تواجه دول
الخليج اليوم اختباراً حقيقياً في علاقاتها السياسية والعسكرية، خصوصاً في ظل
تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واحتمال اتساع نطاق المواجهة في المنطقة.
فدول الخليج تجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: الحفاظ على تحالفاتها
الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تجنّب تحويل أراضيها إلى ساحة
مواجهة مباشرة مع
إيران.
ومن وجهة
نظري فإن أحد الخيارات التي يمكن لدول الخليج بحثها للخروج من هذه المعضلة؛ منع
استخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية لتنفيذ ضربات هجومية ضد إيران أو أي دولة
أخرى في المنطقة. فهذا الخيار، إذا تم تطبيقه بطريقة مدروسة ودبلوماسية، قد يسمح
لدول الخليج بالحفاظ على علاقاتها مع حلفائها دون أن تتحول أراضيها إلى أهداف
عسكرية بسبب صراع لا ترغب في أن تكون طرفاً مباشراً فيه.
الخروج من هذه الأزمة لن يكون بالضرورة عبر اختيار طرف على حساب طرف آخر، وإنما عبر بناء قواعد اشتباك واضحة وضمانات أمنية متبادلة وقنوات دبلوماسية تمنع اتساع دائرة الحرب
المسألة
هنا لا تتعلق بالانحياز إلى إيران أو الولايات المتحدة بل بمحاولة حماية الأمن
الداخلي لدول الخليج. فإذا كانت هذه الدول تريد تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة فمن
المنطقي أن تسعى إلى ضمان عدم استخدام أراضيها لتنفيذ عمليات عسكرية يمكن أن تجرّ
عليها ردوداً انتقامية.
وفي
المقابل، تقع على إيران أيضاً مسؤولية كبيرة، فإذا كانت تطالب دول الخليج بعدم
السماح باستخدام أراضيها ضدها فعليها أن تلتزم بالمبدأ نفسه وألا تستهدف الدول
التي تختار عدم المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية. فالحفاظ على أمن المنطقة
يتطلب أن تكون هناك خطوط واضحة بين الدول المشاركة في
الحرب والدول التي تسعى إلى
البقاء خارجها.
ومن هذا
المنظور يمكن قراءة الاستراتيجية الإيرانية المحتملة على أنها محاولة لتوسيع تكلفة
الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين بهدف دفع واشنطن إلى إعادة
حساباتها بشأن استمرار العمليات العسكرية ضد إيران. لكن نجاح هذه الاستراتيجية أو
فشلها يعتمد على طبيعة الردود الإقليمية والدولية، وليس على العامل العسكري وحده.
أما
السعودية، فالوضع أكثر تعقيداً من منظور سياسي، إذ يمكن القول إن الرياض دخلت في
مواجهات إقليمية مع أطراف مرتبطة بإيران وعلى رأسها الحوثيون في اليمن إضافة إلى
موقفها من بعض الفصائل والقوى المرتبطة بإيران في العراق. ولذلك فإن أي تصعيد
أمريكي- إيراني جديد قد يضع السعودية أمام خيارات صعبة خصوصاً إذا أصبحت أراضيها
أو مصالحها جزءاً من الحسابات العسكرية للطرفين.
في
النهاية، دول الخليج أمام معادلة دقيقة: لا تستطيع تجاهل تحالفاتها مع الولايات
المتحدة وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل جغرافيتها وقربها من إيران. ولهذا فإن
أفضل خيار من منظور تقليل المخاطر هو السعي إلى سياسة تمنع تحويل أراضي الخليج إلى
منصات للهجوم، وتمنع في المقابل استهداف الدول الخليجية التي لا تشارك مباشرة في
الحرب.
فالخروج
من هذه الأزمة لن يكون بالضرورة عبر اختيار طرف على حساب طرف آخر، وإنما عبر بناء
قواعد اشتباك واضحة وضمانات أمنية متبادلة وقنوات دبلوماسية تمنع اتساع دائرة
الحرب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.