قصة رفض ضباط استبدال الخيول بالدبابات في الحربين العالميتين... ما علاقتها بترامب؟

شبّهت المجلة تمسك الجيوش بالأسلحة التقليدية اليوم بإصرار بعض القادة العسكريين سابقا على الإبقاء على الخيول رغم ظهور الدبابات- جيتي
شبّهت المجلة تمسك الجيوش بالأسلحة التقليدية اليوم بإصرار بعض القادة العسكريين سابقا على الإبقاء على الخيول رغم ظهور الدبابات- جيتي
شارك الخبر
في فترة ما بين الحربين العالميتين، لم يعتقد بعض الضباط العسكريين أن المركبات التي تعمل بمحركات الاحتراق ستحل محل الخيول في العمليات القتالية، فقد عارض ضباط الفرسان من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بشدة استبدال خيولهم المحبوبة بدبابات جديدة.

وأصرّ الكثيرون على أن المركبات المدرعة الثقيلة لن تتمكن أبدًا من التغلب على التضاريس الجبلية التي تتفوق فيها الخيول.

وفي هذا السياق، نشرت مجلة "ذي أتلانتك" تقريرا تناولت فيه هدر الولايات المتحدة مليارات الدولارات على أسلحة تقليدية باهظة، حيث تجاهلت تحول حروب العصر نحو الطائرات المسيرة والأنظمة الذاتية، مما يضع تفوقها العسكري في مواجهة مخاطر التمسك بنماذج قتالية عفا عليها الزمن. 

وقالت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن القادة العسكريين حول العالم في فترة ما بين الحربين العالمتين عارضوا استبدال الخيول بالدبابات؛ لقناعتهم بأن المركبات المدرعة لن تتمكن من اجتياز التضاريس الوعرة التي كانت الخيول تتفوق فيها. 

وفي عام 1925، وصف المشير السير دوغلاس هيغ، القائد العام لقوة الاستطلاع البريطانية على الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، الطائرات والدبابات الجديدة بأنها مجرد "ملحقات" لحرب ستظل نتيجتها محكومة بـ "الإنسان والحصان". وفي عام 1938، أبدى العميد هاميلتون إس. هوكينز، أحد أبرز المدافعين الأمريكيين عن استخدام الخيول في القتال، أسفه على ما سماه "الاندفاع الأعمى نحو الميكنة".

وأشارت المجلة إلى أن هذه الحجج ضمنت احتفاظ الجيشين الأمريكي والبريطاني بوحدات الفرسان حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. لكن عندما واجه الحصان الدبابة، تحولت أكثر الحجج الدفاعية عن الجيش الذي يعتمد على الخيول إلى مجرد هامش محرج في التاريخ العسكري.

اظهار أخبار متعلقة



وذكرت المجلة أن أكبر الجيوش في العالم، لا سيما الجيش الأمريكي، تقف الآن عند منعطف مشابه؛ فقد كشف نشر مركبات مسيرة رخيصة على نطاق واسع، في الحرب بين روسيا وأوكرانيا ومؤخراً في الحرب الأمريكية مع إيران، عن ضعف الدبابات والطائرات والسفن باهظة الثمن، واستحالة تحقيق تقدم كبير للقوات البرية. ومع ذلك، فشلت الجيوش الغربية في التعامل مع هذه الابتكارات، حيث تواصل التخطيط والإنفاق وكأن شيئاً لم يتغير.

وفي 2024، استبعد العميد دوغلاس ويكرت، المسؤول عن تقنيات الذكاء الاصطناعي بالقوات الجوية، تحقق الحروب الروبوتية في المدى القريب. وفي المقابل، طلبت وزارة الدفاع أكثر من 5 مليارات دولار خلال ميزانية 2027، لتمويل المقاتلة المأهولة "بوينغ إف-47"، وهي الأغلى عالمياً بتكلفة 300 مليون دولار للطائرة، ولا يُتوقع اختبارها قبل 2031. 

وأفادت المجلة أن الولايات المتحدة ليست القوة العسكرية الكبرى الوحيدة التي تستنزف مبالغ طائلة في أنظمة أسلحة قديمة؛ حيث تعمل فرنسا وألمانيا على تصميم دبابة جديدة لن تكون جاهزة قبل عام 2040، والصينيون يواصلون بالمثل تعزيز أسطولهم من حاملات الطائرات الضخمة، وسيبدأون قريباً العمل على بناء أضخم حاملة طائرات نووية في العالم.

وأشارت المجلة إلى أن الدروس المستفادة من الحروب الراهنة تؤكد أن الأنظمة المسيرة الأقل تكلفة تُغيّر موازين القوى في ساحة القتال، وأن المستقبل سيكون لأسلحة بلا عنصر بشري، كالصواريخ البالستية والكروز، والمركبات البرية والبحرية المسيرة، والطائرات المسيرة التي تصنعها أوكرانيا وروسيا والصين وإسرائيل وأمريكا بملايين النسخ.

وأضافت المجلة أن استمرار الإنفاق الأمريكي والعالمي على المعدات التقليدية المأهولة يهدر الموارد؛ إذ إن وجود العنصر البشري يجعل المركبات أضخم وأكثر عرضة للتتبع وأصعب في النشر، فضلاً عن تكلفتها الباهظة، حيث يصل ثمن خوذة طيار "إف-35" وحدها إلى نحو 700 ألف دولار.

وأوضحت المجلة أن المؤسسات العسكرية تقاوم التغيير بطبعها، ويفضل مسؤولو المشتريات المألوف، وشركات الدفاع ترغب في الاستمرار بإنتاج ما تعرفه، والمشرعون يسعون لحماية الوظائف في دوائرهم، ما دفع قادة الصناعة الدفاعية لإنكار حقيقة أن تكنولوجيا المسيرات تعيد تشكيل ساحة المعركة في أوكرانيا.

اظهار أخبار متعلقة



وذكرت المجلة أن إخراج العنصر البشري من قمرة القيادة لا يعني إبعاده عن القتال، بل وضعه في مكان أكثر أمانًا، مستشهدة بالتجربة الأوكرانية التي حققت نجاحات حين قلصت عدد الجنود في الخطوط الأمامية واعتمدت على الأنظمة المسيرة التي يُعزى إليها أكثر من 90 بالمئة من الخسائر الروسية.

وأفادت المجلة أن الجدل حول كون الأسلحة ذاتية التشغيل مجرد أدوات تكميلية أو ابتكارات جوهرية يندرج ضمن نقاش طويل حول "الثورة في الشؤون العسكرية"؛ فقد نشأت فكرة أن التكنولوجيا تغير ساحة المعركة جذريّٕا من المخططين السوفييت في السبعينيات، لكنها ترسخت عالمياً عقب حرب الخليج الأولى عام 1991 التي أثبتت فاعلية الأسلحة الموجهة بدقة.

لقد ساعدت الثقة المفرطة في ساحة المعركة الرقمية في إقناع الولايات المتحدة بأن تفوقها التقني كافٍ لحسم المعارك المستقبلة، وذلك رغم الأدلة التي أثبتت فشل ذلك في العراق وأفغانستان، حيث استمر البنتاغون في المراهنة على أنظمة أسلحته الأكثر تعقيداً وباهظة الثمن رغم تغير طبيعة النزاعات.

وقالت المجلة إن التجارب اللاحقة لم تفلح في كبح غرور الجيش الأمريكي، الذي اعتقد أن تفوقه التقني يغنيه عن تعلم دروس الحرب الجديدة من الأوكرانيين، وهذا التفكير القاصر هو ما جعل الرئيس ترامب غير مستعد بالشكل الكافي في حربه ضد إيران.

وأشارت المجلة إلى أن تنامي دور الآلات التي يتم تشغيلها بشرياً عن بُعد، أو المبرمجة للعمل ذاتياً، يمثل "نزعاً جوهرياً للطابع الإنساني" عن الحروب، وهو ما يحمل تبعات هائلة على كيفية نشوب الحروب وإدارتها ونهايتها. وينبغي على الجيش الأمريكي وغيره من الجيوش التوقف عن تضييع الوقت في جدل "الأنظمة المأهولة مقابل غير المأهولة"، والتركيز بدلاً من ذلك على تحديد مدى بقاء هذه الأنظمة تحت السيطرة البشرية المباشرة مقابل توجيهها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

اظهار أخبار متعلقة



وتتطور الأسلحة التي يتحكم فيها الذكاء الاصطناعي المستقل بسرعة فائقة؛ حيث يمكنها معالجة كميات هائلة من البيانات لتحديد الأهداف المعادية وضربها. وقد زعمت الولايات المتحدة استخدامها في قصف إيران، بينما أعلن الأوكرانيون عن نظام دفاع جوي يعمل باستقلالية تامة، ويتخذ "قراراته" الخاصة حول أفضل سبل مهاجمة الأهداف الروسية.

واختتمت المجلة تقريرها موضحة أن هذه الابتكارات تتحدى المفاهيم التقليدية للتفوق الجوي؛ حيث نجحت المسيرات الإيرانية زهيدة الثمن في استهداف القواعد الأمريكية بالخليج متجاوزةً دوريات مقاتلات "إف-35" المتطورة. كما تثير هذه التطورات الرقمية تساؤلات ملحة حول أخلاقيات تفويض قرارات الحياة والموت للآلات.
التعليقات (0)