يوماً بعد آخر، يتكشّف حجم التراجع في مكانة دولة الاحتلال حول العالم بشكل ملحوظ منذ نهاية 2022، حين تم تشكيل حكومة اليمين الحالية، حيث اتسعت دائرة الإجراءات السياسية والقانونية والاقتصادية المتخذة ضدها خلال ثلاث سنوات ونصف، بمن فيها من الدول الحليفة.
الباحث الاقتصادي، والكاتب الدوري بصحيفة "كالكاليست"، والحاصل على درجة الماجستير من جامعة تل أبيب، أوري تال تينا، ذكر أن "الحكومات الغربية أصدرت تحذيرات من النشاط في
المستوطنات، وأعادت المؤسسات المالية النظر في الاستثمارات.
اظهار أخبار متعلقة
كما طُلب من الشركات التعامل مع مخاطر الامتثال والتبعات القانونية، ووضعت المحاكم والمؤسسات الدولية إطاراً يزيد الضغط على
إسرائيل، وشكلت حرب السيوف الحديدية ضد غزة عاملاً رئيسياً في التدهور".
وأضاف أوري تال تينا في مقال نشره موقع "
زمان إسرائيل" العبري، وترجمته "
عربي21"، أن "تآكل مكانة إسرائيل بدأ قبل ذلك على خلفية الانقلاب القانوني، وتوسع البناء في المستوطنات المعزولة، وتصريحات كبار الوزراء، وبدأ الثمن الاقتصادي يتراكم أيضاً".
وأوضح الكاتب أن بنك إسرائيل وجد نفسه أمام فجوة تُقدّر بـ1.5 مليار دولار في الصادرات للدول الأوروبية التي اتخذت موقفاً أكثر انتقاداً تجاه دولة الاحتلال في 2025، وفي الوقت نفسه، تتزايد الأدلة على تزايد الحذر من جانب المستثمرين والشركات الدولية".
وقال إنه "لا تواجه إسرائيل خطراً ملموساً لمقاطعة شاملة في المستقبل القريب، لكن تل أبيب تُراكم تدريجياً "علاوة مخاطرة" سياسية وقانونية واقتصادية، وهي عملية تبدو كل خطوة فيها صغيرة بحد ذاتها".
وأردف أوري تال تينا أن "تراكمها قد يُغيّر مكانة إسرائيل بشكل جذري في الاقتصاد والمجتمع الدولي، مما يؤكد تغيّر وضعها سلباً في السنوات الأخيرة، وقلّما شهد تاريخها فتراتٍ شهدت مثل هذا التغيير الحاد في وضعها الدولي في مثل هذه الفترة القصيرة".
وأكد أنه "في نهاية 2022، ومع تشكيل الحكومة، شعرت دولة الاحتلال بالعزلة بالمعنى التقليدي، واتسعت تدريجياً دائرة من الإجراءات السياسية والقانونية والاقتصادية لم تكن موجودة بهذا الحجم في السابق.
فقد "أصدرت دول تحذيرات رسمية ضد الاستثمار في المستوطنات، وشددت المؤسسات المالية سياساتها الاستثمارية، وبدأت الشركات الدولية بإعادة النظر في أنشطتها التجارية، وأنشأت المحاكم والمؤسسات الدولية إطاراً قانونياً يزيد الضغط على الحكومات والشركات".
وأشار أوري تال تينا إلى أن "التطور السلبي لوضع إسرائيل جاء نتيجة الحروب في غزة ولبنان وإيران التي شكلت عاملاً محفزاً هاماً، لكن التآكل بدأ قبل ذلك، وتفاقم بفعل سلسلة القرارات والتصريحات السياسية الصادرة عن الوزراء وأعضاء الائتلاف، وهو ما تسبب بالإضرار بمكانة إسرائيل في العالم.
ومنذ مطلع 2023، بدأت دولة الاحتلال تواجه انتقادات دولية حادة عقب دعمها للانقلاب، ولأشهر، حذر الاقتصاديون والمستثمرون ووكالات التصنيف الائتماني والحكومات الصديقة من العواقب المحتملة لتغيير جذري في نظام الضوابط والتوازنات في إسرائيل".
حرب غزة
وأكد أوري تال تينا أنه "في الوقت نفسه، توسع البناء في البؤر الاستيطانية غير الشرعية، وتبنى وزراء كبار في الحكومة مواقف متطرفة تدعو لضمّ الضفة الغربية، وإلغاء السلطة الفلسطينية، وهي مواقف لم تكن تُسمع سابقاً إلا من أقصى المتطرفين في إسرائيل، وحظيت هذه التصريحات بتنديد دولي واسع، كونها صادرة عن وزراء مؤثرين في السياسة، وهما الوزير في وزارة الأمن بيتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير".
وأضاف أنه "عندما اندلعت حرب غزة حظيت إسرائيل في البداية بتأييد شعبي واسع النطاق عقب هجوم السابع من أكتوبر، لكن مع استمرار القتال، وتزايد عدد القتلى في غزة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، تراجع التأييد، وتفاقم الوضع بسبب تزايد الانتقادات الموجهة لبناء البؤر الاستيطانية، وعدم اتخاذ إجراءات فعالة ضد عنف المستوطنين.
كما خلق اجتماع الحرب والسياسة الحكومية واقعاً جديداً، ففي نظر معظم حكومات أوروبا، والعالم العربي والإسلامي، لم تعد قضية المستوطنات منفصلة عن الحرب، بل جزءاً لا يتجزأ من العلاقات مع إسرائيل".
وأشار أوري تال تينا إلى أن "تصريحات كبار الوزراء حول نية إقامة مستوطنات في غزة أضرّت بالدعاية الإسرائيلية، التي زعمت أن الحرب في غزة موجهة حصراً ضد حماس، مما سهّل على جهات دولية معادية انتقاد تل أبيب".
كما باتت مواقف الوزراء المتطرفين تُشكّل حالياً ضغطاً اقتصادياً عليها في العالم، وبات من الأخطاء الشائعة في النقاش العام ربط كل خطوة تُتخذ ضدها بحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ومعاداة السامية".
وأوضح الكاتب أن "تغييراً أعمق طرأ بكثير في السنوات الأخيرة، ويجب التمييز بين ثلاثة أنواع من الخطوات: حملة المقاطعة السياسية (BDS)؛ واللوائح الحكومية المتعلقة بأصل المنتجات والجمارك والمشتريات؛ والقرارات التجارية التي تتخذها الشركات والمؤسسات المالية بناءً على إدارة المخاطر".
وبات خلط هذه المسارات الثلاثة يُشوّش الصورة؛ فبعد أن كانت حركة المقاطعة لسنوات عديدة محور الخطاب، كان تأثيرها الاقتصادي المباشر محدوداً، لأن الانتقادات الدولية لها اقتصرت في الغالب على الإدانات والتصريحات".
العقوبات المالية
واستدرك أوري تال تينا بالقول إنه "خلال 2024 و2025 طرأ تغيير جوهري: إذ بدأت دول عديدة بترجمة مواقفها لخطوات عملية، ولا يتعلق الأمر بمقاطعة شاملة لإسرائيل، بل بشبكة متنامية من التوجيهات التنظيمية، وقيود الاستثمار، والعقوبات الموجهة، والتحذيرات الموجهة للشركات، وكلها تخلق واقعاً جديداً للشركات والمستثمرين".
ومن "أبرز هذه التحركات ما كان مصدره المملكة المتحدة التي قامت بتحديث إرشاداتها المتعلقة بالمخاطر للشركات العاملة في الأراضي المحتلة، وشددت الحظر المطبق بالفعل فيها على الأنشطة الاقتصادية والمالية في المستوطنات".
وأضاف الكاتب أن "الإرشادات البريطانية لا تتحدث عن مقاطعة المستوطنات الإسرائيلية، بل لديها لوائح تحظر صراحةً مقاطعة إسرائيل ذاتها، بما يتجاوز بكثير تطبيق الالتزام القديم بوضع ملصقات على المنتجات القادمة من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يجعلها مثيرة للقلق؛ فهي ليست صادرة عن منظمة سياسية أو حملة مدنية، بل سياسة حكومية رسمية لدولة تُعد من أبرز حلفاء إسرائيل".
وأكد أن "الاتحاد الأوروبي واصل تعميق التمييز بين الأراضي الإسرائيلية داخل الخط الأخضر والمستوطنات، وشدد على المبادئ التوجيهية المعمول بها منذ 1995، والتي أقرتها محكمة العدل الأوروبية في 2019، وتنص على أنه لا يجوز بيع المنتجات القادمة من المستوطنات في أوروبا بموجب اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل، ووجوب وضع علامات عليها لاستبعادها من الإعفاءات الجمركية".
وأشار أوري تال تينا إلى أن "هذه التطورات تُظهِر أن الخطاب الدولي قد تغير، بعد أن نبع الضغط الاقتصادي على إسرائيل لسنوات من حملات أيديولوجية تشنها منظمات متطرفة معادية لها مثل حركة المقاطعة، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحول مركز الثقل إلى الحكومات والهيئات التنظيمية والمحاكم، مركزاً على المستوطنات، مما يُعدّ اختلافاً جوهرياً ساهمت حكومة اليمين في الإضرار بمكانة إسرائيل عالمياً، بسبب إعلانات كبار الوزراء عن توسيع المستوطنات، أو ضمّ المزيد من الأراضي، أو تغيير الوضع الراهن في الأراضي المحتلة".
وكشف أن "استراتيجية المنظمات المناهضة لدولة الاحتلال تستند لاتهامها بإنشاء نظام فصل عنصري وتمييزي دائم في الضفة الغربية، وتُسهّل تصريحات الوزراء حول الترويج لهذه السياسة عمل هذه المنظمات، يُضاف لذلك عنف وإرهاب المستوطنين المتطرفين، الذي ازداد بشكل كبير خلال ولاية الحكومة".
ويعود ذلك جزئياً "لإجراءات الوزراء لتقليص قدرة المؤسسة الأمنية على ملاحقتهم، والدعم والميزانيات التي تُحوّلها الحكومة للبؤر الاستيطانية غير القانونية التي ينطلق منها معظم مثيري الشغب من المستوطنين، كما أن صور نتائج العنف ضد الفلسطينيين زادت من الضغط الدولي لعزل إسرائيل".
وأشار أوري تال تينا إلى أن "كل ذلك ساهم بالتأثير على تضرر مكانة إسرائيل العالمية واقتصادها، رغم أن صادراتها تحطم الأرقام القياسية، فمن غير الممكن الحديث عن ضرر اقتصادي ناجم عن العزلة الدولية، لكن البيانات تُظهر أن الصورة أكثر تعقيداً، لأن الأدلة تتراكم على أن تدهور الوضع السياسي لإسرائيل يؤثر على قرارات المستثمرين والشركات والحكومات، ولا تتوزع هذه الآثار بالتساوي بين القطاعات والدول، حيث تراجعت الصادرات للدول التي شددت مواقفها".
اظهار أخبار متعلقة
وختم بالقول إن "الاتجاه التدريجي نحو عزل دولة الاحتلال دولياً جزئياً ليس نتيجة حدث أو قرار واحد، بل عملية تراكمية، بُنيت طبقةً تلو الأخرى، وشكّلت حرب غزة نقطة تحول رئيسية، لكنها جاءت في سياق عملية بدأت مع تشكيل الحكومة أواخر 2022".
وتُظهر البيانات والوثائق أن جزءاً كبيراً من تدهور مكانة إسرائيل لا ينبع فقط من وجود الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل من الطريقة التي يُنظر بها لسياسات الحكومة، وتوسعها الاستيطاني، وتصريحاتها في العالم.
تقدم هذه القراءة الاستراتيجية تشخيصاً مخيباً لآمال الاحتلال حول تراجع مكانته في العالم، بسبب سياسته العدوانية ضد الفلسطينيين من جهة، والإساءة إلى أصدقائها وحلفائها من جهة أخرى، مما سيزيد من عزلتها الدبلوماسية، وحصارها السياسي، وخسائرها الاقتصادية.