تخوض الدولة
المصرية منعطفاً خطيراً في تاريخها المعاصر، حيث يتسارع التوجه نحو تحويل أصول الدولة
الاستراتيجية إلى وسيلة لسداد التزامات مالية تراكمت نتيجة سياسات
اقتصادية لم تضع
في حسبانها عواقب التوسع في الاستدانة دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
إن هذه الكلمات
ليست مجرد قراءة في أرقام الاقتصاد، بل هي تشخيص لحالة وطن وتحليل اقتصاده وأزماته
وأسبابها استراتيجيا تتطلب وقفة جادة وشاملة.
أزمة استخدام
الأصول لسداد أقساط الديون الكارثية وخدمتها:
▪️ التوجه نحو مبادلة أدوات الدين بأصول عقارية وحصص في هيئات سيادية مثل
قناة السويس، يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة المديونية العامة.
إن التعامل
مع الأصول الوطنية كـ"أدوات مقايضة" لسداد فوائد وأقساط ديون عشوائية لم
تنعكس على جودة حياة المواطن ولم تساهم في رفع كفاءة الاقتصاد الكلي، هو نهج يفتقر
إلى الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد.
نجد أنفسنا أمام استراتيجية تعتمد على "التخلص من الأصول" بدلاً من "تعظيم القيمة المضافة"، مما يضع الاقتصاد الوطني والأمن القومي في مأزق تاريخي يرحل أزمات الحاضر إلى المستقبل
▪️ الأصول المملوكة للدولة هي في الأساس ملك للشعب لا ملك القيادة، وهي
ركيزة السيادة التي تضمن تدفقات نقدية للأجيال القادمة، وتحويلها لسداد أعباء تمويلية
هو استنزاف لمقدرات الوطن، حيث نجد أنفسنا أمام استراتيجية تعتمد على "التخلص
من الأصول" بدلاً من "تعظيم القيمة المضافة"، مما يضع الاقتصاد الوطني
والأمن القومي في مأزق تاريخي يرحل أزمات الحاضر إلى المستقبل.
غياب الرقابة
وتغول الصناديق والأجهزة الموازية:
▪️ تزداد المخاطر في ظل التداخل الواضح في الأدوار الإدارية، وتعدد الكيانات
المستحدثة التي تتقاسم المشهد الاقتصادي دون خضوع لرقابة كافية بل دون أي رقابة أصلا!
إن الضبابية
التي تحيط بهيكل ملكية الأصول الجديدة، خاصة تلك المرتبطة بأجهزة ذات طابع استثنائي،
تضعف من فاعلية الرقابة المالية والمحاسبية، وهو تكرار لكارثة صندوق مصر السيادي.
▪️ الدولة بحاجة إلى الفصل بوضوح بين الكيانات الاقتصادية والمهام السيادية،
وتوحيد الموازنة العامة للدولة، وإنهاء تغول الجيش وهيمنته على الاقتصاد والموارد وحرمان
الشعب منها لصالح أقل من 1 في المئة من المنتفعين ولصالح جهات خارجية ذات أغراض عدائية.
فالتملك في
هذه القطاعات الحيوية يتطلب معايير دقيقة للغاية، وضمانات بعدم تداخل المصالح وحرصا
على الأمن القومي والمصالح العليا للشعب وللدولة، وهو ما يغيب حالياً في ظل غياب المساءلة
الحقيقية عن مآلات هذه الأموال وكيفية إنفاقها.
أزمة الشرعية
البرلمانية والرقابة الصورية:
▪️ لا يمكن الحديث عن إصلاح دون التطرق إلى غياب الرقابة الشعبية الحقيقية
والمناخ السياسي الصحي.
لا يمكن الحديث عن إصلاح دون التطرق إلى غياب الرقابة الشعبية الحقيقية والمناخ السياسي الصحي
إن مجلس النواب
الحالي، في ظل الانخفاض الحاد في المشاركة الشعبية، والتقارير الموثقة حول شراء المقاعد
والرشاوى الانتخابية، وما تبعها من تزوير اضطر القيادة لإعادة الانتخابات في بعض الدوائر
ذرا للرماد في العيون، يفتقر إلى الشرعية الشعبية اللازمة لتمثيل طموحات المصريين والاطمئنان
لسلامة التشريعات وإعلاء مصالح الوطن والمواطن.
▪️ المشهد الذي تباع فيه مقدرات الوطن مقابل رشاوى انتخابية زهيدة -لا تتجاوز
قيمتها 200 جنيه مصري (= 4 دولارات أمريكية!)- على الملأ ودون خجل؛ يعكس استهانة فجة
بحقوق الأجيال.
إن هؤلاء الذين
وصلوا إلى قبة البرلمان عبر آليات غير نزيهة لا يمكن أن يكونوا حراساً على مقدرات الشعب
وأصول الدولة وحقوق الأجيال وموارد البلاد، بل تحول المجلس إلى أداة لشرعنة قرارات
بيع البلاد، مما يضع المسؤولية التاريخية على عاتق كل من قبلوا بهذا الوضع وكافة من
شاركوا في تمريره وسكتوا عن تلك الجرائم بحق الشعب.
ضرورة المصالحة
الوطنية والإفراج عن أسرى الرأي والكفاءات الوطنية:
▪️ السفينة التي تعاني من خرق في بنيتها لا يمكن إصلاحها بينما العقول والخبرات
الوطنية مغيبة.
إن استمرار
حبس عشرات الآلاف من علماء مصر، والوطنيين الغيورين الباحثين عن حرية الشعب واستقلال
الوطن ورفعته وتقدمه من أسرى الجيش المصري منذ 15 عاماً، هو استنزاف لطاقة الوطن الإبداعية.
▪️ أي محاولة حقيقية للإنقاذ تتطلب الإفراج الفوري عن هذه الكفاءات، والاستماع
إلى رؤاهم الوطنية.
البلاد بحاجة
إلى عمل جماعي وإلى مثل تلك العقول المخلصة التي تمتلك القدرة على تقديم حلول غير تقليدية
الموجودة في الأسر أو في المنفى أو التي تختبئ في الداخل خشية الفتك بها، بدلاً من
السياسات التي أدت إلى فقر الشعب وتكبيله بالديون.
دعوة للاصطفاف
الوطني العابر للأيديولوجيات:
ليحتفظ كل فريق بقناعاته، ولكن ليجتمع الجميع على هدف واحد: إنقاذ البلاد من التدمير الممنهج وحماية مستقبل الأبناء والأحفاد واستعادة مجد مصر الذي تم تدنيسه وتحطيمه بصراع يدار من الكيان
▪️ لقد آن الأوان لإنهاء حالة الحرب العقائدية التي أزهقت عشرات الآلاف من
الأرواح، ووجهت السلاح ضد أبناء الوطن بدلاً من حماية مصالحه وعصم دماء أبنائه وحراسة
العقيدة والتوحيد.
إن الخطر الوجودي
الذي يتهدد الدولة يفرض على كافة العقلاء، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الفكري
أن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
▪️ فليحتفظ كل فريق بقناعاته، ولكن ليجتمع الجميع على هدف واحد: إنقاذ البلاد
من التدمير الممنهج وحماية مستقبل الأبناء والأحفاد واستعادة مجد مصر الذي تم تدنيسه
وتحطيمه بصراع يدار من الكيان.
إن التحدي
اليوم ليس في الاختلاف العقائدي، بل في الحفاظ على وطن يمتلك قراره، وسلاحه، وطعامه
ودواءه، وحرية اعتقاد أبنائه وحرية ممارسة الشعائر على أدنى تقدير كما في بعض بلاد
الغرب!
إن الاصطفاف
الوطني والعمل على أساس حقوق المواطنة وحرية الاعتقاد ووحدة المصير الدنيوي هو طوق
النجاة الوحيد لإيقاف نزيف الأصول ووقف مسلسل إفقار المواطن وتجهيله ونهب ثرواته، فمستقبل
الأبناء والأحفاد أمانة في أعناق الجميع، والنجاة لا تكون إلا بتضافر الجهود الوطنية
والاعتراف بحقوق المسلمين في مصر.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.