسياً واضحاً على التسريبات التي نقلت عن راتكليف تحذيره للروس حال استهداف دول
البلطيق، ما يعني أن زيارة راتكليف كانت فاشلة ومتأخرة عن موعدها كثيراً، فهي لم
تحقق أياً من أهدافها، ما أكدته أنباء لاحقة
الحرب لا تتوقف حدودها عند أوكرانيا، فالرسائل طالت إيران بطلب أمريكي -نفته المصادر الرسمية الأمريكية- حول وقف كافة أشكال التعاون التجاري والعسكري فيما بين روسيا وإيران
عن نية فرنسا وإيطاليا المضي قدماً في
حزمة المساعدات العسكرية لأوكرانيا، المتضمنة صواريخ "Aster
30" وأربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي "Samp-T
NG"، بحسب ما نقلته صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية و"لوفيغارو"
الفرنسية.
الحرب لا تتوقف
حدودها عند أوكرانيا، فالرسائل طالت إيران بطلب أمريكي -نفته المصادر الرسمية
الأمريكية- حول وقف كافة أشكال التعاون التجاري والعسكري فيما بين روسيا وإيران،
ليأتي الرد على شكل إعلان رسمي جاء على لسان السفير الإيراني في موسكو بأن الرئيس
مسعود بزشكيان سيلتقي الأسبوع المقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة
منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان، فيما يشبه تأكيداً على عمق
العلاقات الإيرانية الروسية وموثوقيتها؛ فهو اللقاء والاتصال السادس بين الرئيسين
بوتين وبزشكيان.
ختاماً.. لا تبدو
الحرب على موعد مع نهاية قريبة، سواء في أوكرانيا أو الخليج العربي، وجل ما يمكن
قوله إن الولايات المتحدة قامت بجهد متأخر وفاشل قاده مدير المخابرات المركزية (CIA)
لاحتواء التصعيد قبيل الانتخابات الأمريكية، بتوسعته ليشمل دول البلطيق عسكرياً أو
تعميقه استخبارياً في أوروبا، على نحو ما حدث في إيطاليا وألمانيا مؤخراً، في حين
أن ما تسعى إليه إدارة ترامب في الخليج العربي إبعاد موسكو وتشديد الحصار على
إيران، أمر لا يمكن إنجازه حال امتناع روسيا والصين عن التعاون مع أمريكا، وهي
صفقة لم تتحقق، ولا يتوقع أن يكون لها نصيب من النجاح مستقبلاً، سواء مع موسكو أو
بكين، فالحرب إلى توسع وتمدد، لا إلى تراجع واحتواء، كما يرغب ترامب وأعضاء إدارته.
x.com/hma36
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.