مصر والتحالف الثلاثي.. غياب الدور ورسائل "الهندسة الإقليمية الجديدة

محمد عماد صابر
"غياب مصر عن هذا التحالف الثلاثي لم يكن محض تصادف، بل هو نتاج التقاء رغبتين وضغوط متعددة"- التواصل الاجتماعي
"غياب مصر عن هذا التحالف الثلاثي لم يكن محض تصادف، بل هو نتاج التقاء رغبتين وضغوط متعددة"- التواصل الاجتماعي
شارك الخبر
يعزف البعضُ نغمةً مكرورةً تُصور التطورات العسكرية والإقليمية الأخيرة -وفي صدارتها الشراكة الاستراتيجية والتحالف الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان- وكأنها مجرد ترتيبات موجهة نحو صراعات جانبية. غير أن القراءة الواعية للخريطة الجيوسياسية المتشكلة بعد "طوفان الأقصى" تؤكد حقيقة ناصعة: إننا أمام إعادة تشكيل لردع إقليمي يهدف أساساً لكبح التغول الصهيوني، ومواجهة المحور الناشئ الذي يربط تل أبيب بنيودلهي وأثينا ونيقوسيا.

ومع بزوغ هذا التحالف الذي ينطوي على ثقل نووي (باكستان)، وقوة عسكرية وصناعية حديثة (تركيا)، ووفرة مالية ومكانة روحية (السعودية)؛ يبرز السؤال المفصلي والأكثر إيلاماً: أين موقع مصر من هذا التكتل الدفاعي الإقليمي؟

إن غياب مصر عن هذا التحالف الثلاثي لم يكن محض تصادف، بل هو نتاج التقاء رغبتين وضغوط متعددة:

لا ينبغي قراءة التحالف الثلاثي كترف سياسي، بل كضرورة وجودية؛ إذ أسفرت التحولات الأخيرة عن تبلور حلف مضاد يمتد من (الهند- إسرائيل- اليونان- قبرص)، وهو محور يستهدف خنق خطوط التجارة البحرية، والالتفاف على الجغرافيا الإسلامية

أولها؛ تحفظات دول التحالف (أزمة الثقة): تدرك عواصم التحالف الثلاثي أن السلوك السياسي والعسكري للنظام المصري الحالي بات مكبلاً بالتزامات معقدة؛ سواء بسبب الارتهان الاقتصادي للداعمين الذين يرفضون هذا المنزع الاستقلالي، أو بسبب السجل غير المشجع في إدارة ملفات سابقة (كالملف اليمني وسلوك التهدئة الدائم)، مما أضعف ثقة الشركاء الإقليميين في قدرة مصر الحالية على الالتزام بحلف عسكري خشن ومباشر.

ثانيها؛ عقيدة الانكفاء والتجنب لدى النظام المصري: فمنذ سنوات، تنتهج السياسة الخارجية المصرية خطاً استراتيجياً قائماً على "تجنب الصدام مع الاحتلال الصهيوني"، وتفادي أي التزامات حقيقية قد تضعه في اختبار عسكري مباشر يكشف هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي. وقد تجلى هذا النمط من الإدارة في التعاطي مع أزمات مصيرية مست الأمن القومي المصري في العصب؛ بدءاً من ملف مياه النيل و"سد النهضة"، مروراً بانهيار الاستقرار في السودان وليبيا، وصولاً إلى حرب الإبادة في غزة.

ثالثها؛ الهروب من التقييم المتكافئ: يُفضل النظام المصري دائماً التحرك داخل المنظومة العربية التقليدية التي يمتنع فيها بوزنه الديمغرافي والعسكري التاريخي. أما في هذا التحالف الثلاثي، فلن يتمتع بهذه الأفضلية في ظل وجود قوة ردع نووية، وجيش تركي حديث ومصنع لسلحه، وملاءة مالية سعودية، مما يجعله أمام اختبار حقيقي للكفاءة لا لمجرد الحجم.

فضلا عن العقدة الأيديولوجية التاريخية: منذ نشأة نظام يوليو 1952، زهدت الإدارات المتعاقبة في مصر في أي تكتل يحمل صبغة أو مرجعية إسلامية جامعة، وفضلت الأطر القومية أو الإقليمية الضيقة التي تضمن لها قيادة صورية، حتى لو كان على حساب تضييع المصالح الاستراتيجية للأمة.

أبعاد المحور المضاد والتهديد الوجودي

لا ينبغي قراءة التحالف الثلاثي كترف سياسي، بل كضرورة وجودية؛ إذ أسفرت التحولات الأخيرة عن تبلور حلف مضاد يمتد من (الهند- إسرائيل- اليونان- قبرص)، وهو محور يستهدف خنق خطوط التجارة البحرية، والالتفاف على الجغرافيا الإسلامية، وتهديد المصالح الحيوية لباكستان في آسيا، وتركيا في المتوسط، والسعودية في البحر الأحمر، فضلاً عن خنق ما تبقى من حقوق الشعب الفلسطيني.

إن بزوغ تكتل دفاعي إسلامي متكامل هو خطوة نحو إقامة "مناط الاستطاعة والردع" الذي أوجبته الشريعة لحماية البيضة وحفظ الثغور.

التحديات الاستراتيجية وحوكمة التحالف

لكي تحول هذه الشراكة من "اتفاق سياسي مرحلي" إلى "حلف استراتيجي راسخ" (على غرار التكتلات الدفاعية الكبرى)، يجب التعاطي مع ثلاث عقبات هيكلية:

- تحرير الإرادة من الهيمنة الأمريكية: ترتبط دول التحالف الثلاث بنسب متفاوتة بعلاقات وتسليح مع الغرب وواشنطن. وإن الاستقلالية التامة للقرار الإقليمي متوقفة على تسريع توطين التصنيع العسكري، وتبادل التكنولوجيا الدفاعية، وتحقيق السلاح الذاتي.

- التأسيس المؤسسي الممتد (تجاوز تغير الأنظمة): تكمن خطورة التحالفات السياسية في تأثرها بتبدل الإدارات والحكام (كما هو الحال في التداول السياسي داخل تركيا أو باكستان). والحل يكمن في "مأسسة التحالف" عبر معاهدات دفاعية ملزمة تقرها البرلمانات والمؤسسات السيادية في هذه الدول، ليتحول من "خيار حكومات" إلى "عقيدة أمن قومي مؤسسية".

المستقبل ليس لمن يملك السلاح فقط، بل لمن يملك "الوعي الاستراتيجي، والإرادة السياسية، والمؤسسية الحاكمة". وكلما أدركت دول أمتنا أن أمنها القومي وحمايتها لمقدساتها لن يتأتيا عبر الارتهان للخارج، بل عبر التكافؤ والتكامل والردع الذاتي، استعادت مكانتها الشاهقة بين الأمم

- استعادة مصر لاستكمال المظلة: يبقى التحالف ناقصاً ما لم تستعد مصر دورها الحضاري والتاريخي. إن مصر ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل هي ركن الجغرافيا والتاريخ، ولا يكتمل البناء الحضاري للأمة إلا برجوع مصر إلى مظلتها الطبيعية: قاطرةً للأمة، وحاميةً لثغورها، وشريكةً في صنع ردعها الحضاري.

ويبقى سؤال أخير هل يمكن أن يحل هذا التحالف محل القوة الأمريكية في منطقتنا العربية والإسلامية؟؟

يمكن أن يكون هذا في حال تحقق ما يتوقعه معظم المراقبين، وهو أن يكون هناك صعود صيني وتراجع أمريكي وانكماش، واستمرت قوة التحالف الإسلامي الثلاثي في الصعود والتنامي بشكل حثيث وجاد ومستمر، خاصة لو تطورت الصناعات العسكرية في الدول الثلاث وباتت تستطيع الاستغناء في احتياجاتها الدفاعية الأساسية عن الجانب الأمريكي والغربي بشكل عام.

الخلاصة..

إن التحالف الدفاعي الثلاثي يمثل شعاع أمل في ليل العجز العربي والإقليمي، وخطوة عمل جادة نحو عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه الهيمنة وتصعد فيه القوى الإقليمية المعتمدة على ذاتها.

إن المستقبل ليس لمن يملك السلاح فقط، بل لمن يملك "الوعي الاستراتيجي، والإرادة السياسية، والمؤسسية الحاكمة". وكلما أدركت دول أمتنا أن أمنها القومي وحمايتها لمقدساتها لن يتأتيا عبر الارتهان للخارج، بل عبر التكافؤ والتكامل والردع الذاتي، استعادت مكانتها الشاهقة بين الأمم.

وبالتأكيد هذا الناتو الإسلامي يمثل حلما وأملا للأمة يمكن أن يتطور ويتم البناء عليه وتنضم له دول إسلامية أخرى؛ كي يمثل قوة دفاعية معتبرة يمكنها أن تمنع القوى الدولية من العبث في منطقتنا العربية والإسلامية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)