استقبل وزير الخارجية والتعاون الدولي
المالي عبد الله ديوب، الاثنين، السفير
الجزائري لدى مالي كمال رتيب، في خطوة تعكس
بداية مسار لإعادة تطبيع
العلاقات بين الجزائر وباماكو بعد أشهر من التوتر
والتصعيد السياسي.
وقالت وزارة الخارجية المالية، في بيان
مقتضب، إن اللقاء الذي وصفته بـ "زيارة المجاملة" يندرج في إطار "الجهود
الرامية إلى إعادة تنشيط وتعزيز علاقات التعاون والصداقة بين مالي والجزائر".
ويأتي اللقاء بعد أيام من إعلان البلدين
اتخاذ خطوات متزامنة باتجاه إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مسارها الطبيعي، في
أعقاب أزمة عميقة ألقت بظلالها على العلاقات بين الجارتين، وامتدت تداعياتها إلى
ملفات الأمن الإقليمي والوضع في شمال مالي ومنطقة الساحل.
وكانت الجزائر ومالي أعلنتا في 10
تموز/يوليو الجاري إعادة سفيريهما إلى منصبيهما، إلى جانب إعادة فتح المجال الجوي
بين البلدين أمام الرحلات، في خطوة شكلت مؤشراً أولياً على رغبة الطرفين في تجاوز
مرحلة القطيعة والعودة التدريجية إلى قنوات الاتصال الرسمية.
ويمثل لقاء ديوب بالسفير الجزائري أول
اجتماع رسمي معلن بين مسؤولين من البلدين منذ اتخاذ قرار إعادة العلاقات، ما يمنحه
أهمية رمزية في مسار استعادة التواصل الدبلوماسي بين الجزائر وباماكو.
بداية مسار لإعادة بناء الثقة
وتأتي عودة الاتصالات الرسمية بين الجزائر
ومالي بعد فترة شهدت توتراً غير مسبوق في العلاقات الثنائية، خصوصاً على خلفية
التطورات الأمنية والسياسية في شمال مالي، وتباين مواقف الطرفين بشأن آليات
التعامل مع الجماعات المسلحة والفاعلين المحليين في المنطقة.
وتحظى العلاقات بين البلدين بأهمية خاصة
بالنظر إلى الحدود المشتركة التي تمتد على مسافة طويلة، وإلى الروابط التاريخية
والاجتماعية والاقتصادية بين سكان المناطق الحدودية، فضلاً عن الدور الذي لعبته
الجزائر خلال السنوات الماضية في الوساطة بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في
شمال البلاد.
وكانت الجزائر قد اضطلعت بدور محوري في
رعاية اتفاق السلام والمصالحة الموقع في العاصمة الجزائرية عام 2015 بين الحكومة
المالية وعدد من الحركات المسلحة، وهو الاتفاق الذي شكّل لسنوات الإطار السياسي
الأبرز لمعالجة النزاع في شمال مالي.
غير أن الاتفاق واجه خلال السنوات الأخيرة
تحديات متزايدة، قبل أن تعلن السلطات الانتقالية في باماكو إنهاء العمل به، في
خطوة عكست تغيراً في مقاربة مالي للأزمة الأمنية والسياسية، وأثارت خلافات مع
الجزائر التي كانت ترى في الاتفاق مساراً مهماً لتحقيق الاستقرار في الجارة
الجنوبية.
أزمة دبلوماسية وخلافات أمنية
وتدهورت العلاقات بين الجزائر ومالي بشكل
حاد خلال الفترة الماضية، على خلفية خلافات مرتبطة بالوضع في شمال مالي، إذ تبادل
الطرفان الاتهامات بشأن التدخل في الشؤون الداخلية ودعم أطراف محلية.
وتفاقمت الأزمة بعد تصاعد التوتر حول
العمليات العسكرية في المنطقة، وخصوصاً بعد اتهامات متبادلة بشأن استخدام الطائرات
المسيرة والتعامل مع الجماعات المسلحة، في وقت كانت فيه منطقة الساحل تشهد إعادة
ترتيب واسعة للتحالفات الأمنية والعسكرية.
وتزامنت الأزمة الجزائرية المالية مع تحولات
إقليمية عميقة، تمثلت في تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل، وصعود أدوار جديدة
لفاعلين إقليميين ودوليين، فضلاً عن تشكيل تحالفات أمنية وسياسية جديدة بين مالي
والنيجر وبوركينا فاسو، وهي الدول التي اتجهت إلى تعزيز تعاونها ضمن إطار «تحالف
دول الساحل».
وأدى هذا التحول إلى تغيير طبيعة البيئة
السياسية والأمنية المحيطة بالجزائر، التي تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها مجالاً
حيوياً لأمنها القومي، وتولي أهمية خاصة لاستقرار دول الجوار ومنع تمدد الجماعات
المسلحة والنشاطات العابرة للحدود.
الجزائر ومالي.. مصالح مشتركة رغم الخلافات
ورغم الخلافات التي طبعت العلاقات خلال
الأشهر الماضية، فإن البلدين يرتبطان بمصالح مشتركة تجعل استمرار القطيعة أمراً
مكلفاً للطرفين، خصوصاً في ملفات الأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة
والتهريب والهجرة غير النظامية.
وتملك الجزائر حدوداً طويلة مع مالي، ما
يجعل التطورات الأمنية والسياسية في شمال البلاد ذات تأثير مباشر على أمنها، في
حين تحتاج مالي إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع جيرانها، وفي مقدمتهم الجزائر،
بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها التاريخي في المنطقة.
كما تمثل العلاقات الاقتصادية والتجارية أحد
المجالات التي يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة بناء العلاقات الثنائية، خصوصاً أن
استقرار الحدود وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع يمثلان مصلحة مشتركة للسكان
والمجتمعات المحلية.
ومن شأن إعادة فتح المجال الجوي بين البلدين
أن تسهم في استعادة حركة التنقل والتواصل، وأن توفر قناة عملية لاستئناف العلاقات
الاقتصادية والاجتماعية، بعد فترة من الجمود الذي فرضته الأزمة الدبلوماسية.
هل تنجح جهود التهدئة؟
ويشير اللقاء بين وزير الخارجية المالي
والسفير الجزائري إلى أن البلدين بدأا مرحلة جديدة من التواصل الرسمي، إلا أن
استعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الأزمة قد تتطلب وقتاً، خصوصاً في ظل
استمرار التباين بشأن عدد من الملفات الأمنية والسياسية.
وتبقى قضية شمال مالي، وفي مقدمتها مستقبل
اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة، من أبرز الملفات التي قد تحدد طبيعة المرحلة
المقبلة، إلى جانب موقف كل طرف من التحالفات الإقليمية الجديدة في منطقة الساحل.
كما أن استعادة الثقة بين البلدين لن تعتمد
فقط على إعادة السفراء وفتح المجال الجوي، وإنما ستتطلب، على الأرجح، معالجة
الملفات التي أدت إلى القطيعة، وإيجاد قنوات للحوار بشأن القضايا الأمنية
والسياسية الحساسة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى «زيارة
المجاملة» التي قام بها السفير الجزائري لدى مالي إلى وزير الخارجية المالي
باعتبارها خطوة بروتوكولية ذات دلالة سياسية، خصوصاً أنها تأتي في أعقاب قرار
إعادة السفراء وفتح المجال الجوي.
وقد تكون هذه الخطوة بداية لسلسلة من
الاتصالات واللقاءات بين مسؤولي البلدين، بهدف إعادة بناء الثقة تدريجياً وإحياء
التعاون الثنائي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الخلافات التي أدت إلى القطيعة قد
جرى تجاوزها بشكل كامل.
اختبار جديد للعلاقات
وتواجه الجزائر ومالي في المرحلة المقبلة
اختباراً مزدوجاً؛ فمن جهة، يتعين عليهما تثبيت مسار التهدئة ومنع عودة التصعيد
الدبلوماسي، ومن جهة أخرى، معالجة الملفات الإقليمية التي كانت سبباً رئيسياً في
تدهور العلاقات.
ويأتي ذلك في ظل مرحلة شديدة الحساسية في
منطقة الساحل، حيث تتداخل الأزمات الأمنية مع التحولات السياسية، وتتسابق القوى
الإقليمية والدولية على توسيع نفوذها، بينما تواجه دول المنطقة تحديات مرتبطة
بالإرهاب والجماعات المسلحة والحدود المفتوحة.
ومن هنا، فإن نجاح مسار المصالحة بين
الجزائر ومالي قد لا ينعكس على العلاقات الثنائية فحسب، وإنما قد تكون له تداعيات
أوسع على المشهد الأمني والسياسي في منطقة الساحل.
وبعد نحو 14 شهراً من القطيعة، يبدو أن
الجزائر وباماكو اختارتا العودة إلى طاولة التواصل، بدءاً بخطوات رمزية مثل إعادة
السفراء وفتح المجال الجوي، وصولاً إلى اللقاءات الرسمية التي كان آخرها استقبال
وزير الخارجية المالي للسفير الجزائري.
لكن الطريق نحو تطبيع كامل للعلاقات لا يزال
مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما، وخصوصاً تلك المتعلقة بالأمن في شمال
مالي، وعلى إيجاد أرضية مشتركة تسمح بإعادة بناء الثقة، في وقت تواجه فيه المنطقة
تحولات جيوسياسية متسارعة قد تجعل من استقرار العلاقة بين البلدين عاملاً مهماً في
معادلة أمن الساحل.
اظهار أخبار متعلقة