أجرى رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي
بيرنهام تعديلاً واسعاً على
الحكومة عقب توليه رئاسة الوزراء خلفاً لكير ستارمر،
في خطوة عكست رغبته في رسم ملامح سياسية مختلفة للحكومة العمالية، مع الإبقاء في
الوقت نفسه على عدد من الوجوه البارزة من عهد سلفه.
وشملت التغييرات حقائب سيادية واقتصادية وأمنية
رئيسية، فيما أسند بيرنهام مناصب محورية إلى شخصيات ذات خبرة حكومية وبرلمانية، في
محاولة لتشكيل فريق قادر على التعامل مع ملفات داخلية ضاغطة، بينها أزمة تكاليف
المعيشة والخدمات العامة والإسكان، إلى جانب تحديات
السياسة الخارجية والدفاع
والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
وجاء الإعلان عن الحكومة الجديدة بعد ساعات
من تولي بيرنهام منصب رئيس الوزراء، ليصبح بذلك سابع رئيس حكومة بريطاني خلال عقد،
في ظل مرحلة سياسية تتسم بقدر كبير من عدم الاستقرار وتنامي الضغوط على حزب
العمال، فضلاً عن صعود قوى شعبوية ومنافسة حزبية جديدة. وأكد بيرنهام في أول خطاب
له أمام مقر رئاسة الوزراء عزمه على إنهاء حالة عدم الاستقرار السياسي، والعمل على
مواجهة أزمة تكاليف المعيشة ووضع خطة وطنية طويلة الأمد، فيما أظهرت
التشكيلة
الوزارية أن رئيس الحكومة الجديد أراد الجمع بين الاستمرارية والتغيير.
جون هيلي.. من الدفاع إلى الخزانة
من أبرز التحولات في الحكومة الجديدة تعيين
جون هيلي في منصب وزير الخزانة، بعدما كان يشغل حقيبة الدفاع في حكومة ستارمر.
ويمثل انتقال هيلي إلى الموقع الاقتصادي
الأهم في الحكومة أحد أبرز مؤشرات إعادة ترتيب
الأولويات داخل السلطة التنفيذية،
في وقت يواجه فيه بيرنهام ضغوطاً مالية كبيرة، ويحتاج إلى الموازنة بين وعوده
المتعلقة بتخفيف أعباء المعيشة وبين القيود التي تفرضها المالية العامة.
ويأتي اختيار هيلي، المعروف بخبرته السياسية
والحكومية، في وقت يتعين فيه على الحكومة الجديدة اتخاذ قرارات صعبة بشأن الإنفاق
العام والاستثمار والخدمات، إضافة إلى تنفيذ الوعود التي قطعها بيرنهام خلال حملته
السياسية.
ويحل هيلي محل راشيل ريفز، التي كانت واحدة
من أبرز الوجوه الاقتصادية في حكومة ستارمر، قبل أن تغادر منصبها مع تشكيل الحكومة
الجديدة. ويشير التغيير إلى رغبة بيرنهام في إحداث تحول في النهج الاقتصادي، وإن
كان ذلك لا يعني بالضرورة انقلاباً كاملاً على السياسات المالية التي اتبعتها
حكومة ستارمر.
ويس ستريتنغ.. من الصحة إلى الدفاع
وفي تحول لافت آخر، انتقل ويس ستريتنغ من
وزارة الصحة إلى وزارة الدفاع، ليصبح أحد أبرز أعضاء حكومة بيرنهام الجديدة.
ويأتي تعيين ستريتنغ في حقيبة الدفاع في وقت
تواجه فيه
بريطانيا تحديات أمنية متزايدة، في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات
الدولية، فضلاً عن النقاشات الأوروبية المتصاعدة بشأن مستقبل الأمن والدفاع في
القارة.
ويحمل ستريتنغ خبرة سياسية واسعة، لكنه يدخل
إلى وزارة الدفاع في مرحلة مختلفة عن مهمته السابقة في قطاع الصحة، حيث سيكون عليه
التعامل مع ملفات تتصل بالإنفاق العسكري والتعاون مع حلف شمال الأطلسي، والعلاقات
الأمنية مع أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب استمرار الدعم البريطاني لأوكرانيا.
ويعكس اختياره، وفق قراءة سياسية للتشكيلة،
اعتماد بيرنهام على شخصيات معروفة داخل حزب العمال، مع إعادة توزيعها على حقائب
تتناسب مع أولويات الحكومة الجديدة.
إد ميليباند.. عودة إلى الخارجية
احتفظ إد ميليباند بموقع بارز في المشهد
الحكومي، إذ تولى منصب وزير الخارجية في حكومة بيرنهام.
ويعد ميليباند من أكثر الشخصيات خبرة في حزب
العمال، وتأتي عودته إلى رأس الدبلوماسية البريطانية في مرحلة دولية معقدة، تشمل
الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات البريطانية مع
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كما سيكون أمامه ملف إعادة صياغة علاقة
بريطانيا بأوروبا، خصوصاً أن بيرنهام ورث من ستارمر أجندة "إعادة ضبط"
العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، في وقت تسعى فيه لندن إلى تحسين التعاون الاقتصادي
والأمني مع بروكسل من دون إعادة فتح ملف الانضمام إلى الاتحاد أو السوق الموحدة.
ومن المنتظر أن يكون ميليباند أحد أبرز
الوزراء في التعامل مع العواصم الأوروبية، إلى جانب ملفات العلاقات مع واشنطن
والحلفاء في حلف شمال الأطلسي.
يفيت كوبر.. من الداخلية إلى الصحة
في تغيير آخر لافت، انتقلت يفيت كوبر من
وزارة الداخلية إلى وزارة الصحة.
ويأتي هذا التعيين في وقت يعاني فيه نظام
الصحة الوطني البريطاني من ضغوط متراكمة، تشمل قوائم الانتظار ونقص الكوادر
وتحديات التمويل، ما يجعل حقيبة الصحة واحدة من أكثر الوزارات حساسية أمام الرأي
العام.
وتحمل كوبر خبرة سياسية طويلة، ومن المتوقع
أن توظف خبرتها الحكومية في إدارة ملف الخدمات العامة، خصوصاً أن الصحة كانت من
القضايا التي احتلت موقعاً مركزياً في النقاش السياسي البريطاني خلال السنوات
الماضية.
ويشير انتقالها إلى أن بيرنهام يضع إصلاح
الخدمات العامة في قلب أجندته، في محاولة لإعادة بناء الثقة بالحكومة وتحسين أداء
مؤسسات الدولة.
شابانا محمود.. استمرار في وزارة الداخلية
في مقابل التغييرات الواسعة، اختار بيرنهام
الإبقاء على شابانا محمود في منصب وزيرة الداخلية.
ويعكس استمرار محمود رغبة رئيس الوزراء
الجديد في الحفاظ على قدر من الاستقرار في ملف الأمن والهجرة، وهما من أكثر
الملفات حساسية في بريطانيا، خصوصاً في ظل صعود الخطاب المناهض للهجرة وتزايد
الضغوط السياسية على الحكومة بشأن مراقبة الحدود.
ويأتي بقاؤها أيضاً ضمن مجموعة محدودة من
الوجوه التي حافظت على مواقعها أو بقيت قريبة من مراكز القرار في الانتقال من
حكومة ستارمر إلى حكومة بيرنهام.
أنجيلا راينر.. الإسكان ومواجهة التشرد
عادت أنجيلا راينر إلى واجهة الحكومة من
خلال تولي حقيبة الإسكان، في موقع ينسجم مع أحد أبرز التعهدات التي أطلقها بيرنهام
في بداية ولايته، وهو العمل على معالجة أزمة التشرد والسكن.
ويضع رئيس الوزراء الجديد ملف الإسكان ضمن
أولوياته الداخلية، في وقت تواجه فيه بريطانيا أزمة ارتفاع أسعار المساكن
والإيجارات، إلى جانب تزايد أعداد المشردين والضغوط التي تواجهها المجالس المحلية.
ويُنظر إلى تعيين راينر باعتباره مؤشراً على
اهتمام الحكومة الجديدة بالسياسات الاجتماعية والمحلية، خصوصاً أن بيرنهام بنى
جانباً من صورته السياسية على تجربته في إدارة مانشستر الكبرى، وعلى فكرة نقل مزيد
من الصلاحيات من المركز إلى المناطق.
لويز هايغ.. في قلب الحكومة الجديدة
تولت لويز هايغ منصب الوزيرة الأولى ووزيرة
ديوان لانكستر، لتصبح واحدة من الشخصيات الرئيسية في الفريق الوزاري الجديد.
ويمنح هذا الموقع هايغ دوراً محورياً في
تنسيق عمل الحكومة ومتابعة الملفات الاستراتيجية، فضلاً عن قربها من مركز القرار
في داونينغ ستريت.
ويُعد اختيارها إشارة إلى رغبة بيرنهام في
تشكيل فريق داخلي قادر على إدارة الحكومة ومتابعة تنفيذ أجندته السياسية، في وقت
تحتاج فيه الحكومة الجديدة إلى سرعة في اتخاذ القرار بعد مرحلة اتسمت بالتوترات
داخل حزب العمال.
جوناثان رينولدز.. عودة إلى وزارة الأعمال
عاد جوناثان رينولدز إلى وزارة الأعمال، في
وقت تواجه فيه الحكومة البريطانية تحديات اقتصادية وتجارية كبيرة.
وسيكون أمامه ملف العلاقات التجارية مع
الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى المفاوضات المتعلقة بالتعريفات الجمركية وحماية
التجارة البريطانية، ولا سيما في ظل المنافسة الاقتصادية العالمية والتحديات
المرتبطة بالصين.
كما سيكون لرينولدز دور في الملفات التي
تربط السياسة الصناعية البريطانية بالعلاقات الأوروبية، خصوصاً أن حكومة بيرنهام
تسعى إلى تعزيز التعاون مع بروكسل من دون التراجع عن الخطوط الحمراء التي وضعتها
الحكومات البريطانية بعد خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
مياتا فانبولي.. الطاقة في قلب التغيير
أسند بيرنهام حقيبة الطاقة إلى مياتا
فانبولي، في خطوة تضعها أمام ملف يرتبط مباشرة بأزمة تكاليف المعيشة وبمستقبل
الاقتصاد البريطاني.
وتعد الطاقة من أكثر الملفات حساسية بالنسبة
للأسر البريطانية، إذ ترتبط أسعارها بصورة مباشرة بمستوى المعيشة والتضخم، كما
تتصل في الوقت ذاته بسياسة البلاد الصناعية والتحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
ومن المتوقع أن تحاول الحكومة الجديدة الجمع
بين خفض كلفة الطاقة على المواطنين وبين تنفيذ خطط طويلة الأمد تتعلق بأمن الطاقة
والاستثمار في البنية التحتية.
أليكس نوريس.. وزارة العدل
تولى أليكس نوريس منصب وزير العدل، في وقت
تواجه فيه بريطانيا تحديات متعلقة بأداء النظام القضائي والسجون وسيادة القانون.
ويأتي تعيينه ضمن عملية إعادة توزيع واسعة
للحقائب الحكومية، إذ يسعى بيرنهام إلى ضخ دماء جديدة في عدد من الوزارات، مع
الحفاظ على شخصيات تتمتع بخبرة في العمل الحكومي.
حمِش فالكونر.. مسؤول ملف أوروبا
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي،
عين بيرنهام حمِش فالكونر وزيراً لشؤون أوروبا، خلفاً لنيك توماس-سيموندز.
ويمتلك فالكونر خبرة في السياسة الخارجية
والعمل الأمني، بعدما أمضى سنوات في وزارة الخارجية وشغل أدواراً مرتبطة بالإرهاب
الدولي واستعادة الرهائن ومكافحة الاتجار بالبشر، كما كان وزيراً لشؤون الشرق
الأوسط في حكومة ستارمر.
ويأتي تعيينه في وقت تدخل فيه العلاقات
البريطانية الأوروبية مرحلة جديدة، إذ ورث بيرنهام مسار "إعادة الضبط"
الذي بدأه ستارمر، وسط مفاوضات حول التجارة والتنقل الشبابي والتعاون الأمني
والطاقة.
من بقي ومن غادر؟
تكشف التشكيلة الجديدة أن بيرنهام لم يقدم
قطيعة شاملة مع حكومة ستارمر، لكنه أجرى تغييرات في مواقع استراتيجية، وأبعد عدداً
من أبرز المقربين من رئيس الوزراء السابق.
ومن أبرز المغادرين راشيل ريفز من وزارة
الخزانة، وديفيد لامي من موقعه الحكومي، إلى جانب عدد من الوزراء الآخرين، بينما
احتفظ بيرنهام بشخصيات مثل شابانا محمود، وأعاد توزيع شخصيات أخرى على حقائب
مختلفة.
وتشير هذه التغييرات إلى محاولة لإعادة بناء
التوازن داخل حزب العمال، بعدما ارتبطت حكومة ستارمر في مرحلتها الأخيرة بأزمة
سياسية داخلية وتراجع في الثقة الشعبية، وفق تقارير إعلامية بريطانية.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود عدد من الوزراء
الذين عملوا في حكومة ستارمر يكشف أن بيرنهام لا يريد، على الأقل في بداية ولايته،
هدم الجهاز الحكومي السابق وإعادة بنائه بالكامل، بل يبدو أنه يسعى إلى الجمع بين
شخصيات ذات خبرة واستقدام وجوه أكثر قرباً من رؤيته السياسية.
حكومة جديدة أمام ملفات قديمة
ورغم اتساع التعديل الوزاري، فإن الحكومة
الجديدة ستواجه كثيراً من الملفات التي ورثتها عن حكومة ستارمر، وفي مقدمتها أزمة
الاقتصاد وتكاليف المعيشة، وضغوط الخدمات الصحية، وأزمة الإسكان، والهجرة،
والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
وعلى الصعيد الخارجي، سيبقى دعم أوكرانيا
والتعاون الدفاعي مع أوروبا والولايات المتحدة من الملفات الأساسية، فيما سيكون
على وزير الخارجية إد ميليباند التعامل مع أزمات دولية متشابكة.
أما العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، فستشكل
اختباراً مبكراً للحكومة الجديدة، إذ لا تزال لندن وبروكسل تعملان على عدد من
الاتفاقات المتعلقة بتسهيل التجارة والتعاون في مجال الطاقة ونظام تداول
الانبعاثات، إضافة إلى برنامج للتنقل الشبابي لا تزال المفاوضات بشأنه تواجه
خلافات حول أعداد المشاركين والرسوم الدراسية والرسوم الصحية.
ويبدو أن بيرنهام حاول من خلال تشكيلته
الوزارية أن يرسل رسالة مزدوجة: تغيير واضح في الوجوه والأولويات، مع استمرار
محسوب في عدد من الملفات التي بدأها ستارمر. غير أن نجاح الحكومة الجديدة لن يتوقف
على أسماء الوزراء وحدها، بل على قدرتها على تحويل الوعود السياسية إلى نتائج
ملموسة في الاقتصاد والخدمات العامة والإسكان، في وقت لا تبدو فيه أمامها مساحة
كبيرة للمناورة المالية والسياسية.
وبذلك، فإن حكومة بيرنهام الأولى تبدو أقرب
إلى إعادة تموضع داخل حكومة حزب العمال منها إلى انقلاب كامل على إرث ستارمر؛ إذ
غيّر رئيس الوزراء مواقع عدد من كبار الوزراء، وأقصى بعض الوجوه المرتبطة بسلفه،
لكنه أبقى على خطوط عامة في السياسة الخارجية والدفاع والعلاقة مع أوروبا، بينما
وضع ملفات المعيشة والإسكان والخدمات العامة في مقدمة أولوياته. وتبقى المعضلة
الأساسية أمامه هي إثبات أن تغيير الحكومة قادر فعلاً على تغيير مسار البلاد، وليس
مجرد إعادة ترتيب للمقاعد الوزارية.
اظهار أخبار متعلقة