عون في أنقرة.. تركيا لاعب في نزاع خرائط المنطقة فماذا عن العراق؟

محمد موسى
عربي21
شارك الخبر
لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك ضمن حدودها الجغرافية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب رئيس في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط، وهنا تكمن سر زيارة الرئيس جوزف عون لأنقرة. فمن سوريا والعراق إلى القوقاز والبحر الأسود وشرق المتوسط، وصولاً إلى الخليج العربي، استطاعت أنقرة أن تفرض نفسها رقماً صعباً في معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة. واليوم، مع التغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن الدور التركي يدخل مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة الأزمات إلى المشاركة في رسم النظام الإقليمي الجديد.

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تغيرات عميقة في البيئة السياسية للمنطقة. فالمصالحة الخليجية، ثم التقارب التركي مع المملكة العربية السعودية، واستمرار الشراكة الاستراتيجية مع دولة قطر، إضافة إلى الانفتاح على مصر، كلها عوامل أسهمت في إنهاء مرحلة الاستقطاب الحاد، وفتحت الباب أمام شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة. ولم يعد التعاون بين أنقرة والرياض والدوحة يقتصر على التنسيق السياسي، بل امتد إلى ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، في ظل إدراك متزايد بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد أكثر من الصراع.

تكتسب زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى تركيا أهمية استثنائية، لأنها تأتي في لحظة تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والتحالفات، بينما يسعى لبنان إلى استعادة موقعه العربي والإقليمي بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي

في هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى تركيا أهمية استثنائية، لأنها تأتي في لحظة تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والتحالفات، بينما يسعى لبنان إلى استعادة موقعه العربي والإقليمي بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي. فالزيارة ليست بروتوكولية، بل تحمل في طياتها ملفات سياسية وأمنية واقتصادية واستراتيجية قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية- التركية.

سياسياً، تسعى أنقرة إلى تثبيت حضورها كوسيط وشريك قادر على التواصل مع مختلف القوى الإقليمية، فيما ينظر لبنان إلى تركيا باعتبارها دولة تمتلك علاقات متوازنة مع الخليج والعراق وأوروبا، بما قد يساعد في فتح قنوات دعم جديدة للبنان في هذه المرحلة الحساسة.

أما أمنياً، فإن استقرار لبنان يشكل جزءاً من معادلة الأمن في شرق المتوسط، وهو ما يجعل التعاون في مجالات الأمن والدفاع وضبط الحدود والتدريب العسكري أكثر أهمية في ظل التحولات الإقليمية والتحديات المشتركة.

اقتصادياً، تبدو الفرص واعدة، لكن الملف الأكثر أهمية يتجاوز التبادل التجاري والاستثمارات المباشرة، ليصل إلى إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة. وهنا يبرز الملف الذي حظي باهتمام واضح خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى كل من أنقرة وبغداد، والمتعلق بإحياء مشروع نقل النفط العراقي وربطه بمنشآت النفط في طرابلس عبر الأراضي التركية. ورغم أن الفكرة تعود إلى عقود مضت، فإن الظروف الإقليمية الحالية أعادت إحياءها ضمن رؤية مختلفة، تقوم على تحويل الطاقة إلى أداة للتكامل الاقتصادي، لا مجرد سلعة للتصدير.

فالعراق يبحث عن تنويع منافذ تصدير نفطه وعدم حصرها بمسار واحد، وتركيا تعمل على تكريس نفسها مركزاً إقليمياً للطاقة يربط الخليج والعراق بأوروبا، فيما يحتاج لبنان إلى مشروع اقتصادي سيادي يعيد الحياة إلى منشآت طرابلس ويمنحها دوراً محورياً في تجارة النفط والتخزين والخدمات اللوجستية. وإذا تحقق هذا المشروع، فلن تكون الاستفادة محصورة بإعادة تشغيل المنشآت النفطية، بل ستمتد إلى تنشيط مرفأ طرابلس، واستقطاب استثمارات جديدة، وخلق آلاف فرص العمل، وتعزيز الإيرادات العامة.

غير أن أهمية هذا المشروع لا تنحصر في النفط وحده، بل في ارتباطه بالتحول الأكبر الذي تشهده المنطقة، والمتمثل في مشروع "طريق التنمية" الذي يقوده العراق بالشراكة مع تركيا، والهادف إلى إنشاء ممر اقتصادي ضخم يربط ميناء الفاو على الخليج العربي بتركيا ومنها إلى أوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة ومراكز الخدمات اللوجستية.
نجاح هذه الرؤية يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على إنجاز الإصلاحات، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين العرب والأجانب. فالممرات الاقتصادية لا تمر فقط عبر الجغرافيا، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات فاعلة، وتشريعات حديثة، واستقرار سياسي وأمني
وإذا نجح لبنان في الالتحاق بهذا المشروع من خلال مرفأ طرابلس ومنشآت النفط، فإنه لن يكون مجرد دولة مستوردة للطاقة، بل قد يتحول إلى محطة بحرية متقدمة ضمن شبكة التجارة الإقليمية الجديدة.

من هنا، فإن زيارة الرئيس اللبناني إلى أنقرة قد تكون فرصة لطرح رؤية تتجاوز التعاون الثنائي التقليدي، نحو شراكة ثلاثية بين لبنان وتركيا والعراق، تقوم على ربط مشاريع الطاقة بالنقل البحري والخدمات اللوجستية، بما يعزز موقع لبنان في الاقتصاد الإقليمي الجديد.

لكن نجاح هذه الرؤية يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على إنجاز الإصلاحات، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين العرب والأجانب. فالممرات الاقتصادية لا تمر فقط عبر الجغرافيا، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات فاعلة، وتشريعات حديثة، واستقرار سياسي وأمني.

بكل وضوح، لا تبدو زيارة الرئيس اللبناني إلى تركيا مجرد محطة دبلوماسية، بل تأتي في توقيت قد يعيد تحديد موقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد. فتركيا توسع نفوذها من خلال الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية، والخليج يعيد ترتيب أولوياته الاستثمارية، والعراق يطلق أحد أكبر المشاريع اللوجستية في المنطقة. وبين هذه التحولات يقف لبنان أمام خيارين: إما أن يكتفي بمراقبة إعادة رسم خرائط المنطقة، أو أن يحسن استثمار موقعه الجغرافي وإمكاناته ليعود شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لنتائج التحولات. وإذا أحسنت بيروت استثمار هذه اللحظة، فقد تتحول زيارة أنقرة إلى أكثر من لقاء سياسي؛ قد تكون بداية عودة لبنان إلى قلب الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط، بعدما غاب عنها لسنوات طويلة.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)