فيما تتواصل الحرب
الأوكرانية الروسية منذ أكثر من أربع سنوات، يشير السلوك
الإسرائيلي الى محطات لافتة،
سواء بالعلاقات الأمنية مع كييف، والتصويت ضد
روسيا في الأمم المتحدة، ودعم وحدة أراضي
أوكرانيا، مما يستدعي التوقف عند هذه المؤشرات.
وذكر المؤرخ والمستشار
الأكاديمي، ومؤلف كتاب "هل غزة محتلة ومحاصرة حقًا؟"، يوني ريني، أن
"اجتماع ويزر الخارجية جدعون ساعر بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في يوليو
2025 لم يكن صدفة، فقد ناقشا "فرص الإنتاج المشترك للأسلحة"، كدليل واضح
على أننا أمام تتويج لعملية طويلة ومعمقة، زُرعت بذورها قبل عامين، إذ وقّع وزيرا الخارجية
والأمن آنذاك، إيلي كوهين ويوآف غالانت، تراخيص تصدير أسلحة لشركتي إلبيت ورافائيل
- وهي أول موافقة من نوعها لبيع معدات عسكرية لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب".
وأضاف في مقال نشرته
صحيف
ة معاريف، وترجمته "عربي21" أن "هذا التطور ترافق مع نشر نظام الإنذار
المبكر الإسرائيلي في كييف، وتقديم مساعدات مالية بمئات ملايين الدولارات، وسُجّلت
محطة هامة أخرى في توطيد العلاقات في أغسطس 2024، حين أجرى رئيس الوزراء بنيامين
نتنياهو
اتصالاً هاتفياً مع زيلينسكي أعرب خلاله عن دعمه لسيادة أوكرانيا، ووحدة أراضيها، فيما
شكره الأخير على مشاركة إسرائيل في مؤتمر السلام، ودعمها للإعلان الختامي، واتفقا على
تعزيز قنوات التواصل".
وأوضح أن "الحكومة
الإسرائيلية تعمل باستمرار على تعزيز علاقاتها مع كييف، والنأي بنفسها عن المحور الروسي،
وهذا التوجه الحالي ليس وليد الصدفة، بل استمرار مباشر لتحركات استراتيجية بدأت قبل
أكثر من عقد من الزمن، ووُضعت الأسس في 2011، عندما التقى نتنياهو بالرئيس الأوكراني
آنذاك، فيكتور يانوكوفيتش، لبحث توسيع العلاقات، وفي 2016 و2018، انحازت إسرائيل بجانب
كييف على الساحة الدولية، وصوّتت ضد موسكو في الأمم المتحدة لصالح قرارات تدين احتلال
شبه جزيرة القرم".
وأشار أن "هذا
التغيير امتدّ لأروقة الكنيست، حين بادرت النائبة نافا بوكر (من حزب الليكود) بتقديم
مشروع قانون غير مسبوق لاعتراف إسرائيل بالمجاعة الأوكرانية (الهولودومور) كإبادة جماعية،
وبلغت العملية ذروتها في أغسطس 2019، عندما أصبح نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي في
القرن الحادي والعشرين يقوم بزيارة رسمية إلى كييف، ووقّع مع زيلينسكي اتفاقية التصديق
على اتفاقية التجارة الحرة، وتوسيعها، بل وشارك في مراسم إحياء ذكرى ضحايا الهولودومور،
وهي خطوة أثارت استياءً شديدًا في موسكو".
اظهار أخبار متعلقة
ونقل عن الباحث في
شؤون أوروبا الشرقية وروسيا، يفغيني كلاوبر، أنه "أول من رصد هذا التحول الهيكلي
في حينه، إذ أشار في 2019 أن القنوات الدبلوماسية الرسمية بين تل أبيب وموسكو وكييف
أصبحت أكثر تواترًا وكثافة من تلك التي تربط إسرائيل بروسيا، وعند هذه النقطة، برز
التناقض الجوهري بشكلٍ أوضح، ففي يونيو 2021، أجرى رئيس الوزراء آنذاك، نفتالي بينيت،
محادثةً مع زيلينسكي، دُعي خلالها لزيارة أوكرانيا بمناسبة افتتاح النصب التذكاري،
ورغم أنه ردّ بدعوةٍ لزيارة تل أبيب، لكن زيارة إسرائيلية لأوكرانيا لم تتم".
وأضاف أنه "في
أكتوبر 2021، قبل أشهرٍ قليلة من الغزو الروسي، اختار بينيت السفر إلى سوتشي، ومصافحة
فلاديمير بوتين بابتسامة، ومع اندلاع الحرب، تبنى نتنياهو، الذي كان لا يزال آنذاك
في صفوف المعارضة، موقفًا مؤيدًا لأوكرانيا بشكلٍ واضح، فقد أعلن دعمه لاستيعاب اللاجئين
غير المؤهلين لقانون العودة، وسعى لمنح تأشيرات عمل لنحو 50 ألف مبرمج أوكراني".
وأشار أن "هذا
التوجه الإسرائيلي تفاقم في سبتمبر 2022، عندما قام عضو الكنيست عن حزب الليكود، نير
بركات، بجولة في أوكرانيا، معربًا عن دعمه العلني وغير المسبوق لنقل منظومة القبة الحديدية
إلى كييف، وهي خطوة نسّقها مسبقًا، وبشكل صريح مع نتنياهو".
وأكد أنه "في
المقابل ساد جوّ من البرود التام داخل الحكومة تجاه كييف، فقد أوضح وزير الأمن آنذاك،
بيني غانتس، لسفراء الاتحاد الأوروبي أن إسرائيل "لن تزود أوكرانيا بالأسلحة"،
وأن هذه السياسة "لن تتغير"، أما وزير المالية آنذاك، أفيغدور ليبرمان، على
تخفيف القيود المفروضة على النظام المصرفي للحد من تأثير العقوبات الدولية على روسيا".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار أن "الأزمة
الدبلوماسية تفاقمت مع تقدم الحرب، ففي اللحظة الأخيرة، ألغى زيلينسكي مكالمة هاتفية
مقررة مع رئيس الوزراء آنذاك، يائير لابيد، واختارت إسرائيل، من جانبها، التغيب عن
"منصة القرم"، وهو مؤتمر دولي مرموق يهدف للتعبير عن الدعم للسيادة الأوكرانية،
ويأتي الدليل الأكثر وضوحًا على اختلاف الموقف من الجانب الأوكراني، في أكتوبر
2022، وفي عهد حكومة لابيد، صرّح ميخايلو بودولياك، كبير مستشاري زيلينسكي، بأن
"إسرائيل اختارت الجانب الخاطئ من التاريخ".
وأكد أنه "بعد
أربعة أشهر من عودة نتنياهو للسلطة، في فبراير 2023، تغيّرت لهجة بودولياك تمامًا،
بقوله إننا "نرى فرقًا شاسعًا بين إسرائيل نتنياهو وإسرائيل لابيد وبنيت، كييف
تثق به أكثر"، ووعد بتغيير نمط تصويتها ضد إسرائيل في الأمم المتحدة، وتفاقم هذا
الوضع بكشف حاخام أوكراني مرموق أن زيلينسكي أرسل إليه مبعوثًا خاصًا بهدف مطالبة نتنياهو
بالتوسط بينه وبين بوتين، وهو مسار رفضه بينيت خلال فترة حكمه".
وأشار أنه "في
مارس 2022، بعد شهر واحد فقط من اندلاع الحرب، أوضح زيلينسكي نفسه أن "نتنياهو
وحده هو المؤهل للتوسط بيننا وبين بوتين"، كما يُقرّ الجانب الروسي بحدود ولاء
تل أبيب، وحذّر ديمتري سولونيكوف، السياسي الروسي البارز ومدير معهد تنمية الدولة الحديثة،
في فبراير 2023، أن إسرائيل "لم تكن يومًا حليفًا كاملًا" لروسيا، وأن نتنياهو
لن يضع في نهاية المطاف إلا مصالحه الشخصية".