تشتعل
جبهات الشرق الأوسط كعادتها، لكن الدخان المتصاعد من الانفجارات ينعكس هذه المرة
على مسرح جيوسياسي أوسع بكثير من حدود المنطقة. إن المواجهة المباشرة أو الشبه
مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ليست مجرد صدام إقليمي بين قوة عظمى ودولة
إقليمية طامحة، بل هي "رقعة شطرنج عالمية" تتحرك عليها القطع الثقيلة في
الظلام.
وفي الوقت
الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى أعداد الصواريخ والمسيرات والسفن
الحربية في مياه
الخليج والبحر الأحمر، تدار الحرب الحقيقية في صمت بين عواصم القرار الكبرى:
واشنطن، وبكين، وموسكو. وبينما تسود في وسائل الإعلام الغربية سردية دراماتيكية
تحذر من "استنزاف ونفاد الذخائر الدفاعية والهجومية الأمريكية"، يطرح
السؤال الجوهري نفسه:
من
المستفيد الحقيقي من هذا الحريق؟ وهل هذه السردية مجرد حقيقة عسكرية لضعف صناعي،
أم أنها أرقى درجات الخداع الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين؟
1. قطع الشطرنج تتحرك في الخفاء: خريطة
المستفيدين الكبار
لا يقاس النجاح بعدد الصواريخ التي تصيب أهدافها، بل بالقدرة على توجيه جهد الخصم وإنهاك موارده دون إطلاق رصاصة واحدة. ومن هذا المنظور، تجني أطراف دولية مكاسب استراتيجية هائلة من تورط واشنطن
في علم
الجيوسياسات، لا يقاس النجاح بعدد الصواريخ التي تصيب أهدافها، بل بالقدرة على
توجيه جهد الخصم وإنهاك موارده دون إطلاق رصاصة واحدة. ومن هذا المنظور، تجني
أطراف دولية مكاسب استراتيجية هائلة من تورط واشنطن:
* التنين
الصيني: الفائز الأكبر دون خوض معركة
- تعتمد
العقيدة الاستراتيجية الأمريكية الحديثة على "المحور نحو آسيا" (Pivot to Asia) لمواجهة الصعود العسكري
الصيني في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. لكن الشلل الاستراتيجي الذي تفرضه
إيران يجبر واشنطن على نقل حاملات الطائرات، وغواصات الصواريخ الموجهة، ومنظومات
الدفاع الجوي المتقدمة (مثل "ثاد" و"باتريوت") من المحيطين
الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط.
- استنزاف
المخزون الاستراتيجي: كل صاروخ دفاعي أمريكي من طراز SM-3 أو SM-6 يُطلق لحماية
الملاحة هو صاروخ مفقود من ميزان الردع في تايوان.
- الطاقة
الرخيصة: تواصل الصين استيراد النفط بأسعار تفضيلية، بينما ترتفع تكاليف الطاقة
على حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا.
- إشغال
الساحر الأمريكي: بينما تستنزف واشنطن رأس مالها السياسي والعسكري في الشرق
الأوسط، تبني بيكين أسطولها البحري بسرعة قياسية.
* الدب
الروسي: تنفس الصعداء في الجبهة الأوروبية
بالنسبة
لموسكو، تمثل الحرب الأمريكية الإيرانية طوق نجاة استراتيجياً وفرصة لإعادة تشكيل
الصراع في أوكرانيا لصالحها:
- تشتيت
انتباه الغرب: يتراجع الاهتمام الدبلوماسي والإعلامي والعسكري بالصراع الأوكراني
لصالح التفجر العسكري في الشرق الأوسط.
- ضغط سلاسل
التوريد: تسعى واشنطن لتزويد وحماية حلفائها بالذخائر، مما يعني تقليص الإمدادات
الموجهة لكييف من قذائف المدفعية وصواريخ الدفاع الجوي.
- ارتفاع
أسعار النفط: أي تهديد لإمدادات النفط عبر مضيق هرمز يرفع أسعار الطاقة العالمية،
مما يرفد الخزانة الروسية بعائدات مالية تضعف فاعلية العقوبات الغربية.
* المجمع
العسكري-الصناعي الأمريكي: أرباح قياسية تحت ذريعة الخطر
داخل
الولايات المتحدة نفسها، تلعب الشركات العملاقة للأسلحة دور المحرك والخلفية
الاستثمارية. إن الصراعات الممتدة وسرديات "نفاد الذخائر" هي الوقود
المثالي للمطالبة بزيادات تاريخية في ميزانية الدفاع الأمريكية وتوقيع عقود توريد
ممتدة لسنوات قادمة.
2. سحر التضليل: سردية نفاد الذخائر الأمريكية
بين الحقيقة والمناورة
تزايدت
التقارير الاستخباراتية والتحليلات العسكرية الغربية التي تؤكد أن واشنطن تستهلك
ذخائرها الاعتراضية عالية التكلفة بمعدل أسرع بكثير من قدرتها على الإنتاج.
معادلة
التكلفة النازفة: صاروخ SM-6 الذي تبلغ تكلفته أكثر من 4 ملايين دولار يُطلق لإسقاط مسيرة إيرانية
الصنع لا تتجاوز قيمتها 20 ألف دولار!
والسؤال
الأهم: هل تعلن القوة العظمى الأولى في العالم عن نفاد ذخائرها بهذه السهولة
والعلنية عبر وسائل الإعلام؟ هنا يدخل مفهوم الخداع الاستراتيجي.
3. الخداع الاستراتيجي الجديد: لمن يُنصب
هذا الفخ؟
يقول
الفيلسوف والاستراتيجي الصيني سون تسو في كتابه الشهير فن الحرب: "كل أعمال
الحرب تقوم على الخداع. عندما تكون قادراً، تظاهر بعدم القدرة؛ وعندما تكون نشطاً،
تظاهر بالخمول".
تثير
علنية الحديث الأمريكي عن "نفاد الذخائر" شكوكاً عميقة لدى أجهزة
الاستخبارات الكبرى. هل واشنطن عاجزة حقاً، أم أنها تمارس لعبة التضليل لإغراء
الخصوم بالوقوع في فخ الحسابات الخاطئة؟
* فخ تايوان
(الموجه للصين): إذا
اعتقدت بكين أن المخزون الأمريكي قد أُفرغ في الشرق الأوسط، فقد تُغرى بالتعجيل
بحصار أو إخضاع تايوان. لكن هذا قد يكون استدراجاً لبكين قبل اكتمال تحديثها
العسكري، أو إخفاءً لقدرات الجيل الجديد (كالأسلحة السيبرانية، وصواريخ الطاقة
الموجهة "الليزر"، والذكاء الاصطناعي).
* فخ التوسع
(الموجه لروسيا): إيهام موسكو بأن الغرب بات منهاراً عسكرياً قد يدفع الجيش الروسي
للتوسع في عمليات هجومية غير محسوبة، مما يورط
روسيا في استنزاف اقتصادي أعمق.
الحرب الأمريكية الإيرانية ليست مجرد مواجهة بين دولتين، بل هي المسرح البديل للحرب العالمية الثالثة؛ الحرب التي تتواجه فيها القوى العظمى بالوكالة ومن خلف الكواليس
* لعبة
الميزانية (الموجهة للداخل الأمريكي): ممارسة الضغط النفسي على الكونغرس لتمرير
حزم تمويل هائلة بمليارات الدولارات وتجاوز البيروقراطية لتسريع الإنتاج العسكري.
الخاتمة: تحركات
الظلال ونهاية القطب الواحد!
إن الحرب
الأمريكية الإيرانية ليست مجرد مواجهة بين دولتين، بل هي المسرح البديل للحرب
العالمية الثالثة؛ الحرب التي تتواجه فيها القوى العظمى بالوكالة ومن خلف الكواليس.
تتحرك
إيران كجزء من كتلة أوراسية متصاعدة تهدف إلى إنهاك الهيمنة البحرية والعسكرية
الأمريكية عبر استراتيجية "الموت بألف قطع". وفي المقابل، تحاول واشنطن
المناورة بين الحفاظ على هيبتها كشرطي للعالم وبين تجنب السقوط في مستنقع استنزاف
يجرها إلى التخلي عن سيادتها لصالح التنين الصيني.
إن ما
نراه اليوم من مواجهات ليس سوى قمة جبل الثلج؛ أما الكتلة الأكبر فتتشكل تحت
السطح، حيث تعاد كتابة قواعد النظام العالمي وتتوزع موازين القوة لعقود قادمة.
سؤال
المقال:
إذا كانت
سردية "نفاد الذخائر الأمريكية" لعبة شطرنج استراتيجية؛ فهل تعتقد أن
الصين ستلتقط الطعم وتتحرك نحو تايوان، أم أن العقل الممتد لـ"سون تسو"
في بكين يدرك الفخ وينتظر احتراق الجميع في الشرق الأوسط؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.