دخلت
سوريا مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والدولية، منذ سقوط نظام بشار
الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شملت إعادة ترتيب علاقاتها مع
روسيا وتركيا والولايات المتحدة ودول الخليج والاتحاد الأوروبي.
إضافة اتفاقات تتعلق بإعادة دمج مناطق وقوى كانت خارج سيطرة دمشق، وقعها الرئيس أحمد الشرع.
وفي ما يلي أبرز الاتفاقيات والتفاهمات التي أبرمتها دمشق خلال المرحلة الانتقالية:
الاتفاق مع روسيا
أحدث هذه الاتفاقيات، التي أعلنتها دمشق وموسكو الأحد التاسع من آب/أغسطس 2026، حيث تم التوصل إلى مذكرة تفاهم بعد نحو عام ونصف من المفاوضات، لحسم مستقبل القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس.
وبموجب المذكرة، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية.
أما المنشآت ذات الطابع العسكري، فتُعاد صياغة وظيفتها لتتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة بين الجانبين.
وحددت المذكرة مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل.
وكانت القاعدتان من أبرز مظاهر الوجود العسكري الروسي في سوريا منذ تدخل موسكو العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد عام 2015.
الاتفاق مع "قسد"
في 10 آذار/مارس 2025، وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي اتفاقاً نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية.
وشمل الاتفاق المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز في شمال شرقي البلاد، إلى جانب التأكيد على وحدة الأراضي السورية وحقوق المواطنين الأكراد.
كما نص على وقف إطلاق النار وعودة النازحين، ودمج المؤسسات الواقعة تحت إدارة "قسد" ضمن الدولة.
وبعد الخلافات، وعدم التطبيق الفعلي للاتفاق، تم توقيع اتفاق آخر في كانون الثاني/يناير 2026، تضمن ترتيبات أكثر تفصيلاً بشأن وقف إطلاق النار والاندماج وتسليم مناطق ومؤسسات إلى الحكومة السورية.
اظهار أخبار متعلقة
الانضمام إلى "التحالف ضد داعش"
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وقعت سوريا إعلان تعاون سياسي مع التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة "داعش"، لتصبح شريكاً في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.
وأكدت دمشق حينها أن الإعلان ذو طبيعة سياسية، ولا يتضمن في مرحلته الحالية مكونات عسكرية.
وجاء الإعلان بالتزامن مع زيارة الشرع إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، في أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ استقلال سوريا.
اتفاق التعاون العسكري مع تركيا
في 13 آب/أغسطس 2025، وقعت وزارتا الدفاع السورية والتركية اتفاق تعاون عسكري يهدف إلى رفع قدرات الجيش السوري وإعادة تطوير مؤسساته وهيكله ودعم إصلاح القطاع الأمني.
وشمل الاتفاق تبادل الأفراد العسكريين للمشاركة في دورات تدريبية متخصصة، وبرامج في مكافحة الإرهاب وإزالة الألغام والدفاع السيبراني والهندسة العسكرية واللوجستيات وعمليات حفظ السلام.
كما نص على تقديم مساعدة فنية من خبراء أتراك للمساهمة في تحديث الأنظمة العسكرية والهياكل التنظيمية وقدرات القيادة.
اتفاق مع "موانئ دبي العالمية"
في 13 تموز/يوليو 2025، وقعت الحكومة السورية مع شركة موانئ دبي العالمية (DP World) اتفاق امتياز لمدة 30 عاماً لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس.
وتتعهد الشركة باستثمار نحو 800 مليون دولار على مدى مدة الامتياز لتحديث البنية التحتية للميناء وتحويله إلى مركز تجاري إقليمي يربط جنوب أوروبا بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وبدأت الشركة تنفيذ أولى مراحل المشروع في 2026، مع وصول أول رافعة مرفئية جديدة إلى الميناء في حزيران/يونيو الماضي، ضمن خطة استثمارية إجمالية تبلغ 800 مليون دولار.
اظهار أخبار متعلقة
الاتفاقيات الاستراتيجية مع السعودية
في 7 شباط/فبراير 2026، وقعت سوريا والسعودية خمس اتفاقيات استراتيجية بقيمة إجمالية تقارب 5.3 مليارات دولار، خلال مراسم أقيمت في قصر الشعب بدمشق بحضور الشرع ووزير الاستثمار السعودي خالد الفالح.
وشملت الاتفاقيات قطاعات الطيران والاتصالات والمياه والبنية التحتية والربط الرقمي، إضافة إلى مشاريع لتطوير شبكات الألياف الضوئية ومراكز البيانات.
كما أُعلن عن إطلاق 45 مبادرة مشتركة بين صندوق التنمية السوري واللجنة السعودية للتنمية، ضمن حزمة أوسع للتعاون والاستثمار بين البلدين.
اظهار أخبار متعلقة
رفع العقوبات
لم يكن الانفتاح الغربي على دمشق اتفاقية واحدة، لكنه جاء عبر قرارات وتفاهمات متتالية أعادت سوريا تدريجياً إلى النظام الاقتصادي الدولي.
وفي الولايات المتحدة، أصدر الرئيس دونالد ترامب في 30 حزيران/يونيو 2025 أمراً تنفيذياً أنهى برنامج العقوبات الأمريكية على سوريا، ودخل القرار حيز التنفيذ في الأول من تموز/يوليو.
وفي الاتحاد الأوروبي، أقر المجلس الأوروبي في 28 أيار/مايو 2025 رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، مع الإبقاء على بعض القيود المرتبطة بالأمن والعقوبات الفردية على شخصيات مرتبطة بنظام الأسد.
وفي أيار/مايو 2026، أعاد الاتحاد الأوروبي العمل الكامل باتفاقية التعاون مع سوريا، بعد أن كانت بعض بنودها معلقة منذ عام 2011.
إعادة تنظيم العلاقات مع لبنان
عملت دمشق وبيروت خلال المرحلة الانتقالية على إعادة تنظيم العلاقات بين البلدين وفتح ملفات ظلت عالقة خلال السنوات الماضية، شملت القضايا الأمنية والقضائية والتجارية والنقل والحدود.
وفي 6 شباط/فبراير 2026، وقعت سوريا ولبنان اتفاقية بشأن نقل المحكومين، تقضي بنقل المحكومين السوريين في السجون اللبنانية إلى سوريا لقضاء محكومياتهم، في خطوة جاءت بعد أشهر من المفاوضات والعمل بين الجانبين.
كما بحث الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال لقاءاتهما في دمشق في أيار/مايو 2026، ملفات الأمن والنقل والبنية التحتية والتعاون الاقتصادي، مع تأكيد الجانبين الرغبة في بناء علاقة جديدة بين البلدين.
وفي تموز/يوليو 2026، بدأت سوريا ولبنان مراجعة أكثر من 40 اتفاقاً قائماً بينهما، تمهيداً لإعادة صياغة الأطر الناظمة للعلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب ملفات التأشيرات والضرائب والمعايير التجارية. وتشكل هذه المراجعة جزءاً من مسار أوسع لإعادة ترتيب العلاقة الاقتصادية بين البلدين بعد سقوط نظام الأسد.
وصرّح الرئيس الشرع بأن سوريا تنظر إلى لبنان كدولة جارة، ولا تنوي التدخل في شؤونها إطلاقا، مع استبعاده أمنيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تلعب دمشق دورا في محاربة حزب الله، علما أن الحزب انفتح على بناء علاقات جديدة مع سويا.
اتفاقيات مع الأردن وقطر
شهدت العلاقات السورية مع الأردن وقطر خلال المرحلة الجديدة توقيع عدد من الاتفاقيات والتفاهمات، خصوصاً في قطاعات الطاقة والتجارة والنقل.
وفي 26 كانون الثاني/يناير الماضي، وقعت سوريا والأردن اتفاقية لبيع وشراء الغاز الطبيعي، تقضي بتزويد سوريا بالغاز عبر الأراضي الأردنية، بهدف دعم قطاع الكهرباء السوري والتخفيف من نقص الطاقة. ووقعت الاتفاقية شركة الكهرباء الوطنية الأردنية والشركة السورية للبترول.
كما اتفق البلدان على تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والنقل والجمارك والمياه، ضمن مخرجات اجتماعات اللجنة العليا التنسيقية السورية الأردنية، التي انعقدت في عمّان في نيسان/أبريل 2026، وتابعت دمشق وعمّان تنفيذ مخرجاتها في اجتماعات لاحقة.
وفي شباط/فبراير 2026، وقعت جمعيتا رجال الأعمال الأردنيين والسوريين اتفاقية لإعادة تفعيل التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وتطوير المشاريع المشتركة بين القطاع الخاص في البلدين.
اظهار أخبار متعلقة
فيما برزت قطر أيضاً كأحد الداعمين الاقتصاديين لمرحلة ما بعد الأسد، عبر اتفاقيات ومبادرات ركزت بصورة خاصة على الطاقة وإعادة الإعمار.
وفي آذار/مارس 2025، بدأت قطر تزويد سوريا بالغاز الطبيعي عبر الأردن، في إطار اتفاق بالتعاون مع الأردن وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بهدف تأمين نحو 400 ميغاواط من الكهرباء يومياً لمحطة دير علي، مع خطة لزيادة الإنتاج تدريجياً.
وفي 29 أيار/مايو 2025، وقعت وزارة الطاقة السورية مذكرة تفاهم بقيمة نحو 7 مليارات دولار مع ائتلاف شركات دولية تقوده شركة UCC Holding القطرية، لتطوير أربع محطات لتوليد الكهرباء بالغاز بطاقة إجمالية تبلغ نحو 4 آلاف ميغاواط، إلى جانب محطة للطاقة الشمسية بطاقة ألف ميغاواط.
وفي أيار/مايو من العام نفسه، وافقت الولايات المتحدة على مبادرة قطرية لتمويل رواتب موظفي القطاع العام السوري، بواقع نحو 29 مليون دولار شهرياً لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في خطوة قدمت دعماً مالياً مباشراً للحكومة السورية الجديدة.
كما شهدت العلاقات الاقتصادية بين دمشق والدوحة تحركات باتجاه توسيع الاستثمارات والشراكات، إذ دعا الشرع خلال لقاء مع رجال أعمال قطريين في كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى إقامة مشاريع وشراكات استراتيجية بين الشركات القطرية والسورية.
ماذا عن الاحتلال؟
خاضت دمشق وتل أبيب خلال الفترة الماضية عدة جولات من المفاوضات الأمنية بوساطة أمريكية، كان أبرزها الجولة التي عُقدت في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني/يناير 2026، بقيادة وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس المخابرات العامة حسين السلامة من الجانب السوري، وبمشاركة سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل لايتر من الجانب الإسرائيلي، تحت إشراف المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وفي أعقاب الجولة، أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً ثلاثياً مشتركاً باسم واشنطن وتل أبيب ودمشق، أعلن التوصل إلى تفاهمات لإنشاء "آلية اندماج مشتركة" — خلية اتصال دائمة لتنسيق تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والتواصل الدبلوماسي، إلى جانب استكشاف فرص تجارية بين الجانبين، تحت إشراف الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، واصل الاحتلال الإسرائيلي تغوله على الاتفاقيات القديمة والحديثة مع سوريا، ويقوم بتوغلات يومية في الجنوب السوري، إضافة إلى تهديدات يطلقها كبار المسؤولين في حكومة الاحتلال، باعتبار سوريا الجديدة "خطرا حقيقيا".