كيف هندست الدولة الحديثة عقل الفقيه المعاصر وصاغت خطابه الشرعي على مقاس الخرائط القُطرية؟

محمد خير موسى
"كان انتصار الخريطة الأعظم يوم تجاوزت تنظيم حركة الأجساد إلى تنظيم حركة المعاني"- CC0
"كان انتصار الخريطة الأعظم يوم تجاوزت تنظيم حركة الأجساد إلى تنظيم حركة المعاني"- CC0
شارك الخبر
وُضعت المسطرة ذات مساءٍ فوق خريطة المشرق ومشى القلم بين قريةٍ وقرية، وشقّ السهل الذي كانت تعبره القوافل، ومرّ في قلب العشيرة الواحدة، ثم استقرّ الخطُّ في الورق لحظةً قصيرة قبل أن ينهض منه سوراً وحاجزاً ومخفراً وجوازَ سفرٍ ونشيداً وطنياً ومنهجاً مدرسياً ووزارةً للداخلية وداراً للإفتاء، حتى بلغ آخرَ رحلته فاستقرّ في عقل الفقيه وصار يرسم هناك حدودَ القريب والبعيد والداخل والخارج وأهل البلد والأجانب، وما يتصل بالأمة وما يدخل في الشأن الخارجي، فكأنَّ الخط الذي شطر الأرض أخذ معه سكيناً أدقّ فشطر بها المفاهيم الشرعية ثم جلس في زاويةٍ خفيّةٍ من مجلس الاجتهاد يملي على المفتي صورة الواقع الذي سيبحث له عن حكم.

وصارت سايكس- بيكو في الذاكرة العربية اسماً جامعاً لمسارٍ كاملٍ من تقسيم النفوذ وتثبيت الانتدابات وترسيم الحدود، إذ بدأ الاتفاق سنة 1916م بمناطق السيطرة البريطانية والفرنسية ثم جاءت سان ريمو وصكوك الانتداب والاتفاقات الحدودية بين عامي 1920 و1923م لتحوّل مناطق النفوذ إلى كياناتٍ ذات خطوطٍ وجمارك واختصاصاتٍ قانونية، فدخلت الخريطة الجديدة حياة الناس من باب الإدارة ثم أقامت طويلاً حتى بدت كأنها صورةٌ طبيعيةٌ للعالم، مع أنها تحمل في ثناياها تاريخَ المنتصر العسكري وحاجاته ومساوماته وطرائق اقتسامه للبلاد.

وكان انتصار الخريطة الأعظم يوم تجاوزت تنظيم حركة الأجساد إلى تنظيم حركة المعاني، فأصبح الفقيه في شريحةٍ من الخطاب المعاصر يفتح كتب التراث بعد أن تكون الدولة قد حسمت له وحدةَ المكان وحدودَ الجماعة ومفهومَ البلد ودائرةَ المصلحة وصورةَ المؤسسة ثم يبدأ البحث عن العبارة الفقهية التي تستوعب هذا العالم المكتمل، فتأتي الفتوى في آخر الطريق مع أن مقامها الأصيل في أوله ويغدو الفقه مترجماً شرعياً للواقع الذي صنعته الدولة، يختار له من الأسماء القديمة ما يمنحه ألفةً في الضمير الإسلامي ويكسوه من المصطلحات ما يجعله امتداداً طبيعياً لتاريخ الأمة.

أصبح الفقيه في شريحةٍ من الخطاب المعاصر يفتح كتب التراث بعد أن تكون الدولة قد حسمت له وحدةَ المكان وحدودَ الجماعة ومفهومَ البلد ودائرةَ المصلحة وصورةَ المؤسسة ثم يبدأ البحث عن العبارة الفقهية التي تستوعب هذا العالم المكتمل، فتأتي الفتوى في آخر الطريق مع أن مقامها الأصيل في أوله ويغدو الفقه مترجماً شرعياً للواقع الذي صنعته الدولة

وفقه الواقع في أصله بابٌ جليل؛ فقد عقد ابن القيم في "إعلام الموقعين" 3/3 وما بعدها ‏فصلاً نفيساً بعنوان: "تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" لأن الحكم ينزل على حقيقةٍ متحركةٍ تحتاج بصراً بالناس وأعرافهم ومصالحهم، غير أنَّ هندسة الدولة الحديثة تقلب ترتيب العملية حين تجعل واقعها السياسي مقدمةً مقدسةً ثم تدعو الفقه إلى إكمال العبارة. ففقه الواقع يضع الواقع بين يدي الشريعة كي تزنَه أما فقه ما بعد الخريطة فيضع الشريعة بين يدي الواقع كي تمنحه اسمه الشرعي، وبين الصورتين مسافةٌ هي مسافة السيادة ذاتها؛ سيادة الوحي على الواقع أو سيادة الواقع على طريقة فهم الوحي.

وتبدأ هذه الهندسة من صياغة السؤال؛ فالمسألة تصل إلى المفتي وقد ارتدت معطف الإدارة، فيُسأل عن تحويل الزكاة إلى "الخارج"، وعن رؤية الهلال في "الدولة المجاورة"، وعن واجب "مواطني البلد" تجاه حربٍ وراء الحدود، وعن أحكام "الشأن الداخلي"، وعن "المصلحة الوطنية العليا". وقد حسمت هذه الألفاظ قبل الجواب نصفَ الحكم، لأنها جعلت الدولة وحدةَ التكليف وجعلت الجنسية رابطةَ القرب وجعلت خطَّ الحدود مقياسَ الداخل والخارج، ثم يذهب الفقيه إلى كتب الأقدمين فيجد ألفاظ البلد والمصر والإقليم والثغر والدار وأهل الناحية فينقلها إلى الخريطة الحديثة نقلاً سريعاً، كأنَّ "البلد" عند الإمام النووي هو الدولة المسجلة في الأمم المتحدة، وكأنَّ "أهل الثغر" عند الإمام ابن قدامة هم حمَلةُ جوازٍ واحد، وكأنَّ "الإقليم" عند الجغرافيين القدماء ينتظر ختم وزارة الخارجية كي يكتمل معناه.

وتأتي بعد ذلك مرحلة تأميم الفتوى؛ دارُ إفتاءٍ وطنية وتقويمٌ وطني وصندوق زكاةٍ وطني ومناهجُ شرعيةٌ وطنية وقانونُ أحوالٍ شخصيةٍ وطني، ثم ينمو حول هذه المؤسسات فقهٌ يتحدث شيئاً فشيئاً بلسانها فيصير تنظيم الدولة للحكم سبباً شرعياً له، ويصير اختصاص المحكمة حدّاً للمناط ويصير الإعلان الإداري حقيقةً فلكية، وتتحول المصلحة القُطرية من عنصرٍ معتبرٍ في التّدبير إلى أفقٍ سابقٍ على الاجتهاد، حتى يغدو بقاء الكيان القُطري ضرورةً سادسةً غير مكتوبة تُستحضر عند الموازنات وتُقدَّم في بعض المواقف على حقوقٍ ثبتت بأوصافٍ أوسع من وصف المواطنة.

ويظهر هذا كله -على سبيل المثال- في مسألة اختلاف المطالع ظهورَ الشمس في رابعة النهار؛ فقد اختلف الفقهاء في اعتبار اختلاف مطالع الهلال، وأخذ الشافعية في المعتمد بمراعاة التباعد الفلكي وقال الإمام النووي في "روضة الطالبين" 2/348: "فإنْ تقاربَ البلدان فحكمها حكم البلد الواحد" ثم جعل أصحّ أوجه ضبط البعد اختلافَ المطالع، ومثّل للبلدان المتقاربة ببغداد والكوفة والري وقزوين وللمتباعدة بالحجاز والعراق وخراسان؛ فالمناط عنده مطلعٌ تصنعه الجغرافيا وحركة القمر وموقع الأفق، ثم تأتي الدولة القُطرية فتجعل حدود الاختصاص السياسي مطالعَ جديدة، ويجد الخطاب الفقهي نفسه يشرح اختلاف الصوم والعيد بين دولتين متجاورتين بلغة اختلاف المطالع، مع أنَّ المعاهدة هي التي اختلفت بينما بقي الأفق ممتداً فوق الناس على سجيته الأولى.

ودرعا في جنوب سوريا والرمثا في شمال الأردن تقدّمان صورةً تكاد تغني عن مجلدٍ في نقد هذا العقل؛ فبين مركزي المدينتين نحو ثلاثة عشر كيلومتراً، يخرج الرجل من إحداهما فيرى عمران الأخرى بعينه، ويعيش أهل المدينتين في مناخٍ واحدٍ وأفقٍ متصل، بينما تمتد المسافة بين درعا والحسكة إلى نحو 600 كيلومتر، ثم تجمع الدولة درعا والحسكة في إعلانٍ رسميٍّ واحد، وتقف الحدود بين درعا والرمثا عند احتمال اختلاف الإعلان، فيأتي بعض الفقهاء -وقد استقر في ذهنه أن حدود الدولة هي حدود البلد- فيجعل درعا والحسكة في حكم المطلع الفقهي الواحد لأنهما تقعان داخل الدولة السورية على امتداد مسافةٍ تقارب 600 كيلومتر، ثم يجعل درعا والرمثا في حكم مطلعين مختلفين في الفتوى والتأصيل الفقهي لأن خط الحدود السياسية ألحق الأولى بسوريا والثانية بالأردن، والمسافة بينهما تقارب ثلاثة عشر كيلومتراً والأفق فوقهما واحدٌ متصل؛ وهكذا ينتقل الانتماء إلى الدولة من وصفٍ إداريٍّ ينظم الاختصاص إلى مناطٍ فقهيٍّ يصوغ الحكم، ويغدو الهلالُ كأنه موظفٌ في وزارة الداخلية يجمع بين مدينتين بعيدتين حين تضمهما خريطةٌ واحدة ويفصل بين مدينتين متجاورتين حين يقف بينهما معبرٌ حدودي.

وتبلغ الصورة مبلغاً أشدّ وضوحاً في رفح؛ المدينة التي شطرها الخط السياسي إلى شطرٍ فلسطيني وشطرٍ مصري فقُسّمت الأسر والبيوت والمسالك، ثم امتدّ أثر التقسيم من الأرض إلى الفتوى؛ فرفح المصرية والسلوم -وبينهما أكثر من 800 كيلومتر جواً- تدخلان في إعلانٍ وطنيٍّ واحد لأنهما تقعان داخل حدود الدولة المصرية، بينما يتلقى شطرا رفح -المتلاصقان في المكان والمتصلان في الأفق- إعلانين مختلفين لأن الخط الحدودي ألحق كل شطرٍ بدولةٍ أخرى، ثم يأتي التأصيل الفقهي فيلبس هذا الفصل السياسي ثوب اختلاف المطالع، مع أن شطري المدينة يطلان على هلالٍ واحد ويعيش أحدهما من الآخر على مسافة النداء، بينما يقف أهل السلوم عند طرفٍ بعيدٍ من القُطر تحت أفقٍ تفصل بينه وبين رفح مئات الكيلومترات؛ وهكذا يصبح الخط السياسي أقوى حضوراً في الفتوى من وحدة السماء فوق المدينة الواحدة ويتحول الاختصاص الإداري إلى مطلعٍ فقهيٍّ جديد.

وتظهر هندسة سايكس- بيكو في فقه جهاد الدفع على صورةٍ أخطر؛ لأن الفقهاء حين تحدثوا عن نزول العدو ببلدٍ ما ربطوا الحكم بحقيقة العدوان وموقعه، وبأهل الثغر الذين يباشرونه ثم بمن يليهم قرباً وقدرةً، وبمقدار ما تحتاجه ساحة الدفع من إسنادٍ تتسع دائرته كلما عجز أهل الموضع أو اشتد الخطر، فقال الإمام ابن قدامة في "المغني" 9/163: "إذا نزل الكفار ببلد تعيّن على أهله قتالهم ودفعهم"، فدوائر التكليف في هذا التصور دوائر حيّة تتحرك مع موقع العدوان وقرب الناس منه وقدرتهم على الإسناد وحاجة الثغر إليهم؛ وقد يكون الرجل خلف حدٍّ سياسيٍّ أقرب إلى ساحة العدوان وأقدر على النصرة من رجلٍ يسكن داخل الإقليم نفسه على بُعد مئات الكيلومترات.

ثم جاءت الخريطة القُطرية فأعادت ترتيب هذا المعنى في الذهن وحوّلت أهل الثغر إلى مواطنين يحملون هوية دولةٍ بعينها، وحوّلت من يليهم إلى أجانب يقفون وراء الحدود، فصارت عبارة "أهل فلسطين" تُفهم أحياناً بوصفها وصفاً قانونياً لحَمَلة الجنسية أو لأبناء الإقليم الذي رسمه الانتداب، مع أن عبارة "أهل البلد ومن يليهم" في كلام الفقهاء وصفٌ وظيفيٌّ يتصل بمباشرة العدوان والقرب الفعلي والقدرة على الإسناد؛ وبهذا تنتقل الحدود من تنظيم الاختصاص السياسي إلى إعادة رسم دوائر الواجب الشرعي ويصبح السلك الحدودي قادراً في الذهن على إبعاد القريب وتقريب البعيد، مع أن الفقه كان ينظر إلى موقع الثغر وحاجته بينما تنظر الدولة إلى سجل الجنسية وخط السيادة.

وتكشف الجغرافيا أثر هذا التحول؛ فغزة تبعد عن القدس قرابة سبعةٍ وسبعين كيلومتراً بخط مستقيم بينما تبعد مدينة مادبا الأردنية عنها قرابة أربعةٍ وخمسين كيلومتراً، وقد جعل واقع الحصار والقتال أهل غزة في قلب الثغر المباشر ثم يأتي بعدهم من يقرب ويقدر ويملك أسباب النصرة وفق ترتيب الحاجة والإمكان، غير أنَّ الذهن القُطري يدفع المسلم البعيد داخل حدود فلسطين إلى مقدمة التصور ويدفع المسلم القريب وراء النهر إلى خانة "غير الفلسطيني" فتغدو الجنسية أقوى من الجغرافيا، ويصير السلك الشائك قادراً على إضافة مسافةٍ شرعيةٍ لا تعرفها الأرض ويصبح الجواز معياراً خفياً في بابٍ كان مناطه القرب والقدرة واندفاع العدو.

وتحتاج العبارة الشائعة: "الجهاد فرض عين على أهل فلسطين ثم تتسع دائرة الفرضية إلى من سواهم" إلى تحريرٍ يعيدها إلى منطق الفقه؛ فإن أُريد بأهل فلسطين مَن باشرهم العدوان ووقعت أرضهم تحت الاحتلال استقام المعنى من جهة ابتداء التكليف بأهل الثغر ثم امتد إلى من يليهم بحسب شدة الخطر وعجز أهل الموضع وقرب القادرين على الإسناد، أما حين تُفهم العبارة على أن حدود فلسطين السياسية هي ذاتها حدود فرض العين فيدخل كل من يقع داخلها في دائرةٍ فقهيةٍ واحدة ويخرج مَن وراءها إلى دائرةٍ أخرى لمجرد عبوره خطّ الحدود، فإن الخريطة القُطرية تكون قد أعادت رسم مراتب الواجب الشرعي.

فأهل الثغر في اصطلاح الفقه وصفٌ يتصل بموقع العدوان وحاجة الساحة والقدرة على الدفع وهو وصفٌ تتحرك دائرته كلما اتسع الخطر أو عجز أهل الموضع عن كفايته، بينما المواطنة وصفٌ قانونيٌّ ثابتٌ في سجل الدولة؛ وحين يذوب الوصف الفقهي في الوصف القانوني تدخل سايكس-بيكو إلى باب الجهاد وتصبح حدود الانتداب دوائرَ للفرض، فيُنظر إلى المسلم القريب من القدس وراء النهر بوصفه خارج الساحة وإلى المسلم البعيد عنها داخل حدود فلسطين بوصفه أقرب تكليفاً بحكم الخريطة، مع أن العدو يدير مشروعه وقوته وتحالفاته في فضاءٍ إقليميٍّ واحد، والفقه يرتب واجب الدفع وفق القرب والقدرة والحاجة عوضاً عن سجل الجنسية وخط السيادة.

ويمتد أثر الخريطة إلى فقه الزكاة؛ فالفقهاء اختلفوا في نقل الزكاة من بلد المال، وربط فريقٌ منهم الحكم بمسافة القصر وربطه آخرون بحاجة المستحقين والمصلحة والقرابة. وقال الإمام أحمد في روايةٍ نقلها ابن قدامة في "المغني" 2/501: "إذا كان الرجل في بلد وماله في بلد فأحبّ إليَّ أن تؤدّى حيث كان المال"، فالمعتبر بلد المال ومجتمع الفقراء المتصل به وشدة الحاجة والمسافة والقرابة، ثم تأتي الدولة القُطرية فتختصر كل ذلك في كلمتين: الداخل والخارج، فيصبح فقير الرمثا القريب من مزكّي درعا "خارج البلاد"، ويصبح فقير الحسكة البعيد مئات الكيلومترات "داخل البلد"، مع أنَّ المعنى الاجتماعي والاقتصادي والجغرافي قد يجعل الأول أقرب رحماً أو جواراً أو حاجةً أو اتصالاً بمال المزكي، فتتحول الوطنية الإدارية إلى مناطٍ للصدقة ويأخذ جواز المستحق مكانه إلى جوار وصف الفقر.

ويظهر الأثر ذاته في التأصيل الشرعيّ للخطاب الخيري حين تُخصَّص الصناديق "للمواطنين"، وتُدرج إعانة المسلم القريب وراء الحدود في باب "المساعدات الخارجية"، بينما تُسمّى إعانة المحتاج البعيد في الطرف الآخر من القطر "تكافلاً محليّاً"؛ فتنتقل لغة الوزارات والميزانيات إلى فقه الزكاة والوقف والإغاثة، ويغدو خطُّ الحدود قادراً على إعادة ترتيب مراتب القرب والحاجة والاستحقاق. وقد يكون الفقير خلف المعبر جاراً أو قريباً أو أشدَّ فاقةً ثم يدفعه سجلُّ الجنسية إلى خارج دائرة التكافل المحلي، في حين يدخل البعيد في أقصى القُطر إليها بقوة الانتماء القانوني وحده.

والشريعة حين رتبت أبواب الإنفاق عرّفت الفقير والمسكين والغارم وابن السبيل والقريب والجار والأشد حاجة وصاحب الثغر،\ وهي أوصافٌ تستمد حقيقتها من حال الإنسان وصلته وحاجته وموقعه من واجب النصرة، بينما تستمد المواطنة حقيقتها من السجل والقانون؛ وحين تتقدم الثانية على الأولى تتحول الحدود الإدارية إلى حدودٍ للفقه وتصبح الخريطة القطرية شريكاً خفيّاً في ترتيب مصارف المال الشرعي.

وتدخل الخريطة الحديثة كذلك في فهم أسماء الأقاليم الواردة في كتب الفضائل والجغرافيا والتاريخ؛ فحين يسمع كثيرٌ من المعاصرين عبارة "بلاد الشام" تنصرف أذهانهم مباشرةً إلى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين بحدودها الراهنة، ثم يحملون هذه الصورة إلى كتب التراث فيقرؤون اللفظ القديم بعين الخريطة الحديثة.

وكانت بلاد الشام عند الجغرافيين المسلمين إقليماً أوسع من هذه الدول الأربع مع تفاوتهم في ضبط أطرافه؛ فقد قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" 3/312: "وأما حدّها فمن الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية، وأما عرضها فمن جبلي طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم"، وعدّ من مدنها وثغورها أنطاكية وطرسوس وأذنة ومرعش والمصيصة، وهي اليوم داخل الأراضي التركية، ويدخل في بعض تصوراتهم من جهة الجنوب مواضع تقع اليوم داخل المملكة العربية السعودية وفي مقدمتها تبوك ومدين في شمال غرب المملكة، وقد وضع المقدسي مدين وتبوك ضمن خطة الشام كما بلغ حد الشام عند ياقوت جبلي طيء وهما أجا وسلمى في منطقة حائل؛ وتدخل في هذا الامتداد الجغرافي عند بعض القدماء مواضع وادي القرى وتيماء ودومة الجندل.

فالمصطلح القديم يحمل جغرافيا عصره -بما فيها من أقاليم ومدن وطرق وثغور- ثم جاء الذهن القُطري المعاصر فقصّ أطرافه بمقصّ الحدود السياسية وحصر الشام في الدول التي صنعتها التسويات الحديثة ثم أعاد النص إلى الكتاب بعد أن غيّر دلالته؛ وبذلك يصير لفظ "أهل الشام" في النصوص والكتب القديمة محتاجاً إلى فهمه من خرائط عصره ومصطلحات مؤلفيه حتى يبقى التراث شاهداً على جغرافيته، عوض أن يتحول إلى نصٍّ قديم يتكلم بلسان سايكس-بيكو.

من آثار هذه الهندسة تغيّر معنى "البلد" في الذهن الفقهي المعاصر؛ فالبلد في كتب الفقه قد يراد به مدينةٌ بعينها، أو ناحيةٌ تتصل قراها وأسواقها وأعرافها، أو إقليمٌ تجمعه مسافاتٌ وعلاقاتٌ معلومة، ثم جاءت الدولة الحديثة بوصفها كياناً سيادياً مركزياً يضم مدناً متباعدة وأقاليم مختلفة، فانتقل معنى "البلد" القديم إليها انتقالاً صامتاً

ومن آثار هذه الهندسة تغيّر معنى "البلد" في الذهن الفقهي المعاصر؛ فالبلد في كتب الفقه قد يراد به مدينةٌ بعينها، أو ناحيةٌ تتصل قراها وأسواقها وأعرافها، أو إقليمٌ تجمعه مسافاتٌ وعلاقاتٌ معلومة، ثم جاءت الدولة الحديثة بوصفها كياناً سيادياً مركزياً يضم مدناً متباعدة وأقاليم مختلفة، فانتقل معنى "البلد" القديم إليها انتقالاً صامتاً، وصارت أحكام نقل الزكاة واختلاف المطالع وأهل الثغر والعرف والقضاء تُقرأ من خلال حدود الدولة المعاصرة، كأن الفقهاء حين قالوا "أهل البلد" قصدوا حملة جنسيةٍ واحدة، وكأن نهاية البلد عندهم هي النقطة التي يبدأ عندها اختصاص دولةٍ أخرى. وبقيت الكلمة عربيةً مألوفةً في اللسان في حين تبدّل مدلولها من مدينةٍ أو ناحيةٍ متصلة إلى دولةٍ واسعةٍ صاغتها خرائط السياسة الحديثة، ومن هذا التبدّل نشأ جانبٌ واسعٌ من الاضطراب في تنزيل الأحكام على الجغرافيا المعاصرة.

ويمتد أثر الخريطة إلى مفهوم المصلحة؛ فتغدو "المصلحة الوطنية" إطاراً يسبق النظر الفقهي ويوجّه مساره، ويبدأ تقدير المسألة من بقاء الدولة واستقرار حدودها وعلاقاتها والتزاماتها الدولية، ثم تُستدعى قواعد الضرورة والحاجة والمآل ودرء الفتنة لتمنح هذا التقدير لغته الشرعية، فينشأ اجتهادٌ يتحدث بمفردات الفقه ويحمل في أعماقه منطق الدولة القُطرية ويصير حفظ الكيان السياسي مقدمةً مستقرةً في الميزان، ثم تُرتب حقوق الأمة والمقدسات والثغور وفق ما تسمح به "المصلحة الوطنية"، وهكذا تنتقل سايكس-بيكو من رسم الأرض إلى ترتيب المقاصد، وتدخل الحدود السياسية في تعريف النافع والضار والممكن والمتعذر والواجب المؤجل والواجب المقدَّم، حتى يبدو الحكم صادراً عن القواعد وقد صاغت الخريطة مقدماته قبل أن يبدأ الفقيه نظره.

ويظهر خضوع العقل الفقهي لمنطق الدولة بصورةٍ أوضح حين تصل إليه المؤسسة الحديثة مكتملةَ البنية والوظيفة، بعد أن تكون الدولة قد رسمت فلسفتها وحددت علاقاتها وضبطت آثارها الاقتصادية والسياسية، ثم يبدأ الفقه في البحث لها عن نسَبٍ شرعيٍّ يضمّها إلى عالمه؛ فتُنشئ الدولة صندوقاً سيادياً أو نظاماً للتقاعد أو هيئةً للتأمين أو مصرفاً مركزياً أو سنداً حكومياً أو قانوناً للجنسية، ثم يصل هذا البناء إلى الفقيه في صورته النهائية فيفتش في أبواب العقود والقواعد عن عناصر تشبه بعض أجزائه، ويجمع له من الوكالة والكفالة والإجارة والضمان والمصلحة والسياسة الشرعية ثوباً فقهياً واسعاً، فتدخل المؤسسة إلى مجلس الاجتهاد بوصفها واقعاً مكتملاً ينتظر الاستيعاب، ويصبح جهد الفقه منصرفاً إلى إيجاد الباب الذي تُدرج تحته والاسم الذي يكسوها والتخريج الذي يمنحها مشروعية العبور إلى المجال الإسلامي، بينما يبدأ المنهج الفقهي الراشد من موضعٍ أسبق؛ فيفكك فلسفة المؤسسة ووظيفتها ويكشف شبكة القوة والمال والمصالح التي تحملها ثم يعرض بنيتها كاملةً على ميزان الشريعة، فيمنحها القبول بقدر استقامتها ويفرض عليها التعديل حيث اختل ميزانها ويعيد بناءها من الجذور حين تحمل في داخلها منطقاً يصادم مقاصد الوحي وعدله.

وهذا هو الفقه الذي يبدأ بعد اكتمال القرار؛ واقعٌ تصوغه الدولة ومؤسسةٌ يبنيها القانون ومصلحةٌ يحددها السياسي ثم يُدعى الفقيه إلى آخر المجلس ليضع الاسم الشرعي على الباب، فيصير دوره قريباً من دور المترجم الذي يحسن نقل المصطلح بينما يبقى أصل النص مكتوباً بلغةٍ أخرى، وقد تتكاثر التخريجات حتى يبدو البناء إسلامياً من كثرة العناوين الفقهية المعلقة عليه، مع أنَّ منطقه الداخلي ظلّ على الهيئة التي صاغتها الدولة والسوق.

وتعمل هذه الهندسة كذلك من خلال تغيير الجهة التي يتوجه إليها الخطاب الشرعي؛ فالقرآن يخاطب المؤمنين والمسلمين وأولي الأمر وأهل القوة والمستضعفين والجماعة، ويرتب الحقوق والواجبات على أوصاف العقيدة والرحم والجوار والحاجة والقدرة وموقع الإنسان من الثغر، بينما تخاطب الدولة الحديثة المواطن والمقيم والأجنبي واللاجئ وتوزع الحقوق والالتزامات بحسب الجنسية والإقامة والاختصاص القانوني، ومع رسوخ هذه التقسيمات في الوعي يتراجع المسلم القريب خلف السلك إلى منزلة "الأجنبي" في الحس السياسي، ويتقدم المواطن البعيد إلى دائرة الحق العام بقوة الوثيقة التي يحملها، فتزاحم الجنسيةُ أخوّةَ الدين ويزاحم سجلُّ النفوس أوصافَ الجار والقريب والمستضعف وصاحب الحاجة وأهل الثغر، ثم تنتقل هذه اللغة إلى صياغة الفتوى وترتيب الواجبات وتقدير المصالح حتى يغدو جواز السفر ورقةً خفيةً في ملف الاجتهاد، ويصبح الخطاب الشرعي موجهاً إلى سكان القُطر بصفتهم القانونية بعد أن كان ينظر إلى الإنسان من خلال موقعه في شبكة الإيمان والحق والنصرة والتكليف.

وتبلغ القولبة تمامها حين يتلقّى طالب العلم خريطة الدولة في المدرسة قبل أن يتلقّى خرائط الفقه والتاريخ؛ فينشأ وفي وعيه أن سوريا هي الشام أو قلبها الذي يستغرق معناها، وأن فلسطين شأنٌ يقع وراء الحدود، وأن مصر تنتهي عند بوابة رفح، وأن الوطن يبدأ مع النشيد ويبلغ نهايته عند المعبر، ثم يفتح بعد سنواتٍ "المغني" و"روضة الطالبين" و"حاشية ابن عابدين" و"شرح الخرشي على مختصر خليل" و"معجم البلدان"، فيُلبس ألفاظَها الصورَ التي استقرت في طفولته، ويقرأ "البلد" بمعنى الدولة ذات السيادة، و"أهل الشام" بمعنى سكان الأقطار الأربعة، و"من يلي أهل الثغر" بمعنى أبناء الإقليم السياسي نفسه؛ فيحسب أنه ينقل التراث إلى العصر بينما يكون العصر قد سبقه إلى أعماقه ورتّب معاني التراث في عينيه وحدّد له مسبقاً ما الذي يراه قريباً وما الذي يضعه وراء الحدود.

وتملك الدولة داخل ولايتها صلاحية تنظيم الشأن العام؛ فتوحّد إعلان العيد وتنظّم جمع الزكاة وتضبط إجراءات المحاكم وتوزّع الأموال العامة وفق خططها، وهذه كلها أعمالٌ تتصل بكيفية التنفيذ وترتيب المؤسسات، أما الحكم الشرعي فيبقى مرتبطاً بالحقيقة التي عُلّق عليها؛ فإعلان العيد إجراءٌ إداريٌّ يوحّد عمل الناس بينما المطلع حقيقةٌ فلكية تحددها الجغرافيا وحركة الهلال، وتخصيص صندوقٍ ماليٍّ للمواطنين قرارٌ تنظيمي بينما استحقاق الزكاة تحدده أوصاف الفقر والحاجة والغرم وابن السبيل، واختصاص المحكمة يحدد مجال نفاذ حكمها بينما امتداد واجب النصرة تحدده أوصاف القرب والقدرة وحاجة الثغر. فالتنظيم يدير تطبيق الحكم والمناط يحدد سبب الحكم ومجاله، وحفظ هذا الفرق يمنح الدولة قدرتها على الإدارة ويصون للفقه سلطته في البيان والتقويم.

ويبدأ الخلل حين تتحول ترتيبات الدولة الإدارية إلى معاييرَ تُبنى عليها الأحكام الشرعية؛ فتوحيد الدولة إعلانَ العيد يُفسَّر على أنه اتحادٌ في المطلع، وقصرُ صندوقٍ خيريٍّ على المواطنين يتحول إلى قصرٍ لدائرة التكافل الشرعيّ، وحدودُ عمل الجيش تُفهم على أنها حدودٌ لواجب النصرة، والجنسيةُ تصبح هي المقصودة بعبارة "أهل البلد"، وما تقدّره الحكومة مصلحةً وطنية يُقدَّم بوصفه مصلحةً شرعيةً عامة، ثم يباشر الفقيه الاستدلال والتفريع بعد أن تكون الدولة قد حدّدت له مسبقاً معنى البلد ومن يدخل في دائرة التكليف وأين تبدأ المصلحة وأين تنتهي؛ فيبدو الحكم صادراً عن أدوات الفقه بينما جاءت مقدماته الكبرى من الخريطة والقانون والإدارة.

والخروج من هذه الهندسة يبدأ بتحرير المناط قبل تحرير الحكم، فيُسأل الفلكي عن حقيقة المطلع والجغرافي عن القرب والمسافة والمؤرخ عن مدلول الإقليم والاقتصادي عن بنية العقد والمؤسسة وعالم السياسة عن فلسفة الدولة ووظيفة القانون، ثم يجمع الفقيه هذه المعارف داخل ميزان النص والمقصد والقاعدة، فيعود الواقع مادةً للاجتهاد ويغدو الفقه قوةً على التوجيه وإعادة التشكيل وتستعيد العلوم المساندة موقعها بوصفها عيوناً ترى، بينما يبقى الوحي هو النور الذي يمنح الرؤية معناها واتجاهها.

خطَّ الحدود يملك تنظيم المعبر ولكنّ حركةَ القمر هي التي تصنع المطلع؛ والجواز يحدد الجنسية بينما القرب تصنعه الجغرافيا والقدرة والحاجة

ويحتاج الفقه المعاصر كذلك إلى مؤسساتٍ عابرةٍ للحدود، لأنَّ الهلال يتحرك فوق الأقطار والاقتصاد يجري في شبكاتٍ عالمية والحروب تتجاوز الإقليم واللاجئون يعبرون الدول والمقدسات تحملها الأمة وقضايا البيئة والمال والتقنية تفيض عن قدرة دار إفتاءٍ وطنيةٍ منفردة، فالمجمع الفقهي الذي يجمع علماء البلاد وخبراء التخصصات يفتح نافذةً أوسع من نافذة الدولة ويكشف أثر الخريطة في صياغة السؤال ويمنح الاجتهاد فرصةً لاستعادة وحدة المجال الشرعي مع مراعاة تعدد الولايات والإدارات.

وتبقى المراجعة الأهم في داخل الفقيه نفسه؛ أن يفتش عن الخريطة التي يحملها في عقله قبل أن يفتش عن الحكم في كتابه وأن يميز بين الذي جاءه من النص والذي تسرب إليه من المنهج المدرسي والجواز والنشيد ونشرة الأخبار، وأن يرى الدولة الحديثة موضوعاً من موضوعات الفقه عوضاً عن كونها الإطار الخفي الذي يرى الفقه من خلاله، فالدولة واقعةٌ سياسيةٌ عظيمة الأثر والشريعة ميزانٌ أعلى منها، والحدود أداةُ تنظيمٍ وقوة بينما الحقائق الشرعية تستمد مناطاتها من النص والواقع الإنساني والطبيعي الذي تعلقت به.

إنَّ خطَّ الحدود يملك تنظيم المعبر ولكنّ حركةَ القمر هي التي تصنع المطلع؛ والجواز يحدد الجنسية بينما القرب تصنعه الجغرافيا والقدرة والحاجة؛ والدولة تحدد اختصاص مؤسساتها بينما واجب النصرة يتسع وفق الثغر والإمكان؛ والخريطة ترسم الإقليم السياسي بينما لفظ الشام يشرحه مؤلفوه وسياق عصرهم؛ وحين يستعيد الفقيه هذه الفروق يعود الخط إلى الأوراق لا العقول، ويعود الدليل الشرعيّ إلى صدر المجلس وتصبح الخريطة وثيقةً بين يدي الشريعة بعد أن كانت عدسةً خفيةً ترى الشريعة من خلالها.

وعندئذٍ يسترد الفقيه مقامه؛ فيجلس الدليل الشرعيّ في صدر المجلس وتوضع الخريطة بين يديه، فتقف الحدود عند وظيفة الإدارة ويبقى الإنسان أوسع من جوازه والأمة أرحب من معابرها، وتعود الفتوى بنتَ الوحي وبصيرةَ الواقع فتصوغ السياسة بميزان العدل بعد أن طال مقامها حاشيةً شرعيةً على خرائط المنتصرين.

x.com/muhammadkhm


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)