ضمن حملة عالمية.. فرنسا تبدأ في تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي

يدخل القانون الفرنسي حيز التنفيذ اعتبارا من الأول من سبتمبر المقبل- الأناضول
يدخل القانون الفرنسي حيز التنفيذ اعتبارا من الأول من سبتمبر المقبل- الأناضول
شارك الخبر
أصبحت فرنسا أحدث دولة تنضم إلى التوجه العالمي الرامي إلى تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، بعدما أقرت، الثلاثاء، قانونا تاريخيا يحظر الوصول إلى بعض حسابات هذه المنصات على من هم دون سن الخامسة عشرة، لتكون أول دولة أوروبية تعتمد مثل هذا التشريع.

وجاء إقرار القانون بأغلبية واسعة في مجلسي البرلمان الفرنسي، على أن يدخل حيز التنفيذ اعتبارا من الأول من أيلول/ سبتمبر.

كما يتضمن توسيع نطاق حظر استخدام الهواتف المحمولة ليشمل المدارس الثانوية، بعدما كان مطبقا بالفعل في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

ووفق تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الثلاثاء، يعد القانون أحد الأولويات الشخصية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما ينظر إليه باعتباره مؤشرًا على توجه قد تتبناه دول أوروبية أخرى، في وقت تعمل فيه عدة حكومات على إعداد تشريعات مماثلة استجابة للمخاوف المتعلقة بالتنمر والإكراه عبر الإنترنت، والتعرض للمحتوى المتطرف، وتهديدات المتحرشين، والأضرار المحتملة على الصحة النفسية.

والمفارقة، أعلن ماكرون إقرار القانون عبر وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، إذ كتب عقب تصويت الجمعية الوطنية: "لقد وعدت بذلك، والآن تم التصويت عليه: سيتم حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 15 عامًا اعتبارًا من العودة إلى المدارس".

اظهار أخبار متعلقة



ويأتي التحرك الفرنسي ضمن موجة دولية متصاعدة في هذا الاتجاه، إذ أصبحت أستراليا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي أول دولة في العالم تمنع من هم دون السادسة عشرة من استخدام العديد من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، كما اتجهت بريطانيا وكندا الشهر الماضي إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، بينما أعدت كل من إيطاليا وبولندا والبرتغال وإسبانيا مشاريع قوانين بهذا الشأن، فيما يُتوقع أن يقدم الاتحاد الأوروبي إجراءات موحدة على مستوى التكتل خلال شهر أيلول/ سبتمبر.

ورغم ذلك، تشير المؤشرات الأولية إلى أن الحظر الأسترالي لم ينجح إلى حد كبير في إبعاد المراهقين صغار السن عن وسائل التواصل الاجتماعي. كما يُرجح أن تقع مسؤولية تنفيذ القانون الفرنسي عمليًا على عاتق الاتحاد الأوروبي أكثر من الحكومة الفرنسية، التي تمتلك أدوات قانونية محدودة للتعامل مع منصات الإنترنت الدولية الكبرى.

في المقابل، انتقدت شركات وسائل التواصل الاجتماعي القيود المرتبطة بالعمر، مؤكدة أنها تطبق بالفعل إجراءات لحماية المستخدمين صغار السن، فيما وصف مالك منصة "إكس" إيلون ماسك هذه القوانين بأنها "وسيلة غير مباشرة" للسيطرة على الوصول إلى الإنترنت.

وقالت جيسيكا غاليسير، الباحثة البارزة في السياسات لدى مركز الأبحاث "إنترفيس" ومقره برلين: "فرنسا تريد الدفع بتشريعها الخاص من أجل أن يتحرك الاتحاد الأوروبي، وأن يتحرك بسرعة. أرى الأمر أكثر باعتباره إعلانًا سياسيا".

اظهار أخبار متعلقة



وبالنسبة لماكرون، الذي تمنعه القيود الدستورية من الترشح لولاية جديدة وسيغادر منصبه في أيار/ مايو 2027، فمن المرجح أن يشكل هذا القانون أحد آخر الإنجازات التشريعية خلال عقده في السلطة.

وكان الرئيس الفرنسي قد قال العام الماضي: "من الواضح أنه قبل سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، ليست وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا جيدًا. وذلك لأننا في هذا العمر لم نكن قد رسخنا بعد الجوانب العاطفية والانفعالية والإدراكية بشكل كاف".

وشبه ماكرون الأمر بالقوانين التي تقيد استهلاك الكحول من قبل صغار السن، معتبرا أنها أسهمت في تغيير السلوك، وأضاف: "قبل ستين عامًا، كان الأطفال يُقدم لهم النبيذ. وربما لا يزال هناك من يقدم الجعة للرضع، لكنني أعتقد أنهم لم يعودوا يشكلون الأغلبية في البلاد اليوم".

ويأتي القانون أيضا في سياق السياسة الفرنسية الهادفة إلى ما يسميه المسؤولون "استعادة السيادة التكنولوجية" من الولايات المتحدة والصين، إذ أعلنت باريس خططا لاستبدال تطبيق "زوم" وغيره من البرمجيات الأمريكية ببدائل فرنسية مطورة محليا.

وقالت غاليسير إن التشريع الجديد يمكن فهمه ضمن هذا الإطار، لكون أكثر منصات التواصل الاجتماعي استخدامًا في فرنسا أمريكية وصينية.

ورغم إقرار القانون بسهولة، واجه اعتراضات من بعض أطراف اليسار، التي رأت أنه لا يميز بصورة كافية بين الخدمات التي ينبغي أن تخضع للتحقق من العمر. كما أعلن نواب من حزب "فرنسا الأبية"، وهو حزب يساري متطرف، معارضتهم للقانون، معتبرين أنه يهدد مبدأ إخفاء الهوية على الإنترنت.

وسبق اعتماد القانون مفاوضات مطولة بين أعضاء مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية بشأن صياغته، وكان الهدف الأساسي منها ضمان توافقه مع متطلبات الاتحاد الأوروبي، بعدما دفعت ملاحظات أوروبية على مسودة سابقة إلى حذف عدد من بنودها.

اظهار أخبار متعلقة



وبموجب أحكام القانون، ستُلزم منصات التواصل الاجتماعي باستخدام أنظمة للتحقق من العمر لمنع المستخدمين القاصرين من الوصول إليها، مع استثناءات تسمح للشباب باستخدام الموسوعات الإلكترونية وغيرها من الخدمات الرقمية ذات الأغراض التعليمية. ولا ينص القانون على فرض عقوبات على الأطفال أو أولياء الأمور، كما لا يحدد عقوبات صريحة بحق مزودي الخدمات.

ونظرا إلى أن معظم المنصات المستهدفة لا تتخذ من فرنسا مقرًا لها، فإن مسؤولية التنفيذ الأساسية ستقع على عاتق المفوضية الأوروبية، بصفتها الهيئة التنفيذية الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، أو على الدول التي تستضيف مقار تلك الشركات، وذلك من خلال قانون السلامة الرقمية الهادف إلى حماية الأطفال من الآثار الضارة لوسائل التواصل الاجتماعي.

وكان الاتحاد الأوروبي قد تلقى مؤخرًا تقريرًا من خبراء أوصى بعدم السماح للأطفال دون الثالثة عشرة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي إلا تحت إشراف، كما أوصى بالسماح لمن تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا باستخدام المنصات التي توفر مزايا أمان، مثل وضع حدود للتمرير اللانهائي، وأضاف أن الأطفال دون سن الثالثة ينبغي ألا يتعرضوا للشاشات إطلاقا.

ومن المنتظر أن تقدم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إجراءات جديدة خلال شهر سبتمبر، إلا أن جيسيكا غاليسير قالت إن تنفيذها قد يستغرق عامًا أو عامين، وهو ما يفسر، بحسب رأيها، استعجال فرنسا في إقرار تشريعها.
التعليقات (0)