دائما ما تهتم التقارير الحقوقية بالأوضاع القاسية التي يواجهها أكثر من 60 ألف معتقل سياسي
مصري، يقبعون في
سجون رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، منذ العام 2013، بينما تتوارى عن الأضواء أحداث جسام يعاني منها ذوي المعتقلين من زوجات وأمهات.
والأحد الماضي، كشفت السيدة شيماء علي، زوجة المهندس والباحث والمُحاضر المصري أيمن عبدالرحيم، المعتقل منذ تموز/ يوليو 2018، عن حجم ما تتعرض له زوجات وأمهات المعتقلين السياسيين من قهر، أثناء زيارة ذويهن بالسجون ومقرات الاحتجاز، حيث روت عدة مواقف كاشفة عن حجم تلك المعاناة.
وأشارت إلى نسيان إحدى زوجات المعتقلين بطاقة هويتها خلال زيارة زوجها، ولم تنجح توسلاتها للضابط للسماح لها أو لابنها بالدخول ما تسبب بانهيارها وسقوطها على الأرض مصابة بتشنجات وسط فزع ابنتها الصغيرة وذهول ابنها، ملمحة إلى تحول حسرة السيدة وفقدانها الأمل إلى جبر خاطر وفرحة عقب الموافقة على دخولها لرؤية زوجها.
وفي موقف ثاني، وخلال ذات الزيارة، وبينما التقت السيدة شيماء بزوجها عبدالرحيم، وبينما منشغلان باللقاء بعد غياب وعناء، غابت زوجة أخرى عن الوعي وتشنجت يداها جراء سماعها خبرا مفزعا، ففزعت نحوها بطلب من المهندس أيمن.
لتروي علي، المشهد الثالث من الزيارة، عندما رأت طفلة صغيرة فقامت باحتضانها، مما أثار في قلب زوجها الشوق والحنين إلى احتضان الأطفال والإنجاب، لتُختتم الزيارة بطلب المهندس أيمن من زوجته عدم المغادرة فورا، ثم أخذ ذراعها وسار بها بين المقاعد في مشهد رومانسي أمام دهشة الحراس والمخبرين.
رسالة لن تصل
بعض من معاناة زوجات وأسر المعتقلين بدا لافتا السبت الماضي، في حديث الدكتورة منى المصري، زوجة سكرتير رئيس الجمهورية المعتقل منذ 2013، الدكتور أحمد عبدالعاطي، حين خاطبته معلنة وفاة والده الثاني حماه، قائلة "حبيبك أبى، توفاه الله يشكو ظلم الظالمين وجحود الجاحدين".
مضيفة: "ذهب آخر الأجداد وأنت هناك وحيدا في حبس انفرادي لا تعلم عنهم ولا عنا شيئا، لم يُسمح لك بوداع ولا سلام ولا صلاة جنازة عليهم"، متابعة في رسالتها التي لن تصل: "أقولها لك بقلبي وروحي عسى أن تصلك"، مبينة أن "عقلي لا يستوعب أني ومنذ 10 سنوات لم أرك".
12 عاما من الاستنزاف
وفي معاناة من نوع آخر، كتبت السيدة أمل سليم، عن زيارة نجلها المعتقل منذ 12 عاما، عمر محمد علي (31 عاما)، مشيرة إلى أنه كان متعبا، ولما سألته عن السبب قال كنت مضربا مدة 5 أيام، ناقلة قوله: "خلاص مش قادر من أول ما خلصت 11 سنة"، و"حاسس إن ربنا انتزع منى غريزة البقاء فخلاص مش باقي على أي حاجة"، و"تحملت كل السنين دي لأجلك".
عمر الذي حُكم عليه بالسجن 25 عاما، طلب من والدته خلال زيارة عيد الفطر في نيسان/ أبريل الماضي السماح له بالتخلص من حياته، تقول السيدة الصابرة لـ"عربي21": "نعيش 12 سنة من المعاناة والاستنزاف معنويا وصحيا وماديا".
اظهار أخبار متعلقة
وتضيف: "كان نفسى ابنى يكبر معي أمام عيني، ويبقى لنا ذكريات كثيرة مع بعضنا البعض، وكان نفسي أشوفه متخرج من الجامعة، وأشوفه وهو عريس أفرح به وبأولاده، لكن للأسف 12 سنة حياتنا متوقفة وتدور حول الزيارة ما بين ليلة كاملة تجهيز وسهر طول الليل ونزول مبكر وانتظار ساعات غير معلومة العدد في الشمس والحر".
وتتابع: "وبعدما نعود ونرتاح من تعب الزيارة نبدأ نفكر في الزيارة الجديدة؛ فتوقفت الحياة بنا هنا حيث لا مستقبل نحلم حتى به، عمرنا وصحتنا ومالنا وطاقتنا استُنزفوا"، متسائلة: "حتى متى نقدر أن نصمد ونتحمل؟".
اتقوا الله فينا
ومن "حكايات القهر"، لأسر معتقلي الرأي، تحدثت لـ"عربي21"، السيدة نجلاء سلامة، زوجة الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبدالخالق فاروق، المعتقل منذ 20 تشرين الأول/أكتوبر 2024، بسبب آرائه التي تنتقد السياسات والأوضاع الاقتصادية، حيث يقضي عقوبة 5 سنوات، وذلك بعد اعتقال أول في تشرين الأول/أكتوبر 2018، عقب نشر كتابه "هل مصر بلد فقير حقا؟".
تحكي سلامة، متسائلة: "هل يكفي أن أقول أنه رغم وضعي الصحي وعدم وجود أبناء أني أصاب بوعكات صحية وأضطر إلى دخول غرفة العمليات وحدي؟"، مجيبة: "أعتقد أنه ليس هناك قهر أكثر من هذا"، مضيفة: "أني أبقى بالأسبوع كاملا داخل البيت لا أرى أحدا إلا الكلب، ولا أتحدث مع أحد إلا مع صور الدكتور".
وتشير إلى أن "هناك الكثير من التغيرات التي طرأت على حياتي، ملمحة إلى وجود "دعم معنوي من بعض المعارف والأقارب والأحباب".
وتشير إلى أن بعض الأشخاص ابتعدوا خوفا على مصالحهم، وهذا حقهم"، مؤكدة أن الأمر "السيء جاء ممن اقترب ليعرف معلومات عنك، ولا ندري لمن يبلغها، وما مصلحته"، مؤكدة أن "المحنة أظهرت السيء وأوضحت حقيقة البشر".
وحول شعورها قبل الزيارة، وهي مع الدكتور خلال الزيارة، وشعورها وهي عائدة من الزيارة، تقول إنه "شعور غريب ومتباين، حيث أكون حزينة وأنا أجهز الزيارة لأني أعمل حاجات يحبها الدكتور وأتمنى يكون في بيته نأكلها أو نستخدمها معا".
وتتابع: "ثم ليلة الزيارة وحتى رؤيته أكون مثل المراهقة التي أخذت أول موعد غرامي، وأخيرا الحزن المسيطر بينما أغادر وأتركه في مكان ليس من المفروض أن يكون فيه أصلا"، مبينة أنها تحاول أن تتوحد معه معنويا بأن تلبس ملابس زرقاء في الزيارة بلون ملابسه في محبسه.
اظهار أخبار متعلقة
ووجهت سلامة، عدة رسائل نيابة عن أسر معتقلي الرأي، "الأولى لمن ظلمنا: (اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله)، والثانية ولكل الناس: أنا فخورة بزوجي جدا ودوري الوحيد أن أدعمه، ولو خُيرت بين عمري وحريته لاخترت حريته، والثالثة لكل صاحب قلب: (ادعم المعتقلين وأسرهم نفسيا فاليوم هم بالسجون وبيوتهم حزينة، وغدا لا نعرف من عليه الدور".
بين قهر الحاجة وقهر الصمت
وفي قصص كفاح زوجات معتقلين من واقع رصد "عربي21"، فهناك زوجة داعية وإمام وخطيب معتقل واصلت العمل في كُتاب لتحفيظ القرآن الكريم لتعول أسرتها، وكذلك زوجة أخيه المعتقل حيث تعيشان نفس الظروف والمعاناة.
وزوجة معلم معتقل، ومفصول من وزارة التعليم قررت فتح محل بقالة لمواجهة تكلفة الزيارة ولتعول 4 فتيات بمراحل التعليم المختلفة، وترفض قبول مساعدة أقرب المقربين.
وزوجة معتقل رابعة، يظل همها الأول توفير متطلبات زيارات الزوج واثنين من أبنائها في 3 سجون في 3 محافظات مختلفة، وأخرى خامسة، من الكمد أصيبت بزهايمر مبكر حزنا على زوجها وأخيها وابنها".
وفي حالة سادسة لزوجة معتقل كان يعمل إماما وخطيبا أعارها أحد الخيرين ماكينة تفريخ دواجن وشرح لها طريقة التشغيل على أمل أن تكون مصدر رزق لها ولصغارها.
جدار السجن أصغر المعاناة
وتحت عنوان: "خلف القضبان وخارجها حين يصبح جدار السجن أصغر المعاناة تقول الناشطة السياسية والحقوقية أسماء مهاب لـ"عربي21": "عندما نتحدث عن الاعتقال تذهب العقول فورا إلى تلك الغرف الضيقة والأسوار العالية والظلم الذي يقع على الرجل القابع خلف الزنزانة؛ لكن الحقيقة الغائبة عن كثيرين أن السجن لا يحبس شخصا واحدا بل يعتقل عائلة بأكملها وفي مقدمتها الزوجة التي تُترك فجأة لمواجهة الحياة بمفردها محملة بوجع الفقد وثقل المسؤولية".
وتضيف: "ما كشفت عنه الأستاذة شيماء علي، زوجة الباحث المهندس أيمن عبدالرحيم المعتقل منذ سنوات ليس مجرد شهادة فردية بل هو صوت يختصر آلاف الحكايات المكتومة في بيوت كثيرة".
مهاب، تابعت: "دعوني أشارككم نموذجا حيا قريبا من قلبي لصديقة لي نرمز لها بـ(م. ش)، وزوجها المعتقل (ي. ع)، تتصل بي أحيانا لتبثني بعضا مما في صدرها وكل مرة أستشعر كيف يُطحن الإنسان في رحى هذه المعاناة، فهي تعاني مرضا مزمنا يُضعف جسدها ويجعل أي مجهود بدني عبئا ثقيلا عليها لكنها تجد نفسها مطاردة بين التزامات لا ترحم".
"لديها 3 أبناء، أحدهم بالجامعة والثاني بالثانوية وابنة بالمرحلة الابتدائية، ومع انقطاع الدخل باعتقال الزوج منذ أكثر من 5 سنوات اضطرت للعمل، لكن العائد الضئيل لا يكاد يغطي المصاريف الأساسية من تعليم وطعام وإيجار، وأمام هذا العجز لم تجد حلا سوى الاستغناء عن بند أساسي في حياتها وهو علاجها حيث توقفت عن شراء دوائها لتدبر برحمة ألمها مصاريف رحلة الزيارة التي تستنزف ميزانية البيت وصحة الجسد".
تحتضر ببطء خارج الأسوار
وحول رحلة الزيارة بالنسبة لها توضح مهاب، "ليست مجرد ساعات بل كابوس يمتد 3 أيام متواصلة، يوم كامل تقضيه بالمطبخ لإعداد الطعام رغم إنهاكها البدني ويوم السفر والوقوف بالساعات في طوابير التفتيش تحت الحر الشديد أو البرد القارس لرؤيته لدقائق معدودة، ويوم ثالث تسقط فيه جثة بلا حراك من شدة الإعياء".
وتؤكد أن "هذا الإنهاك يلقي بظلاله على كل شيء تقصير اضطراري في شغلها، وغياب عن بيتها، وأبناء اضطر كبيرهم للعمل بجانب دراسته ليساعد في إعالة الأسرة مما أثر على مستواه الدراسي، بينما تواصل الصغيرة سؤالها اليومي المكتوم الذي لا ينتهي: (بابا جاي متى)".
وتشير الناشطة المصرية إلى أن تلك السيدة "في إحدى مكالماتها كانت تبكي بمرارة وتقول لي أشعر أني غرقانة، أي مصيبة في الدنيا لها آخر معروف لكني أحس بأني داخل كابوس لا أعرف له نهاية، ورغم هذا الظلام لا زالت تتعلق بأمل بسيط أن تسمع طرقات على الباب لتفتح وتجد زوجها أمامها".
اظهار أخبار متعلقة
وخلصت للقول: "إن معاناة زوجة المعتقل تفوق في كثير من الأحيان على معاناة المعتقل نفسه؛ فالزوج داخل سجنه معزول عن تفاصيل الحياة اليومية بينما الزوجة تقاتل في جبهات متعددة، فهي العائل والأب والأم والتي تواجه الغلاء والضغوط النفسية وتجفف دموع الصغار".
وختمت مهاب، مؤكدة أن "هؤلاء النساء لسنا مجرد زوجات معتقلين بل هن بطلات مجهولات يمتصصن الصدمات كل يوم لحماية بيوتهن من الانهيار، ووراء كل اسم في القوائم امرأة تدفع من صحتها ونفسيتها وعمرها ثمنا باهظا، لقد طال هذا القهر وثقلت الأحمال وما نرجوه ليس فقط الحرية لكل مظلوم بل الالتفات إلى هذه الأسر التي تُحتضر ببطء خارج الأسوار".