تأتي هذه الدراسة في سياق قراءة موسعة
يقدمها الدكتور عبد الرزاق مقري حول واقع الإسلاميين في الجزائر، ومسارهم
الانتخابي والسياسي، والعوامل التي أسهمت في صعودهم أو تراجعهم، وصولا إلى بحث
شروط التغيير والإصلاح الممكن في ظل موازين القوة القائمة.
ويطرح مقري، من خلال هذه السلسلة، أسئلة
تتصل بعلاقة الحركات الإسلامية بالسلطة، وجدوى المشاركة السياسية والانتخابية،
وحدود الإصلاح من داخل القواعد التي تفرضها السلطة، مستندا إلى قراءة تاريخية
ومؤشرات رقمية وتحليل لتجربة حركة مجتمع السلم بوصفها نموذجا للدراسة.
وتنشر "عربي21" هذا المقال
بالتزامن مع نشره على الصفحة الرسمية للدكتور مقري في موقع "فيسبوك"،
وذلك في إطار الإسهام في توسيع النقاش حول مستقبل العمل السياسي والإسلامي في
الجزائر، وتعميق الحوار بشأن سبل الإصلاح والتغيير وتحدياته، بعيدا عن القراءات
الاختزالية والمواقف المسبقة.
خمسة محاور أساسية
سأتناول هذا المقال عبر خمسة محاور أساسية: المحور
الأول: طرح الإشكالية، المحور الثاني: العناصر المؤثرة في نتائج الانتخابات، المحور
الثالث: عرض "فرضية"، المحور الرابع: المؤشرات الرقمية منذ الانفتاح إلى
آخر انتخابات، المحور الخامس: تحليل النتائج وتأكيد الفرضية.
أولا ـ الإشكالية:
يحدث جدال كبير داخل الحركة الإسلامية في
الجزائر دون طرح الأسئلة الصحيحة ودون تحمّل عبء الإجابات النزيهة والأسباب العميقة.
لقد أظهرنا في المقال السابق كيف أن السلطات
الرسمية تتحمل المسؤولية الأكبر في إفساد الحياة
السياسة، وتيئيس الناس من
المشاركة في الانتخابات ودفعهم إلى المقاطعة الشاملة بغرض الوصول إلى ما سميته
"الديمقراطية الآمنة" التي تُحسم فيها النتائج قبل الاقتراع، ودون عناء
كبير بعد ذلك في التزوير الانتخابي.
الفرضية التي أقدمها ثم أعمل على إثباتها بالأرقام والوقائع، بخصوص حركة مجتمع السلم كنموذج، هي أن رؤية الإصلاح والتغيير من داخل القواعد غير العادلة التي فرضتها السلطة على الحركة ، وضمن موازين القوة الراهنة، غير ناجحة، ولم يستفد منها إلا أفراد على حساب الحركة ومشروعها، وعلى حساب البلد..
ونتجه اليوم إلى تحديد مسؤولية الأحزاب
المشاركة في الانتخابات، لنطرح الأسئلة التالية: ما هي العوامل المؤثرة في النتائج التي تحققها الأحزاب في الانتخابات؟ وكيف
تعمل هذه العوامل؟ وما العلاقة بينها؟ ما
هو الأهم والأكثر تأثيرا فيها؟ وكيف يتم فحص أثرها في العمليات الانتخابية منذ أول
انتخابات تعددية إلى الآن؟ وكيف كان عملها؟ هل ستبقى هذه العوامل تعمل وتؤثر؟ أم انتهى فعلها؟ ما هو
دور السلطات الحاكمة في التأثير فيها؟ ما هي مسؤلية قادة
لأحزاب، والمناضلين في إعمال هذه العوامل؟ وفي تأثيرها، إيجابا وسلبا؟ وهل نقصان
أو زيادة المقاعد بين انتخابات وأخرى يؤثر في مقصد التغيير والإصلاح؟
ثانيا ـ العوامل المؤثرة في الانتخابات
كنا نستعمل في حركة مجتمع السلم هذه العوامل
بين 2013 ـ 2023 كأدوات هادية للتحضير للانتخابات على المدى المتوسط والبعيد، وعلى
هذا الأساس أنشأنا "اللجنة الدائمة لتحضير الانتخابات" والتي لم تعمل
بشكل دائم للأسف ولم تتحرك إلا من أجل الحملة الانتخابية. وهذه العوامل هي كذلك
بمثابة الميزان الذي يسهل علينا تقييم وتحليل نتائج الانتخابات بموضوعية ونزاهة.
أ ـ العوامل الذاتية: العوامل الأربعة المؤثرة في نتائج الأحزاب في
الانتخابات.
لقد توصلنا إلى هذه الانتخابات عبر التجارب
الانتخابية المتتالية، وكنا نشرحها وندرّب عليها في مختلف لقاءات الهياكل
واجتماعات اللجان المتخصصة لسنوات طويلة حتى ظننا أنها فُهمت وهضمت بما لا يبقي
الجدال متواصلا بعد كل انتخابات، ولكن الاعتبارات الذاتية والخلفيات المختلفة
تخفيها في كل مرة عند التقييم وعند تحديد التوجهات السياسية، ويصبح كل فرد يفسر
النتائج الانتخابية حسب هواه ومصالحه وأهدافه للأسف الشديد.
لقد اتضح منذ مدة بأن العوامل الذاتية التي
تؤثر في الانتخابات أربعة:
1 ـ رمزية الحزب:
ويقصد بها مكانة الحزب وقادته ومنتخبيه في
أذهان الناخبين، سلبا أو إيجابا، وتتشكل الرمزية بشكل تراكمي بما يلحظه الناس من
مواقف الحزب وسلوكيات قادته وأفراده ومتخبيه، المعّبر عنها بالخطاب السياسي
والتصرفات والأفكار والبرامج والعلاقات.
ويحكم الناخبون على الرمزية وفق ثقافتهم
ومبادئهم واختياراتهم، ووفق احتياجاتهم
المرحلية. وعامل الرمزية هو الذي يؤدي إلى النجاح دون عناء في المناسبات الانتخابية، بين الاكتساح والنجاح البيّن، وهو الذي
يتسبب في الخسارة، بين الانهيار أو التراجع البيّن.
وأحيانا الرمزية وحدها تستطيع أن تحسم، في
حالات محددة، في نتائج الانتخابات، بغض النظر عن العوامل الموالية.
2 ـ حالة الدائرة الانتخابية (le fief électoral) ( بين القوة أو الضعف):
ويقصد بالدائرة
الانتخابية، الموقع الجغرافي للحزب الذي يكون فيه التنافس الانتخابي، وتتشكل من عدد المناضلين فيها وكفاءتهم
وحيويتهم ونضالاتهم وفاعليتهم في التسويق لأفكار الحزب ومواقفه ومرشحيه، وفي استقرار الهياكل وصلابتها وانتشارها، وفي
الحاضنة الشعبية التقليدية التي حول الهياكل والمناضلين، وامتدادات الحزب في القوى
المجتمعية على المستوى القبلي، ومؤسسات المجتمع المدني، وإمكاناته المالية
والإعلامية، والقوى القادرة على حمايته وحماية أصواته.
فإن كان الحزب قويا في الدائرة الانتخابية
كلها أو بعضها يَعظم أثر الرمزية العالية فيكتسح النتائج. وإن كانت رمزية الحزب ضعيفة أو منهارة، تمكنه
الدائرة الانتخابية من الصمود مؤقتا إلى حين استرجاع الرمزية في انتخابات موالية،
فيقع التراجع ولكن لا يقع الانهيار.
أما إن كانت الرمزية ضعيفة أو منهارة
والدائرة الانتخابية ضعيفة أو منهارة يقع الانهيار الكامل أو التراجع البين.
بمعني: رمزية قوية + دائرة انتخابية قوية =
اكتساح، رمزية قوية + دائرة انتخابية ضعيفة = نتائج جيدة، رمزية ضعيفة + دائرة
انتخابية قوية = صمود مع التراجع، رمزية ضعيفة + دائرة انتخابية ضعيفة= انهيار.
3 ـ عملية الترشيح والمرشح
ويقصد بعلميّة الترشيح نجاحها في حالة سلامة
إجراءات الترشيح وتحقق الرضا داخل التنظيم ودخول الحزب بكل قوته في المنافسة، أو
تكون عملية الترشيح فاشلة، لأسباب عدم سلامة أو عدالة الإجراءات، أو التنافس
الشديد الذي يتحول إلى صراع بين المترشحين ومناصريهم داخل التنظيم، بما يُفقد
الرضائية ويجعل الحزب يدخل المنافسة مشتتا أو بجزء من قوته.
إن كانت عملية الترشح سليمة والمرشح قويا فإنه يزيد في قوة الرمزية والعناصر الإيجابية للحزب في الدائرة الانتخابية فتعظُم النتيجة. وإن كان المرشح قويا والرمزية ضعيفة والدائرة الانتخابية صعيفة تصبح المنافسة ليست بين الحزب والأحزاب الأخرى، ولكن بين مرشح الحزب والأحزاب الأخرى ومرشحيها، فإن نجح المرشح فالنجاح له أساسا وليس للحزب وإن كان نجاحه باسمه. وفي كل الأحوال الأمور تبقى نسبية، والمقادير متداخلة سلبا أو إيجابا.
ويُقصد بالمرشح ممثل الحزب الذي أفرزته عملية الترشيح، من حيث رمزيته
وحاضنته الاجتماعية الخاصة التي يضيفها
للدائرة الانتخابية للحزب ولرمزية الحزب.
فإن كانت عملية الترشح سليمة والمرشح قويا
فإنه يزيد في قوة الرمزية والعناصر الإيجابية للحزب في الدائرة الانتخابية فتعظُم
النتيجة. وإن كان المرشح قويا والرمزية ضعيفة والدائرة الانتخابية صعيفة تصبح
المنافسة ليست بين الحزب والأحزاب الأخرى، ولكن بين مرشح الحزب والأحزاب الأخرى
ومرشحيها، فإن نجح المرشح فالنجاح له أساسا وليس للحزب وإن كان نجاحه باسمه. وفي
كل الأحوال الأمور تبقى نسبية، والمقادير متداخلة سلبا أو إيجابا.
4 ـ الحملة الانتخابية:
وهي أقل العناصر
أهمية، ولا قيمة لها إلا بوزن العناصر الثلاثة الأولى، فإن كانت الرمزية جيدة
والدائرة الانتخابية قوية وعملية الترشيح ناجحة والمرشح قويا يصبح ما يبذل في
الحملة الانتخابية مجديا إذ يسهل التسويق للنجاح. وإن كانت الرمزية، بشكل خاص،
ضعيفة، فإن الذي يحرك الحملة الانتخابية الدائرة الانتخابية القوية، والمرشح
الجيد، وفق القواعد المذكورة أعلاه. أما إن كانت الرمزية ضعيفة والدائرة
الانتخابية ضعيفة والترشيح فاشلا فمهما كانت الحملة الانتخابية جيدة وعبقرية
ومدهشة فإنها لا تستطيع صناعة النجاح.
ب ـ العوامل الخارجية المؤثرة في الانتخابات
(الميزان الثاني).
لقد تطرقنا إلى أثر تدخل السلطة الحاكمة في
الانتخابات في المقال السابق، فلا نطيل أكثر في الموضوع. ولكن نكتفي بالتذكير
بقاعدة أساسية كنا نتحدث عنها كثيرا في السنوات الماضية وهي: "نتائج
الانتخابات يصنعها الشعب ولكن يتحكم فيها النظام السياسي". أي أن العملية
الانتخابية هي في كل الأحوال بيد النظام السياسي، ولكن حين يفلح الحزب في جلب
أصوات الشعب وفق العوامل الأربعة التي ذكرناها يستطيع أن يقاوم التزوير وأن يحقق
نتائج انتخابية جيدة ضمن المتاح بين المنافسين. ولكن إذا كان الحزب ضعيفا على مستوى العوامل الأربعة، وخصوصا الرمزية، فإن
التزوير يهلكه، أو قد لا يضطر النظام السياسي للتزوير أصلا، وذلك حين يصل إلى
مرحلة "الديمقراطية الآمنة"، على نحو ما ذكرناه في المقال السابق، وربما
يقوم النظام السياسي ذاته بإنقاذ الأحزاب والتزوير لصالحهم من أجل المحافظة على
الواجهة وإنقاذ الصورة، وربما هو من يصلح يرشح للأحزاب كما وقع في بعض الدول
العربية الاستبدادية في سنوات سابقة.
كان بالإمكان أن نتحدث عن معيار آخر وهو
المنافسين، ولكننا أهملناه لأن المنافسة الوحيدة الحقيقية الموجودة في العالم
العربي هو بين الحركات الإسلامية وأنظمة الحكم، فأحزاب الموالاة والقوائم
المستقلة، والمال الفاسد في الانتخابات، والتزوير المحلي، كل هذا هو ضمن القواعد
الفاسدة للمنافسة فلو كانت ثمة ديمقراطية حقيقية وقانون منصف ومحترم لحلت المشكلة،
ولكانت المنافسة شريفة.
ثالثا ـ الفرضية:
الفرضية التي أقدمها ثم أعمل على إثباتها
بالأرقام والوقائع، بخصوص حركة مجتمع السلم كنموذج، هي أن رؤية الإصلاح والتغيير
من داخل القواعد غير العادلة التي فرضتها
السلطة على الحركة ، وضمن موازين القوة الراهنة، غير ناجحة، ولم يستفد منها إلا
أفراد على حساب الحركة ومشروعها، وعلى حساب البلد، وأن الحركة تتراجع على مستوى العوامل الأربعة
بقدر اقترابها من السلطة الحاكمة على النحو التالي:
ـ تتراجع في الانتخابات.
ـ تتراجع رمزيتها.
ـ تقع اهتزازات داخلية وتحدث انشقاقات.
ـ تخسر مؤسساتها المجتمعية.
ـ تتسرب إطاراتها ويفتر مناضلوها.
ـ تتراجع شبكة علاقاتها في داخل الوطن وخارجه.
ـ تنضب مواردها
المالية.
ـ يضعف أداؤها الإعلامي
ـ تتمدد الأحزاب الإسلامية التي من مدرسة الشيخ محفوظ على
حسابها وليس على حساب أحزاب الموالاة.
وكلما ابتعدت عن السلطة الحاكمة
ـ يجتمع شملها
ويتوحد صفها
ـ تتقدم في
الانتخابات
ـ تنمو مؤسساتها
المجتمعية
ـ ترتفع رمزيتها
ـ يرجع إلى
النشاط العديد من إطاراتها
ـ ترتفع رمزيتها
ـ تتوسع شبكة
علاقاتها في الداخل والخارج.
ـ تصمد ماليا
ويتحسن أداؤها الإعلامي.
ـ تحافظ على
ريادة التيار الإسلامي بشكل بيّن.
يتبع …