اليساري الذي دعا لمقاومة "الظلامية الترامبية" يصبح وزير خارجية بريطانيا

البيت الأبيض أعرب عن قلقه من تعيينه في الخارجية- وزارة الخارجية البريطانية
البيت الأبيض أعرب عن قلقه من تعيينه في الخارجية- وزارة الخارجية البريطانية
شارك الخبر
ذلك الاشتراكي اليساري التقدمي، كما يصف نفسه، والمعروف بانتقاداته الحادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياساته وأفكاره التي وصفها في مناسبات سابقة بأنها تحمل نزعات عنصرية، يجد نفسه اليوم في موقع وزير خارجية بلاده.

ابن رالف ميليباند أحد أبرز المفكرين الماركسيين في بريطانيا خلال القرن العشرين، وماري بيل الناشطة في قضايا اليسار وحقوق الإنسان، في مواجهة مفتوحة مع الرئيس الأكثر يمينية وخصومة مع اليسار في تاريخ الولايات المتحدة متحالفا مع رجال المال والأعمال والأثرياء خصومه وخصوم والده الماركسي الذي كان ينتقد تلك الفئة فكريا وسياسيا.

ويجد ميليباند الابن، المنتمي إلى الجناح اليساري داخل حزب العمال، نفسه اليوم ممثلاً للدبلوماسية البريطانية أمام إدارة أمريكية يقود فيها ترامب مواجهة مفتوحة مع التيارات اليسارية، ويصف صراعه معها بأنه "معركة مقدسة" للدفاع عن رؤيته السياسية.

لن يبسط له السجاد الأحمر في البيت الأبيض


ميليباند، صاحب دعوات مواجهة ما سماه "الظلامية الترامبية"، والذي سبق أن وجه انتقادات لاذعة لإيلون ماسك، حليف ترامب، قائلاً له "اذهب للجحيم"، كما يُعرف بمواقفه القوية في قضايا المناخ والبيئة، لا يُتوقع أن يكون من الشخصيات المفضلة لدى إدارة ترامب، وفي الغالب لن يبسط له السجاد  الأحمر في بيته الأبيض.


وكشفت صحيفة التلغراف أن البيت الأبيض أعرب عن قلقه إزاء تعيين ميليباند وزيرًا للخارجية في حكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، وسط مخاوف من أن تؤثر مواقفه السابقة على مستقبل العلاقات الخاصة بين لندن وواشنطن.


وبحسب الصحيفة، فإن فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حذر، في وقت سابق، من إسناد حقيبة ذات طابع دولي إلى ميليباند، نظراً لمواقفه السياسية التي يُعتقد أنها قد تثير خلافات مع الإدارة الأمريكية.

ميليباند: ترامب عنصري ومتحرش بالنساء

تقارير متواترة نقلتها صحف بريطانية إضافة للتلغراف حذرت هي الأخرى من أزمة في العلاقات البريطانية الأمريكية جراء اسناد حقيبة الخارجية لـ"عدو ترامب" كما يصفه الإعلام البريطاني.

ورغم أن أول اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام وترامب وُصف من الجانبين بأنه "إيجابي وبنّاء"، وشهد موافقة بيرنهام على استخدام بعض القواعد البريطانية ضمن المجهود العسكري الأمريكي ضد إيران، فإن قرار تعيين ميليباند قد يشكل اختباراً صعباً للعلاقة بين لندن وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.

ونقلت صحيفة الإندبندنت عن مصادر في الإدارة الأمريكية أن البيت الأبيض يشعر بـ"قلق عميق" إزاء تعيين ميليباند وزيراً للخارجية، محذرة من أن الوزير الجديد سيواجه "مهمة دبلوماسية شاقة" لإعادة بناء الثقة مع إدارة ترامب، بسبب سجله الطويل من الانتقادات العلنية للرئيس الأمريكي.

وقالت المصادر إن بيرنهام تلقى تحذيرات بشأن تداعيات اختيار ميليباند، مشيرة إلى أن بعض المقربين من ترامب يرون أن مواقفه السابقة قد تعقّد جهود تعزيز العلاقات الخاصة بين البلدين.

وكان ميليباند، الذي تولى سابقاً منصب وزير الطاقة، قد دخل في مواجهات سياسية وإعلامية مع ترامب، خصوصاً بشأن قضايا التغير المناخي وسياسات خفض الانبعاثات، كما انتقد مواقفه المتعلقة بالديمقراطية والسياسة الخارجية.

وفي عام 2016، وصف ميليباند ترامب بأنه "عنصري وكاره للنساء وشخص اعترف بنفسه بالتحرش الجنسي"، وهي تصريحات تقول مصادر مقربة من البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي لم ينسها، وقد تؤثر في طبيعة التعامل بين الجانبين مستقبلاً. كما جدد ميليباند وصف ترامب بالعنصرية في عام 2018، ما يزيد من حساسية العلاقة بين الوزير البريطاني الجديد والإدارة الأمريكية.


خفض سقف الغباء

 تاريخ طويل من الشتائم التي وجهها ميليباند لترامب، ففي عام 2017، قال ميليباند إن ترامب "خفض سقف الغباء إلى مستوى جديد"، كما شارك لاحقًا في مسيرة مناهضة للرئيس الأمريكي في لندن تحت شعار "أوقفوا ترامب".

كما انتقد ميليباند ما وصفه بـ"العلاقة الغريبة للغاية بين ترامب وروسيا"، واتهمه بخفض معايير الخطاب والممارسة السياسية.

ولم تقتصر الخلافات بين الرجلين على القضايا السياسية، إذ وصف وزير الخارجية البريطاني الجديد انتقادات ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي لموقف بريطانيا من التنقيب عن النفط والغاز بأنها "غير ذات صلة".

هل سيكون ميليباند المعارض مختلفا عن ميليباند الوزير؟


وأعاد الناشط جي ستيورات نشر مقطع يظهر فيه وهو يوجه انتقادات حادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل سنوات، متّهماً إياه بتبنّي مواقف تتعارض مع القيم الديمقراطية.

وقال ميليباند في المقطع عن ترامب: "الأهم من ذلك هي قيمه؛ عنصريته، وكراهيته للنساء، واحترامه للأنظمة الاستبدادية، وازدراؤه الواضح للأنظمة الديمقراطية. أعتقد أنه من المهم اتخاذ موقف من ذلك، لأنني أرى أن قيمه ومواقفه تبدو أقرب إلى جانب الاستبداد، وليس إلى القيم الديمقراطية التي أعتقد أنها مشتركة بين مختلف الأحزاب السياسية في بريطانيا".

 وتساءلت العديد من الحسابات التي أعادت نشر ذات الفيديو عما إذا كان ميليباند سيحافظ على موقفه السابق خلال تعامله مع ترامب من موقعه الجديد، مشيرة إلى أن "انتقاد السياسيين من موقع المعارضة يختلف عن إدارة العلاقات عندما يكون الشخص في موقع المسؤولية".


ترامب لا ينسى .. ووزير بريطاني يوضح 

ونقلت صحيفة الإندبندنت عن أحد المقربين من الرئيس الأمريكي قوله بشأن تصريحات ميليباند السابقة: "ترامب لا ينسى، ولن ينسى. ميليباند أمامه مهمة دبلوماسية صعبة لإصلاح العلاقة".

من جهته دافع وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز عن قدرة الحكومة البريطانية على التعامل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد تذكيره بتصريحات سابقة لوزير الخارجية الجديد إد ميليباند انتقد فيها ترامب بشدة.

وخلال مقابلة مع المذيعة صوفي ريدج، أشارت الأخيرة إلى أن ميليباند وصف ترامب عام 2016 بأنه "عنصري وكاره للنساء ومتحرش اعترف بذلك بنفسه"، في إشارة إلى تصريحاته السابقة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية.

ورد رينولدز قائلًا إن الولايات المتحدة تضم "مجموعة قوية جدًا من الأشخاص"، في محاولة للتقليل من المخاوف بشأن تأثير مواقف ميليباند السابقة على العلاقات بين لندن وواشنطن.


كما سبق لميليباند أن وجه انتقادات لاذعة إلى ترامب، قائلاً: "يجب أن نبذل قصارى جهدنا في الداخل والخارج لمقاومة أسوأ ما تمثله الترامبية... إنها أيام مظلمة بالنسبة لأمريكا والعالم، ولا يكاد يكون هناك ما يبعث على العزاء في الوقت الراهن."

قنوات اليمين تهاجم ميليباند

وعلى الفور، بدأت وسائل إعلام ومنصات محسوبة على اليمين المتطرف في بريطانيا التعبير عن رفضها لتعيين إد ميليباند وزيراً للخارجية، معتبرة أن اختياره قد يلحق ضرراً بالعلاقات الخاصة بين لندن وواشنطن.

وشنّت قناة Talk، المعروفة بتوجهاتها اليمينية ودعمها لتيار ترامب، تغطية خاصة لمهاجمة قرار تعيين ميليباند، واعتبرته خياراً خاطئاً قد يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات مع الإدارة الأمريكية، وربما يتجاوز تأثيره ما حدث خلال فترة رئاسة كير ستارمر للحكومة.

وخلال إحدى حلقات القناة، وصف أحد الضيوف المشهد المتوقع بين ميليباند وترامب قائلاً: "سيسعى ترامب للوصول إليه، تماماً كقرشٍ يشمّ رائحة الدم في الماء"، في إشارة إلى التوتر المحتمل بين الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية البريطاني الجديد بسبب مواقف الأخير السابقة المناهضة لترامب.


رسالتي لإيلون ماسك: اذهب للجحيم

ولم تقتصر مواقف ميليباند المنتقدة لدوائر الرئيس الأمريكي على ترامب نفسه، إذ شن العام الماضي هجوماً على أحد أبرز حلفائه والمقربين منه، الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، خلال مؤتمر حزب العمال.

واتهم ميليباند ماسك بـ"التحريض على العنف في شوارع بريطانيا"، كما انتقد دوره في نشر ما وصفها بـ"المعلومات المضللة" عبر منصة "إكس" التي يملكها.

وفي خطابه أمام مؤتمر حزب العمال العام الماضي، قال ميليباند إن التهديد الأكبر الذي تواجهه المملكة المتحدة يمكن اختزاله في كلمتين: "إيلون ماسك"، قبل أن يوجه له رسالة حادة قائلاً: "اذهب إلى الجحيم".


ويُعرف ميليباند، الذي سبق أن شغل مناصب وزارية عدة، بمواقفه الداعمة لسياسات المناخ والانتقال إلى الطاقة النظيفة، كما تبنى في السابق مواقف ناقدة تجاه بعض سياسات إدارة ترامب، وهو ما قد ينعكس على طبيعة التعاون بين البلدين في عدد من الملفات الدولية.

آبار النفط والغاز


يُعد إد ميليباند من أبرز المدافعين داخل حزب العمال عن سياسة تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وقد اتخذ موقفاً معارضاً لمنح تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، معتبراً أن التوسع في استخراج الوقود الأحفوري لا يمثل حلاً لأزمة الطاقة في بريطانيا، ولا يؤدي بالضرورة إلى خفض فواتير الطاقة.

وكان ميليباند في قلب الجدل حول مشاريع كبرى مثل حقلي روزبانك (Rosebank) وجاكدَو (Jackdaw) في بحر الشمال، حيث واجه ضغوطاً من المحافظين وشركات الطاقة للموافقة على مزيد من عمليات التنقيب، بينما دافع هو عن تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة النووية باعتبارها الطريق لتحقيق أمن الطاقة على المدى الطويل.

يهودي اشتراكي ديمقراطي تقدمي


وُلد ميليباند عام 1969 في لندن، وهو ابن رالف ميليباند (Ralph Miliband)، أحد أبرز المفكرين الماركسيين في بريطانيا خلال القرن العشرين، وماري بيل (Marion Kozak)، الناشطة في قضايا اليسار وحقوق الإنسان.

فرّ والداه من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. كان والده رالف، واسمه الأصلي أدولف ميلبانك (Adolf Miliband)، قد وُلد في بلجيكا عام 1924 لعائلة يهودية بولندية الأصل، وفرّ مع والده من الاحتلال النازي إلى بريطانيا خلال الحرب. فقدت عائلة رالف عدداً من أفرادها خلال المحرقة النازية، وهي تجربة أثرت في كتاباته ومواقفه السياسية لاحقاً.

أما والدته ماري بيل، فهي أيضاً من عائلة يهودية بولندية الأصل، وكان والدها ناشطاً في الحركة الصهيونية اليسارية قبل الحرب العالمية الثانية.

اظهار أخبار متعلقة



نشأ إد ميليباند في بيئة فكرية يسارية؛ فقد كان والده من أبرز منتقدي الرأسمالية والمدافعين عن الفكر الاشتراكي، وهو ما ترك أثراً على اهتماماته السياسية المبكرة. ومع ذلك، يصف ميليباند نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي وليس ماركسياً، كما أن مواقفه السياسية بشأن إسرائيل والشرق الأوسط أثارت نقاشات واسعة؛ إذ انتقد بعض سياسات الحكومات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه أكد حق إسرائيل في الوجود وأدان معاداة السامية.

يُذكر أن شقيقه الأكبر ديفيد ميليباند كان أيضاً قيادياً بارزاً في حزب العمال، وشغل منصب وزير الخارجية البريطاني بين عامي 2007 و2010، قبل أن يخسر أمام إد ميليباند في انتخابات زعامة الحزب عام 2010.
التعليقات (0)