نشرت
صحيفة "نيويورك تايمز"
مقالا لمديرة مكتبها في العراق وإيران، إريكا
سولومون، قالت فيه إن الصراع بين
الولايات المتحدة وإيران، بعد أكثر من أسبوع من
الضربات التي أطاحت باتفاق هش لوقف إطلاق النار، بات يقف عند منعطف حرج للغاية.
ويرى
محللون أن الوقت قد حان لإيجاد سبيل لتهدئة هذه المواجهة المدمرة التي تتصاعد
حدتها بشكل متسارع، وإلا فإن الخطر يكمن في الانزلاق نحو حرب تخرج عن نطاق السيطرة
وتتجاوز قدرة الطرفين على احتوائها.
ورغم
تزايد مخاطر التصعيد، يؤكد المحللون أن أيا من الطرفين لا يرغب فعليا بخوض هذه
الحرب، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية الداخلية.
وأضافت
أنه على مدى الأيام القليلة الماضية، تبادلت طهران وواشنطن ضربات تجاوزت سريعا مجرد
استهداف المواقع العسكرية، لتزيد تدريجيا من حدة ومخاطر هذه الحرب المتجددة، فقد
استهدف الجانبان محطات للكهرباء وتحلية المياه، مما يهدد بحرمان عشرات الآلاف من
السكان من إمدادات الكهرباء والمياه وسط حرارة الصيف القاتلة في منطقة الخليج، كما
عادت حركة الملاحة عبر مضيق
هرمز الحيوي لتواجه عرقلة من جانب كل من طهران
وواشنطن، في حين أعادت الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ
الإيرانية.
وشملت
الضربات الأمريكية قصفا مكثفا للطرق والبنية التحتية في جنوب إيران، مما أسفر عن
مقتل مدنيين ومحاصرة آخرين، وأثار مخاوف من أن هذه التحركات تمهد الطريق لغزو
محتمل للمنطقة.
وفي
الوقت نفسه، أدت الضربات الإيرانية التي استهدفت القوات الأمريكية في الأردن إلى
مقتل جنديين أمريكيين وإصابة العشرات، مما جعل التكلفة البشرية للحرب أمرا ملموسا
وقريبا بالنسبة للأمريكيين، وقوّض في الوقت ذاته صورة الهيمنة العسكرية المطلقة
التي سعت إدارة ترامب لترسيخها.
اظهار أخبار متعلقة
وتقول
إيلي جيرانمايه، الخبيرة في الشأن الإيراني بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية:
"إنها لحظة صحوة للطرفين، فإما أن يسلكا مسار الحل الدبلوماسي الآن، أو
يخاطرا بانزلاق الحرب إلى مرحلة تتجاوز حدود التصعيد المحسوب".
ومع
توسع نطاق الأهداف التي يضربها الجانبان، يتسع أيضا النطاق الجغرافي المحتمل للحرب، إذ أن
تبادل الضربات المتزايد الذي يستهدف البنية التحتية في كل من إيران ودول الخليج
العربية قد يؤدي سريعا إلى دمار هائل يطال السكان المدنيين في المنطقة. سبق وأن
حذرت إيران من أنها إذا تعرضت لضربة قوية بما يكفي، فإنها ستستهدف منشآت خليجية
حيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
وكانت
السعودية، الحليفة للولايات المتحدة، قد قصفت الأسبوع الماضي مطارا يسيطر عليه
المتمردون الحوثيون المتحالفون مع إيران في العاصمة اليمنية صنعاء، وقالت
جيرانمايه إن هذا الأمر زاد من احتمالية أن تطلب طهران من حلفائها اليمنيين إغلاق
مضيق باب المندب، وهو ممر ملاحي حيوي في البحر الأحمر؛ إذ من شأن خطوة كهذه أن
تضاعف بسرعة المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي.
وتضيف
أن تكاليف تصعيد الصراع باهظة بالنسبة لكلا الطرفين. إذ تواجه كل من إدارة ترامب
والقيادة الإيرانية الجديدة المتشددة نفس المخاطر الاقتصادية والسياسية التي دفعت
حكومتيهما المتحاربتين -قبل شهر واحد فقط- إلى توقيع "مذكرة تفاهم"
غامضة الصياغة، كان الهدف منها التفاوض لإنهاء الصراع.
وكما
كان الحال آنذاك، لم تخف بعد تداعيات الحرب المدمرة على الاقتصاد العالمي، والتي
بدأت منذ الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الأولي على إيران في شباط/ فبراير الماضي.
كما أن توسيع نطاق هذه الحرب -التي لا تحظى بشعبية، تنطوي على خطر الإضرار بحلفاء
الرئيس ترامب من الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وتقول
أيضا إن الاقتصاد الإيراني كان في حالة سيئة
قبل الحرب لدرجة أنه أدى إلى اندلاع احتجاجات عمت البلاد وقوبلت بقمع دام.
والآن، وفي ظل ما لحق به من دمار واسع النطاق،
يواجه الاقتصاد الإيراني مأزقا خطيرا يزداد تفاقما بسبب الحصار الأمريكي المفروض
على سفنها.
إن العوامل
ذاتها التي تجعل التصعيد خطيرا للغاية بالنسبة لواشنطن وطهران قد تكون أيضا هي
المحرك لشن هجمات أكثر خطورة، في ظل سعي كل طرف لزيادة الضغط على الآخر.
وفي
هذا السياق، كتب حميد رضا عزيزي -وهو خبير أمني إيراني في المعهد الألماني للشؤون
الدولية والأمنية- على وسائل التواصل الاجتماعي: "لقد تحول الصراع الآن إلى
سباق مع الزمن وحرب استنزاف. وسيكون السؤال الحاسم هو: هل ستتجاوز سرعة تدهور
الأوضاع الاقتصادية والبنية التحتية في إيران وتيرة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن
حالة عدم الاستقرار في مضيق هرمز، أم أن العكس هو الذي سيحدث؟".
بدأ
الاستياء من التكلفة البشرية والاقتصادية للحرب يتزايد وضوحا في إيران، ففي يوم
السبت، وقعت 268 شخصية إيرانية بارزة، من
بينهم أكاديميون وسياسيون ورياضيون ورجال دين ونقابيون على عريضة بعنوان "لا
للحرب"؛ وهي خطوة تنطوي على مخاطرة في وقت تواصل فيه الحكومة المدعومة
بقاعدة متشددة تؤيد الحرب بشدة حملات القمع العنيف للمعارضة.
اظهار أخبار متعلقة
يقول
أوميد ميماريان، المحلل المختص بالشأن الإيراني في منظمة "داون" وهي
مؤسسة بحثية معنية بالشرق الأوسط تتخذ من واشنطن مقرا لها: "ستواجه الحكومة
صعوبة بالغة في إقناع الناس بضرورة مواصلة هذه الحرب على حساب دمار إيران؛ لذا فإن
الوقت يداهمهم أيضا".
ويرى
فرزان ثابت، المحلل المختص بالشأن الإيراني في معهد الدراسات العليا في جنيف
بسويسرا، أن الشعور بضيق الوقت هو على الأرجح ما دفع إيران لشن الهجمات على السفن
- وهي الخطوة التي أطلقت شرارة التصعيد الأخير ليس بهدف توسيع نطاق الحرب، بل لاغتنام مكاسب
استراتيجية متاحة لهم حاليا.
ويضيف
ثابت أنهم "رأوا أن أوراق الضغط التي يملكونها -والمتمثلة في القدرة على
السيطرة على المضيق- تتضاءل بسرعة"، وذلك في ظل تشجيع الولايات المتحدة للسفن
على الملاحة في الممر المائي بعيدا عن الرقابة الإيرانية خلال فترة وقف إطلاق
النار.
ويشير
ميماريان إلى أن هذه الهجمات ينبغي أن تفهم على أنها مساعٍ إيرانية "لضمان
حضورهم الفاعل على طاولة المفاوضات المحتملة"، وليس كإشارة إلى سعيهم لتحقيق
نصر عسكري؛ بل إن هذه الهجمات قد تؤدي بسهولة إلى نتائج عكسية، فعلى
سبيل المثال، لم تقتصر الضربات التي استهدفت مواقع أمريكية في الأردن على التسبب
في خسائر بشرية فادحة وأضرار لحقت بالمروحيات والمعدات، بل أكدت بشكل علني وواضح أن طهران لا تزال تمتلك القدرة على الرد، بل والتفوق أحيانا في المناورة على الجيش
الأمريكي الذي يفوقها قوة بمراحل.
ويوضح
ميماريان أن احتمالية أن تؤدي مثل هذه الهجمات إلى إثارة الغضب الشعبي في الولايات
المتحدة، أو استفزاز الرئيس ترامب المعروف بتقلب مزاجه، قد "وضعت ترامب
بوضوح في موقف يجعله أكثر ميلا للتصعيد العسكري".
وفي
الوقت نفسه، ونظرا لخطورة الرهانات الاقتصادية والسياسية، فإن الخيارات المتاحة
أمام ترامب للتصعيد تظل محدودة وغير جذابة.
قال ثابت إن من المرجح أن تحاول إدارة ترامب في
الفترة الممتدة من الآن وحتى أوائل أو منتصف شهر أغسطس- إضعاف القيادة الإيرانية
عسكريا، أو تدمير قدرة إيران على التحكم في حركة الملاحة في مضيق هرمز من خلال
هجمات غير متكافئة. ومع ذلك، أشار إلى عدم وجود مؤشرات تذكر على إمكانية نجاح
الولايات المتحدة في تحقيق ذلك.
وقال:
"أشك في أن أي تصعيد أمريكي محدود أو لمرة واحدة سيكون قادرا على تغيير حسابات
إيران بشكل جذري؛ فالأمر يتطلب حدثا هائلا يقلب الموازين تماما".
وثمة
نهج قد يحقق هذا الأثر يتمثل في شن غزو بري أمريكي، يرجح أن يستهدف جزيرة جنوبية
قريبة من المضيق؛ إذ ينظر العديد من الإيرانيين إلى الضربات الأمريكية المكثفة
التي استهدفت جنوب البلاد باعتبارها مقدمة محتملة لمثل هذه الحملة العسكرية.
اظهار أخبار متعلقة
من
جانبها، قالت جيرانمايه المحللة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن
المخاطر التي جعلت إدارة ترامب تحجم سابقا عن هذا الخيار -بدءا من احتمالية تكبد
خسائر بشرية فادحة ووصولا إلى خطر الدخول في احتلال طويل الأمد قد تفاقمت الآن؛
فالقوات الأمريكية ستواجه تحديات جديدة، مثل حرارة الصيف الشديدة، فضلا عن القوات
الإيرانية التي أمضت أشهرا في الاستعداد لمثل هذا الهجوم.
ورأى ثابت أنه في حال كان ترامب يدرس شن حملة كهذه،
فمن المرجح أن تتم بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث تكون المخاطر
السياسية المترتبة على ذلك أقل وطأة عليه.
ومع
ذلك، تظل الأيام المقبلة محفوفة بالمخاطر؛ ففي ظل حرص إيران على استعراض قوتها
العسكرية، ينطوي كل هجوم على خطر الوقوع في خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تفاقم
الحرب بدلا من التعجيل ببدء المفاوضات، وذلك حسبما ذكر ميماريان، من معهد "داون" (DAWN) البحثي
ومقره واشنطن.
وقال:
"أعتقد أن الوضع سيزداد سوءا بكثير قبل أن يبدأ في التحسن".