سيظل
المحللون مختلفين حتى تنتهي
الحرب وتضع أوزارها؛ إن كانت جبهة
المقاومة وإيران هي
التي وقعت في الفخ الاستراتيجي، أم أمريكا وإسرائيل هما اللتان وقعتا في الفخ
التاريخي. ليس مفاجئاً ما يحدث، فمسار الأحداث الذي بدأ منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر
2023 يتتابع ويتوسع ويجتذب، إنما المفاجئ والمذهل أنه رغم الخسائر التي أصابت جبهة
المقاومة بقيت صامدةً عصيةً، بل بدأت تفرض تدريجياً إيقاعها على مسار الحرب. وصار
جلياً كيف يضطر عدوها بعد كل جولة لطلب الاستعانة بساحات وعناصر جديدة وأنظمة
جديدة لإقحامها في خط المواجهة، بما يؤكد التخبط والمأزق وفشل خططه واستراتيجيته
التي اعتمدت حتى اللحظة، فلم يسعفه فرط إجرامه وإسقاطه لكل المحرمات من فرض
إرادته، ولا ما سخّره من عُدة وإمكانات عسكرية وغير عسكرية لا قِبَل لها.
عندما
ينجح الأمريكي-
الإسرائيلي في إقحام أنظمة عربية الحرب، فقد يراه البعض أنه تكتيك
ذكي يُحسب له، فهو يجنب إسرائيل الكلفة ويحملها لها، ويحاول إنتاج صدع
إسلامي-إسلامي من جديد، لكنه في المقابل يفتح فرصةً كبيرةً لجبهة المقاومة للضغط
عليه بحكم ما تشكله هذه الساحات من محور اعتماد لإمبراطوريته، وفي مقدمها
البترودولار والمجال السياسي. كما أنه يتيح لجبهة المقاومة التي تقوم على ركيزة
الشعب وطاقة المجتمع أن تنفذ إلى ساحات جديدة لم تدخلها من قبل وتستقطب لها، وهذا
تطور يوسع من نفوذ جبهة المقاومة وتأثيرها العالمي من المتوسط والأحمر والأسود إلى
آسيا وأفريقيا.
هواجس الصدع الإسلامي والفتنة فلا تخشى جبهة المقاومة منها؛ لأنها تعتبر أن مسار الصراع، لا سيما في الأعوام الثلاثة الماضية، كان كفيلاً بتبيان الحقائق ورفع اللبس للتمييز بين أهدافها ومنهجها ومبادئها وبين القوى التي تآمرت على فلسطين والمقدسات لصالح أمريكا وإسرائيل
أما هواجس
الصدع الإسلامي والفتنة فلا تخشى جبهة المقاومة منها؛ لأنها تعتبر أن مسار الصراع،
لا سيما في الأعوام الثلاثة الماضية، كان كفيلاً بتبيان الحقائق ورفع اللبس
للتمييز بين أهدافها ومنهجها ومبادئها وبين القوى التي تآمرت على فلسطين والمقدسات
لصالح أمريكا وإسرائيل، وأن المجتمعات وعدداً غير قليل من القوى الإسلامية والدول
صارت واعية للحقيقة ومتمايزة عن غيرها، فغزة وأطفالها كانت يد التاريخ الكاشفة
والمبيِّنة.
جبهة
المقاومة ترى أن مبررات ومسوغات فعلها ومنهجها المقاوم صار أقوى من أي وقت مضى،
وسيظهر في ساحات جديدة، ويبدو أن جمهورية
إيران الإسلامية خططت بدقة لهذه اللحظة
التاريخية حين بَنَت نظريتها على الخطاب الإسلامي التحرري لا الاختراق والتغلغل
الأمني. ففاعلية جبهة المقاومة تكمن في كون قوتها ليست إدارةً عموديةً إنما خطاب
تشاركي أفقي، أي أنها فكرة وليس نظام تبعيةٍ رأسيٍ كما محور أمريكا، وقوتها هذه
تجعلها تتجاوز ساحاتها المعروفة إلى ساحاتٍ ومجتمعاتٍ ستولد تباعاً وبشكلٍ مفاجئٍ.
كما أنها
ليست فعلاً شعبياً عاطفياً أو انفعالاً صادقاً فحسب كما حدث في الربيع العربي
(الصحوة الإسلامية)، بل هي مزيجٌ محكمٌ من عقلانيةٍ وإبداعٍ سياسيٍ وأيضاً أداتيٍ
(بقدر الإمكانيات) مع روحٍ ثوريةٍ عقائدية، وهو ما يميزها عما سبقها من تجارب
تحررية صادقة. كما أنها شعبيةٌ وليست شعبويةً، أي تقوم على الوعي والبرمجة أولاً
لا على العصبية ونقض الآخر فقط، وليس آخر مزاياها أنها اعتمدت طريقتين في خوض
المواجهة؛ فامتلكت الميسم عند الحاجة وأيضاً المطفأة (نموذج رد فعلها على خطوة
جوزيف عون نحو إسرائيل). وقد ثبت في أول مواجهةٍ عالميةِ الطابع بين خلاصة قوى
الهيمنة العالمية ودولةٍ متوسطةٍ من حيث القوة المادية (إيران) أنها أعيت الولايات
المتحدة وأفشلتها.
في الخلاصة،
المنطقة دخلت مرحلة الدائرة الأوسع من الصراع وتثقيل الأحلاف بحيث لا تقتصر على
القوى المستضعفة كما حصل تاريخياً.
القوة الشاملة والمتوازنة أكثر تأثيراً من تلك المتفوقة عسكرياً فقط. وهذا ما سيفرض وقائع كبرى وتراجعات محتمة على الهيمنة الأمريكية ومستقبل وجودها العسكري وجدواه، وعلى حلفائها من أنظمة في الإقليم
ونجحت
جبهة المقاومة التي قاتلت بالحنكة والدقة وسلاح الصبر الاستراتيجي والصمود أن توجه
مسار الحرب مع أمريكا بما يخدم غرضها، بحيث يكون للأمريكي بدؤها ولها حسمها
ونهايتها، وظهر ذلك من خلال نجاحها في إدارتها للصراع وتعميقها لأزمته وزيادة
المخاطر على العالم كله وليس عليها فقط، فانتقلت المعركة بمستوى مقبولٍ إلى
ساحاتهم وبينهم، بل وصلت بسرعةٍ قصوى إلى الداخل الأمريكي (مستفيدةً أيضاً من لا
عقلانية إدارة ترامب وفريقه وعمله بأجندة نتنياهو)، وفرضت إيقاعاً على غالبية
الدول في الإقليم والعالم للتموضع والمتوقع بين الجبهتين أو إعادة تعريف العلاقات
على عجل قبل فوات الأوان. وكان من نتائج صمودها إظهار الهوة السحيقة بين الأنظمة
العربية وشعوب المنطقة المتجهة إلى الصحوة.
في
المقابل، تكرست شرعية النهج المقاوم ومشروعيته وازدادت عالمياً وإن بدرجات، فالقوة
الشاملة والمتوازنة أكثر تأثيراً من تلك المتفوقة عسكرياً فقط. وهذا ما سيفرض
وقائع كبرى وتراجعات محتمة على الهيمنة الأمريكية ومستقبل وجودها العسكري وجدواه،
وعلى حلفائها من أنظمة في الإقليم، وسيجعل لجبهة المقاومة العالمية المتولدة
الإسهام الأكبر في قواعد ومعايير الإقليم والعالم الجديد وبمدة زمنية لن تطول.
فبعد النجاح في الصمود يمكن اعتبار شروط الاتفاق على مضيق هرمز مؤشراً لبداية
المسار الجديد، يليه إعادة تعريف علاقة أمريكا بإسرائيل، فتنابذ أجندات حلفاء
أمريكا فيما بينهم وبينهم وبين إسرائيل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.