موجة غلاء جديدة في مصر بعد رفع أسعار الكهرباء.. تضخم ورسوم تثقل كاهل المواطنين

تشمل الزيادات الجديدة الكهرباء والخبز والسلع الأساسية والضرائب- عربي21
تشمل الزيادات الجديدة الكهرباء والخبز والسلع الأساسية والضرائب- عربي21
شارك الخبر
بعد يوم واحد من قرار حكومي برفع تعريفة الكهرباء في مصر بمعدل 12 بالمئة على 6 شرائح من الاستهلاك المنزلي، انفجرت أسعار سلع أخرى، ما وضع ملايين المصريين أمام موجة جديدة من التضخم الجامح بفعل استمرار القرارات الحكومية بزيادة الأسعار، ومع تراجع قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية.

والجمعة الماضية، وقبل موجة ارتفاع الأسعار التي شهدها مطلع آب/أغسطس الجاري، أكد مدير بعثة صندوق النقد الدولي أمين ماطى، استئناف الحكومة المصرية العمل بآلية التسعير التلقائي للوقود، متوقعا زيادة بنسبة 10 بالمئة في سعر الوقود.

وبعد 3 أيام من استهداف سفينة التغييز الأمريكية "إنيرجوس وينتر"، بميناء دمياط على البحر المتوسط، بطائرة مسيرة الأربعاء الماضي، صدمت حكومة القاهرة 109 ملايين مواطن بقرار رفع أسعار الكهرباء بنسبة 12 بالمئة على الشرائح المنزلية، السبت الماضي، وذلك بأثر رجعي على استهلاك تموز/يوليو الماضي، بهدف تحصيل 40 مليار جنيه سنويا من الزيادة الجديدة.

القرار الذي يعد الثاني هذا العام بعد رفع بين 16 و20 بالمئة في شرائح الكهرباء للاستهلاك المنزلي والتجاري في نيسان/أبريل الماضي؛ يزيد الضغوط المالية على الشريحة الأعظم من المصريين من مستهلكي الكهرباء البالغين نحو 44 مليون مشترك، منهم 32 مليونا بالقطاع المنزلي، كما يزيد من معدلات التضخم وفق قراءة خبراء بينهم هاني جنينة، ومحمد فؤاد، ونشرة "إيكونومي بلس".

اظهار أخبار متعلقة



ثاني ارتفاعات آب/أغسطس الجاري، جاءت بأسعار الخبز السياحي بنحو 12.5 بالمئة وبقيمة 50 قرشا للرغيف في أغلب المخابز، إلى جانب جميع المخبوزات متأثرة بزيادة سعر طن الدقيق الفاخر من 18 ألف إلى 20 ألف جنيه، وزيادة تكاليف التشغيل مثل أعباء النقل وأسعار الطاقة المستخدمة لتسوية الخبز بالمخابز الحرة.

ويشكو مصريون من تتابع زيادة الخبز الحر وتقليل حجمه خلال مدة عامين، مع تتابع رفع سعر الدقيق والسولار: في نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر 2024، وتموز/يوليو 2025، ثم آب/أغسطس الجاري، وعجزهم عن توفيره، مع تقليص دعم الخبز المدعم ورداءة جودته، وتوجه الحكومة نحو حذف بطاقات نحو 10 ملايين مواطن تراهم غير مستحقين للدعم، إلى جانب تطبيق منظومة الدعم العيني.

وفي تمهيد لتطبيق الدعم النقدي الذي يتوقع معه خروج بين 10 و12 مليون مصري من نحو 68 مليونا يحصلون على الدعم العيني "التموين"، بدأت وزارة التموين تنفيذ منظومة الخصم المباشر على المخابز البلدية السبت الماضي، حيث تم إخطار أصحاب المخابز بالالتزام بالإجراءات التنفيذية الخاصة بتفعيل النظام قبل بدء التشغيل، ما يقلق ملايين المصريين على حصصهم من الخبز المدعم مع احتمال خفض وزنه، رغم تطمينات حكومية سابقة بثبات سعره.

وفي سياق موجة أسعار آب/أغسطس، رفعت شركة "كوكاكولا مصر" أسعار عبوات مياه "داساني المعدنية" بين جنيه و3 جنيهات حسب العبوة، بعد إضافة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14 بالمئة.

وفي ذات الإطار وتأثيرا بموجة الارتفاعات السابقة، سجلت الأسواق منذ السبت الماضي، زيادات في أسعار السلع ومنها: الزيت، والفول، والدقيق، والمكرونة، والعدس، والسكر، والجبن الأبيض والرومي، والمسلي الصناعي، بحسب "بوابة أسعار السلع" التابعة لمجلس الوزراء.

وشهد قطاع التشييد والبناء تحركا جديدا بأسعار الحديد والأسمنت، إذ صعد سعر طن "حديد عز" بنحو 200 جنيه، وزاد طن "الحديد الاستثماري" 135 جنيها، وارتفع طن الأسمنت "الرمادي" 10 جنيهات.

وقررت الحكومة فرض رسم بقيمة 100 جنيه على كل من يغادر أراضي مصر، إلى جانب فرض رسم جديد بقيمة 35 جنيها عن كل طن أسمنت يتم إنتاجه وإلزام المصانع بتوريدها للضرائب، اعتبارا من الجمعة الماضية، وذلك مع دخول تعديلات قانون رسم تنمية الموارد المالية للدولة حيز التنفيذ، بعد تصديق رئيس النظام عبدالفتاح السيسي على القانون (رقم 148 لسنة 2026).

وفي ذات السياق، جرى تنفيذ ضريبة الدمغة على تعاملات الأوراق المالية المقيدة بالبورصة بواقع 0.5 في الألف يتحملها كل من البائع والمشتري من المستثمرين المحليين والأجانب، اعتبارا من 29 تموز/يوليو الماضي، تنفيذا للقانون (رقم 153 لسنة 2026).

ويصل إجمالي الإيرادات الضريبية في موازنة العام المالي (2026/2027) نحو 3.53 تريليون جنيه يدفعها المصريون، لتمثل النسبة الأكبر من جملة موارد ومصادر تمويل الإيرادات العامة للدولة بنسبة تقارب 87.4 بالمئة.

قرابين الصندوق

وتسبق تلك الارتفاعات تسليم صندوق النقد الدولي مصر الاثنين، مبلغ 1.77 مليار دولار تمثل الشريحة قبل الأخيرة من قرض المليارات الثمانية بجانب تمويل الصلابة، والبرنامج الذي يشمل تقليص وإعادة هيكلة الدعم داخل الموازنة العامة ومنها قطاع الكهرباء والوقود وغيرها، ما وصفها الكاتب الاقتصادي مصطفى عبدالسلام بـ"قرابين صندوق النقد".

وبينما يربط محللون تلك الزيادات بتوجيهات صندوق النقد الدولي مقابل الحصول على تمويلات بقيمة 1.77 مليار دولار الاثنين ونحو 1.65 مليار دولار كدفعة أخيرة من تمويلات برنامجي التسهيل الممدد والصلابة والمرونة، إلا أنه يتعين على مصر سداد 2.18 مليار دولار خلال العام المالي الحالي للصندوق، ما يقلل من قيمة تمويل الصندوق على السوق المحلي، الذي يشهد تراجعا مثيرا للعملة المحلية مقابل الدولار.

اظهار أخبار متعلقة



وانتقد الخبير الاقتصادي مدحت نافعة توصيات صندوق النقد الدولي لمصر بـ"معالجة الاختلالات الهيكلية، ومن بينها ما يصفه بالدعم السلعي غير الموجَّه"، مؤكدا أن "الذي أقنع الصندوق بأن الفجوة المزمنة بين التكلفة وسعر البيع تُعد، بالضرورة، دعماً؟ فهذه الفجوة قد تكون في كثير من الأحيان انعكاساً لاختلالات الإنتاج أو التوزيع أو التمويل أو التسعير، وليست مرادفاً للدعم بالمعنى الاقتصادي الدقيق".

نافعة، لفت إلى موجة تضخم محتلة واصفا الأمر بقوله: "التضخم اللزج تحركه منتجات الطاقة، والتضخم الجامح (hyperinflation) يحركه تواتر رفع الأسعار، وتخفيض قيمة العملة".

ضبط الإنفاق على حساب من؟

وفي قراءته الاقتصادية لأسباب هذا الانفجار في الأسعار والرسوم والضرائب، وحول ما إذا كان هناك اضطرار حكومي لهذه القرارات، ومدى علاقة سياسات الحكومة الخاطئة باتخاذها مسارات ثابتة ترهق المصريين باستمرار رفع الأسعار وبيع الأصول والاقتراض الداخلي والخارجي، تحدث الباحث في الملف الاقتصادي والناشط العمالي حسن بربري لـ"عربي21".

وقال: "للوصول للصورة الكاملة بالموضوع المتشابك والمعقد لابد من مقارنة موازنة العام الماضي مع العام الحالي، حيث سجل عجز الموازنة السابقة نحو 1.5 تريليون جنيه ليهبط هذا العام إلى حوالي 1.1 تريليون جنيه والذي من المفترض أن يصب لصالح المواطنين، لكنه في العامين اتبعت الحكومة سياسات (ضبط الإنفاق) وشددت الإنفاق على الدعم، ورفعت أسعار الطاقة والكهرباء والخدمات".

القيادي بحزب "التحالف الشعبي"، أضاف: "وبرغم تراجع عجز الموازنة، لكن المشكلة في زيادة حجم القروض من العام الماضي إلى الحالي بشكل كبير، ما يعني ضرورة ضبط الحكومة المصروفات لتسد ما عليها من قروض من المفروض أنها قلت عن العام الماضي، لكنها للأسف زادت، وبالتالي فالحكومة تحتاج أموالا لسداد أقساط وخدمة الدين التي زادت هي الأخرى، وبالتالي تستهدف عجزا أقل بالموازنة".

ولفت إلى أن "القروض هذا العام حوالي 4 تريليون من 3.5 تريليون العام الماضي بزيادة نصف تريليون جنيه، وبالتالي حتى يحدث توازن يصدر تلك القرارات ويقوم بتلك السياسيات الصعبة على المواطنين، لأن الأمور الآن أصعب مع ضرورة زيادة الإيرادات برفع الأسعار وزيادة القاعدة الضريبة، إلى جانب انطلاق الحكومة للتركيز على تحويلات المصريين بالخارج".

وأشار إلى أن "زيادة اعتماد الحكومة على نمو الإيرادات الضريبية يرهق المواطنين والشركات لأنه تجاهل عملية توسيع القطاع غير الرسمي وبالتالي توسيع القاعدة الضريبية، وفقط هو اعتمد على التوسع الأفقي وليس الرأسي للقاعدة الضريبة التي بقيت كما هي أو زادت بنسبة بسيطة لكنه زاد العبء الضريبي ولم يزد تحصيل الضرائب عن طريق إدخال ممولين جددا داخل المنظومة الضريبة، ما يفاقم العبء على الممول فمن يدفع 5 جنيهات يدفع 7 ثم 10 وهكذا".

وتحدث بربري، عن جانب آخر من خطط الحكومة في الحصول على الأموال من جيوب المواطنين، مبينا أن "فاتورة الأجور تتراجع مع سياسات ضبط الإنفاق، حيث تقلل الحكومة عدد الوظائف ونسب العاملين لديها وتقوم بتحويلهم لعقود مؤقتة أو يومية، وبالتالي تقلل فاتورة الأجور وتحد من نمو تكلفة العمالة على المدى المتوسط وتقلل مصروفاتها".

إسعاد الحكومة وليس المواطن

وألمح إلى أن "نفس الكلام حدث مع المستفيدين من بطاقات التموين؛ مع تقليل الدعم التمويني والانتقال للدعم النقدي بدلا من العيني وما سبقه من مراجعة وحذف لكثير من المصريين من منظومة الدعم؛ أصبح جزء كبير من تكلفة السلع يتحملها المواطن".

وأكد أن "الحكومة قللت الإنفاق بحجة ضبطه، لكن بنود ضبط الإنفاق التي وضعتها هدفها الرئيسي بالفترة القادمة إسعاد الحكومة وليس إسعاد المواطن، بمواصلة ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مع خفض الدعم لأقل فئة موجودة ومستفيدة، مع زيادة الأعباء الضريبة على المواطن، مع زيادة حجم القروض وتفاقم خدمة الدين، جميعها حزمة تضر بالمواطن وتعتمد عليها الحكومة لتيسير أمور الموازنة".

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح أن "محاولات الحكومة احتواء معدلات النمو، بتقليل حجم الدعم ورفع أسعار الخدمات وزيادة الإيرادات باتباع السياسات الضريبية؛ يقابلها على الجانب الآخر التزامات دفع مبالغ كبيرة من أقساط القروض القديمة، فيضطر للاقتراض مجددا، ومع أن عجز الناتج المحلي نزل من 7.3 بالمئة السنة الماضية إلى 4.9 بالمئة هذا العام فإن تكلفة نزول هذا العجز يتحملها المواطن المصري".

وفي إجابته على السؤال: هل انتهى العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين؟، يرى بربري، أن "مسألة العقد الاجتماعي إلى انفراط حيث أنه منذ عامين أو 3 أعوام صدرت مجموعة قوانين يصفها قانونيون بأنها (غير دستورية) لو قدم طعن عليها بالمحكمة الدستورية لتم الحكم بعدم دستوريتها".

غضب شعبي

وتتزامن قرارات آب/أغسطس، مع ما يجري في الهند وتونس وغيرها من دول العالم من موجات غضب شعبي يقودها الشباب، فيما يشير مراقبون إلى وجود ردود فعل شعبية غاضبة نتيجة تلك القرارات، لا تهتم لها السلطات المصرية.

وفي رصد "عربي21"، لبعض ردود الفعل الغاضبة من بسطاء المصريين، وداخل صالة الشهر العقاري بمدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية، وبينما ينتظر عشرات المواطنين عودة السيستم التي توقف وتوقفت معه مصالحهم، وجه رجال ونساء انتقادات حادة لرأس النظام، مؤكدين أنهم ينتظرون رحيله وأنهم لن يمنحوه تصويتا جديدا بعد انتهاء ولايته الرئاسية في 2030، لما عانوه مع حكمه من فقر وغلاء منذ العام 2014.
التعليقات (0)