المقدمة
لم تعد
أزمات النظام السياسي في
مصر مجرد سجالات تُثار على شاشات الفضائيات أو مقالات
تُكتب في صحف المعارضة بالخارج، بل تحولت إلى واقع بنيوي يتخلق يومياً داخل القشرة
الصلبة للسلطة الحاكمة. إن المعضلة الأكبر التي تجابه نظام عبد الفتاح السيسي
اليوم لا تكمن في حجم المعارضة المدنية أو القوى السياسية التقليدية التي جرى
تجريفها بالكامل، بل تتجلى في حالة متقدمة من "التآكل الذاتي"؛ حيث تبدو
السلطة وكأنها تلتهم أحشاءها بنفسها في
صراع بقاء مكتوم يعصف بأركان المؤسسات
السيادية للدولة.
تتلاقى في
هذه اللحظة التاريخية الفارقة متناقضات كبرى غير مسبوقة: صراع أجنحة محتدم داخل
أجهزة القوة الصلبة، يتزامن مع ظاهرة مريبة لغياب ورحيل كبار الضباط والمسؤولين
تحت لافتات متكررة مثل "الموت المفاجئ" و"السكتة القلبية"،
وانفجار
اقتصادي مدمر ناتج عن تراكم الديون وتهاوي الجنيه وتجريف القوة الشرائية
للمواطنين، فضلاً عن اندفاع السلطة نحو اقتلاع مجتمعات كاملة من أرضها عبر التهجير
القسري، مع عجز استراتيجي كامل في حماية المقومات الحيوية للأمن القومي المصري وفي
مقدمتها ملف سد النهضة.
صراع
الأجنحة وتفكيك "جمهورية يوليو"
تلاقت نتائج الفشل التنموي مع الهيكلة المالية العشوائية لتُنتِج أزمة اقتصادية هي الأكثر حدة في تاريخ مصر الحديث. لم يعد الانهيار الاقتصادي مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية، بل تحول إلى مظلمة يومية يعيشها عشرات الملايين من المواطنين الذين أُسقِطوا تحت خط الفقر
تصفيات
الصمت وظاهرة "الموت المفاجئ": تعيش
المؤسسات السيادية والأجهزة الأمنية والعسكرية في مصر على وقع حالة غير مسبوقة من
التوتر المكتوم والانقسام العمودي، متجاوزة أطر التنافس التقليدي على إدارة
الملفات الأمنية والاقتصادية. لقد أدى احتكار الدائرة الضيقة المباشرة لإدارة
مقدرات البلاد، واستبعاد الأطراف التاريخية في إدارة الحكم، إلى خلق تكتلات صامتة
داخل مجالات القوة الصلبة، ترى أن السياسات الراهنة تعرّض بقاء الدولة والمؤسسة
العسكرية نفسها لمخاطر وجودية.
إعادة
الهيكلة بالإجبار والولاء المطلق: تخضع الأجهزة السيادية لعمليات تجريف متتالية
للقيادات التي تمتلك رؤى مستقلة أو تُبدي تململاً تجاه آليات اتخاذ القرار
الفردية، واستبدالها بكوادر تدين بالولاء الشخصي المباشر، ما أدى إلى تفكيك
التوازنات التاريخية التي كانت تضمن استقرار المؤسسات.
لغز الموت
المفاجئ وغياب القيادات: ارتبطت الآونة الأخيرة بظاهرة لافتة ومثيرة للريبة؛ إذ
تزايدت حالات الرحيل والغياب المفاجئ لعدد من الضباط والمسؤولين رفيعي المستوى في
المؤسسات الأمنية والعسكرية. وبينما تُغلف هذه الحالات رسمياً ببيانات شحيحة
تُرجِع الرحيل إلى "ظروف صحية مفاجئة"، تذهب التحليلات المتخصصة في
كواليس إدارة الحكم إلى أن الشارع السياسي يراها في سياق تصفيات صامتة وعمليات
إعادة ترتيب للمشهد بالقوة القسرية، بغرض تحييد أي قوة داخلية قادرة على التفكير
في بدائل للحكم.
رعب القمة
وأزمة الثقة: تعكس هذه الإجراءات رعب السلطة العميق من بدائلها الداخلية؛ حيث بات
الخوف من "انقلاب القصر" أو تحرك الأجنحة المتذمرة داخل المؤسسات
السيادية أشد حضوراً في ذهن النظام من مواجهة الشارع والسياسة التقليدية.
بركان
الشارع والاقتصاد المأزوم: فخ الديون وتجريف الطبقة المتوسطة
على
الجبهة الشعبية، تلاقت نتائج الفشل التنموي مع الهيكلة المالية العشوائية لتُنتِج
أزمة اقتصادية هي الأكثر حدة في تاريخ مصر الحديث. لم يعد
الانهيار الاقتصادي مجرد
أرقام في تقارير المؤسسات الدولية، بل تحول إلى مظلمة يومية يعيشها عشرات الملايين
من المواطنين الذين أُسقِطوا تحت خط الفقر.
انفجار
الديون والارتهان للخارج: تسببت سياسة التوسع في المشروعات العملاقة ذات المردود
الاقتصادي الضعيف، والممولة عبر الاقتراض الكثيف، في قفزات غير مسبوقة للديون
الخارجية والداخلية. أصبحت خدمة الدين تستنزف الحصيلة الأكبر من الموازنة العامة،
مما جعل القرار الاقتصادي والسياسي المصري مرهوناً لشروط الدائنين الدوليين
والمؤسسات النقدية وصناديق الاستثمار.
تآكل
العملة وسحق المواطن: تسبب التخفيض المتكرر للقيمة الرسمية للجنيه المصري، والتضخم
المفرط في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والخدمات، في سحق الطبقة
المتوسطة وتجريف مدخراتها، ليتحول الحصول على متطلبات الحياة اليومية إلى معركة
قاسية تفقد معها الوعود الرسمية أي مصداقية.
اقتصاد
الجباية والاحتکار: ترافق الانهيار المالي مع تغول الشركات التابعة للجهات النافذة
على القطاع الخاص، مما أدى إلى خروج الاستثمارات، وتراجع الإنتاج المحلي،
والاعتماد المفرط على الجباية والرسوم والضرائب لتعويض العجز المالي.
إعادة
تشكيل الجغرافيا بالقوة: التهجير القسري وتفكيك المجتمعات المحلية
لم تتوقف
الآثار الاجتماعية والسياسية للنهج الراهن عند حدود الإفقار المالي، بل امتدت
لتطال علاقة المواطن بأرضه ومجتمعه المحلي من خلال سياسات التهجير ونزع الملكيات
القسرية لصالح المخططات الاستثمارية والأمنية:
- جزيرة
الوراق: محاصرة المنطقة والتضييق على الخدمات للضغط على الأهالي ونزع ملكياتهم
وتفريغ الجزيرة لصالح مشروعات عقارية استثمارية.
- ميناء
العريش وشمال سيناء: إزالة أحياء سكنية كاملة وتوسيع الحرم الأمني والملاحي
للميناء، ما أدى لتهجير آلاف العائلات وتعميق حالة التوتر الجغرافي والأمني مع
الأهالي.
- علم
الروم ومطروح والقاهرة التاريخية: إعادة تخصيص الأراضي الشاطئية وتفكيك النسيج
التراثي والسكاني لمناطق تاريخية تحت ذريعة التطوير وإعادة التخطيط، دون مراعاة
للحقوق الاجتماعية والتاريخية للسكان.
العجز
الاستراتيجي: سد النهضة وتبديد الأمن المائي القومي
يتجلى
الفشل الشامل للنظام في معالجته للملفات الاستراتيجية المباشرة، وفي مقدمتها ملف
سد النهضة الإثيوبي الذي يمثل الشريان الوجودي للشعب المصري.
اتفاق
الخرطوم 2015: منح "إعلان المبادئ" غطاءً
سياسياً وقانونياً لأديس أبابا لمواصلة عمليات البناء والملء دون الالتزام
باتفاقيات مكتوبة أو قواعد ملزمة لإدارة السد في أوقات الجفاف.
النظام لم يعد يمتلك حلولاً مستدامة، بل يكتفي بـ "إدارة الفشل" والهروب إلى الأمام. ومع وصول الشارع إلى نقطة الغليان، تتضح الحقيقة الجلية: أن خطر الانهيار يتخلق اليوم في قلب السلطة ذاتها قبل أي مكان آخر
سياسة
الأمر الواقع: على مدار سنوات من المفاوضات العقيمة، فرضت إثيوبيا مراحلاً متتالية
للملء وتدشين التوربينات، بينما اقتصر الرد الرسمي على بيانات التنديد والوعود بـ"الخطوط
الحمراء" التي سرعان ما تبددت.
التهديد
الوجودي: تضع الشحاذة المائية الناجمة عن إدارة السد قطاع الزراعة المصري أمام
مخاطر بوار ملايين الأفدنة وتملح الدلتا، مما يهدد الأمن الغذائي والمائي القومي
بشكل مباشر.
الختام
إن
الأنظمة السياسية التي تستند كلياً إلى القبضة الأمنية وتفكيك المؤسسات الوطنية
وتجريف السياسة، ينتهي بها المطاف إلى الوقوع في فخ "الافتراس الذاتي".
إن حالة التآكل الداخلي التي تضرب القشرة الصلبة للنظام، بالتوازي مع تصفيات
الصمت، وانفجار الديون، والتهجير القسري، والفشل الاستراتيجي الممتد من مياه النيل
إلى حدود البلاد، تشير جميعها إلى أن النظام لم يعد يمتلك حلولاً مستدامة، بل
يكتفي بـ "إدارة الفشل" والهروب إلى الأمام. ومع وصول الشارع إلى نقطة
الغليان، تتضح الحقيقة الجلية: أن خطر الانهيار يتخلق اليوم في قلب السلطة ذاتها
قبل أي مكان آخر.
سؤال
للمناقشة والقراء:
هل تشهد
مصر بالفعل الفصل الأخير من صراع مراكز القوى داخل السلطة وانكشافها الاستراتيجي،
أم أن القبضة الأمنية لا تزال قادرة على السيطرة على مفاصل الدولة والشارع برغم
حالة التآكل الداخلي؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.