هل ما زالت طهران تملك أوراق ضغط؟ تعرف على الخيارات الإيرانية المتبقية

اعتبرت الباحثة أن مضيق هرمز يمثل آخر ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران بعد تراجع معظم أوراقها الإقليمية- جيتي
اعتبرت الباحثة أن مضيق هرمز يمثل آخر ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران بعد تراجع معظم أوراقها الإقليمية- جيتي
شارك الخبر
لا تزال المواجهة الأمريكية الإيرانية بعيدة عن الحسم، إذ يمر هذا الملف بمرحلة تصعيد متسارع بعد إعلان طهران أنها لم تعد ملتزمة بـ"مذكرة تفاهم إسلام آباد"، متهمة واشنطن بانتهاك بنودها، وذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار وإلغاء الإعفاءات الخاصة بالنفط الإيراني، في خطوات عدت تراجعا عن التفاهمات.

وترافق ذلك مع هجمات متبادلة في مضيق هرمز والخليج، وتحركات دبلوماسية دولية لاحتواء الأزمة واستئناف جهود الوساطة بين واشنطن وطهران.

وفي هذا الإطار، أكدت الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني منى السيلاوي، أن القيادة الإيرانية لم تغير من نهجها القائم على فكرة "تصدير الثورة" ومحاولة التحكم في دول الجوار، رغم ادعاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحدوث تحوّل في الموقف الإيراني.

وأوضحت الباحثة في مقابلة مع "عربي21" الخميس، أن مضيق هرمز بات الورقة الوحيدة المتبقية للنظام الإيراني بعدما فقد أوراقه الأخرى تباعا، مشيرة إلى أن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف كان قد حذر في تصريحات سابقة بالقول: "إذا استخدمنا ورقة مضيق هرمز بأكثر ما تتحمله، سوف تنقلب ضدنا"، في إشارة إلى إدراك طهران نفسها لمخاطر التوظيف المفرط لهذه الورقة.

ولفتت إلى أن الدول المتضررة بدأت تبحث عن طرق بديلة، وأن إيران نفسها أدركت ذلك فطلبت من الحوثيين إخلاء مضيق باب المندب أيضا، بالتوازي مع عودة الحظر الاقتصادي والبحري الذي وصفته بأنه "بالغ الصعوبة" على الاقتصاد الإيراني، كون معظم صادرات إيران ووارداتها تمر عبر الموانئ في ظل غياب استثمارات كافية في شبكة السكك الحديدية.

استهداف السفن وملكية مضيق هرمز الخاصة.. ما صحة المزاعم؟

قالت السيلاوي إن التيار المتشدد داخل الحرس الثوري لا ينظر إلى إيران والدول الواقعة في فلكها، كالعراق ولبنان وسوريا، كأوطان يجب أن تنعم شعوبها بالرفاهية، بل كأدوات لمشروع "تصدير الثورة"، موضحة أن جزءا من هذا التيار يتبنى رؤية عقائدية مرتبطة بـ"نظريات آخر الزمان"، ويرى في الجماعات المسلحة التي شكّلتها إيران في المنطقة وسيلة لخدمة هذا التصور.

وردا على التناقض بين ادعاء طهران ملكية المضيق وفتحها في الوقت نفسه قنوات اتصال مع سلطنة عُمان لإدارته، أوضحت الباحثة أنه "لو كان المضيق ملكا لإيران لما عارضت مرور السفن بعيداً عن مياهها الإقليمية، مبينة أن الحرس الثوري يسعى لإجبار السفن على المرور عبر مياهه الإقليمية تحديداً لفرض رسوم عليها، رغم أن المضيق ممر طبيعي واسع بما يكفي لتفادي ذلك، خلافاً للممرات الاصطناعية كقناتي السويس وبنما.

البرنامج النووي.. انتكاسة حقيقة أم يعود مستقبلا؟

وحول مستقبل الملف النووي، قالت السيلاوي إن "العلم خلف هذا البرنامج لم يمت"، إذ ما زال لدى إيران علماء ومنشآت تحت الأرض وأموال يمكن استثمارها مجدداً، لكنها استدركت بأن التكلفة ستكون باهظة جداً، خصوصاً مع تعرّض عدد من العلماء لاغتيالات نسبتها لـ"الطرف الإسرائيلي".

وأكدت أن امتلاك القنبلة النووية ليس بالضرورة ضامناً لبقاء الأنظمة، مستشهدة بانهيار الاتحاد السوفيتي رغم امتلاكه ترسانة نووية ضخمة، بسبب عجزه عن توفير حياة كريمة لمواطنيه، معتبرة أن "تمرد الشعب أهم بكثير من قضية القنابل" في تحديد مصير الأنظمة.

"جبل الفأس".. هل يصمد أمام السلاح الأمريكية؟

وبخصوص التهديد الأمريكي الأخير باستهداف منشأة "جبل الفأس" النووية شديدة التحصين، أوضحت الباحثة أن طهران روّجت لكون الموقع منشأة "جرانيتية" يصعب اختراقها، لكنها رأت أن واشنطن قد لا تحتاج لتدمير المنشأة بالكامل، إذ يكفيها إغلاق مداخلها لجعلها "مدفونة تحت الأرض" ومقطوعة عن أي تواصل، على غرار ما جرى مع منشأة نطنز.

وأشارت إلى أن أي محاولة إيرانية لاحقة لإعادة فتح المداخل ستكون عرضة لضربات جديدة.

اظهار أخبار متعلقة



وحول مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، قالت السيلاوي إن الأمر يبقى في إطار "معلومات أمنية" غير مؤكدة، مرجحة ألا يكون هذا المخزون مجمعا في موقع واحد، بل موزعا على مناطق متفرقة داخل إيران لتفادي اكتشافه، خصوصا في ظل ما وصفته باختراقات أمنية إسرائيلية واسعة داخل النظام الإيراني.

وأشارت إلى تسريبات غير مؤكدة تتحدث عن تقديم جزء من هذا اليورانيوم مقابل الإفراج عن جنديين أمريكيين كانا مفقودين في إيران.

الداخل الإيراني تحت وطأة الضغط الاقتصادي

وفي ما يخص الوضع الداخلي، لفتت الباحثة إلى أن استمرار خدمة الإنترنت هذه المرة كشف حجم الاستياء الشعبي في مناطق مثل الأهواز وعبادان والمعشور، التي تضررت من الضربات رغم عدم استهدافها مباشرة، ما تسبب في انقطاعات للمياه والكهرباء وسط موجة حر تجاوزت 50 درجة مئوية.

وأوضحت أن إيران أعدمت هذا الأسبوع شخصا ثالثا بتهمة "العمالة لإسرائيل وأمريكا" على خلفية احتجاجات سابقة، في وقت تنتشر فيه شكاوى شعبية واسعة من ارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء.

وربطت الباحثة بين هذه الأزمة الاقتصادية ومحاولة استقالة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورفضها، موضحة أن تحذيرات رئيس البنك المركزي الإيراني من خزينة حكومية فارغة ومخاطر مجاعة محتملة هي ما دفعت الحرس الثوري للقبول بالجلوس على طاولة المفاوضات.

مفاوضات سرية موازية للتصعيد العلني

وحول استمرار قنوات التواصل غير المباشرة بين واشنطن وطهران وسط التصعيد، أوضحت السيلاوي أن الإيرانيين "يريدون الحديث لكن لا يريدون الوصول إلى اتفاق فعلي"، رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها دول الجوار كقطر وعُمان وباكستان، نظراً لما تمثله المنطقة من أهمية عالمية ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضاً في إنتاج الأسمدة الزراعية.

اظهار أخبار متعلقة



واعتبرت أن مذكرة التفاهم المطروحة على إيران كانت "جيدة جداً"، إذ تضمنت رفعاً للعقوبات واستثمارات في قطاعي النفط والغاز، مرجّحة وجود انقسام داخل الحرس الثوري نفسه بين تيار براغماتي يميل لقبول تسوية تجنّب البلاد الحرب حتى لو لم يلتزم بها لاحقاً، وتيار آخر أكثر تشدداً يرفض الدخول في أي اتفاق من الأساس.

موقف الحلفاء الإقليميين من التصعيد

وعن موقف حلفاء إيران في المنطقة، أشارت الباحثة إلى أن طهران تتعمد عدم توجيه صواريخها نحو دولة الاحتلال رغم استمرار إطلاقها باتجاه الأردن، تجنباً لإدخال الاحتلال في المعادلة العسكرية المباشرة معها.

وأوضحت أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق باتت أكثر ترددا في الانخراط بأي مواجهة مباشرة، بعدما اندمج كثير منها في الاقتصاد والسياسة العراقيين وبات لديها امتيازات تخشى خسارتها.

في المقابل، رجّحت الباحثة أن يكون الحوثيون الأكثر استعدادا للانخراط في أي مواجهة نظراً لاعتمادهم شبه الكامل على الدعم الإيراني، مشيرة إلى تحركات لوحظت مؤخراً في مضيق باب المندب.

أما حزب الله، فأوضحت أن إيران لا تريد خسارة هذه الورقة وتحاول باستمرار إيصال الدعم إليه عبر الحدود السورية، رغم ضبط شحنة أسلحة كانت متجهة إليه عبر العراق وسوريا مؤخراً.

العراق.. الساحة الأكثر حساسية بالنسبة لطهران

وحول احتمال قبول إيران بتراجع نفوذها في العراق في ظل الضغط الأمريكي على بغداد لنزع سلاح الفصائل، أكدت السيلاوي أن طهران لن تتنازل عن هذه الورقة بسهولة، لكنها لفتت إلى أن نفوذ إيران في العراق تراجع بشكل ملحوظ منذ مقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، الذي لم يستطع خليفته إسماعيل قاآني ملء فراغه بنفس التأثير والحضور.

واعتبرت أن زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة إلى واشنطن تمثل "رسالة بالغة الخطورة" بالنسبة لطهران، مشيرة إلى أن عمليات مكافحة الفساد الجارية في العراق، إن كانت جادة ومستمرة، ستصب في غير صالح النفوذ الإيراني هناك، غير أن استبعاد الدور الإيراني كلياً من معادلة المنطقة أمر غير واقعي جغرافياً، معتبرة أن جزءاً كبيراً من هذه الإشكالية يعود أيضاً إلى إخفاق الدول العربية في بلورة مشروع أمن قومي مشترك في مواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد.

السيناريوهات المتوقعة 

ترى الباحثة أن النظام الإيراني يراهن على عامل الوقت، انطلاقاً من قناعته بأن المجتمع الدولي لا يستطيع تحمل استمرار حالة التصعيد لفترة طويلة، وأن الضغوط المتواصلة قد تدفع في النهاية إلى تقديم تنازلات لطهران بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة معها.

وأوضحت أن القيادة الإيرانية تدرك أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يرغبون في تنفيذ عملية عسكرية برية داخل إيران، نظراً لاتساع مساحة البلاد وتعقيداتها الجغرافية، مستشهدة بتجربتي العراق وأفغانستان اللتين أظهرتا صعوبة إدارة مثل هذه الحروب. وأضافت أن الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، لا تعني بالضرورة إسقاط النظام، كما حدث في سوريا، حيث استمر النظام لسنوات رغم الحرب والانهيار الاقتصادي وتقسيم مناطق النفوذ.

اظهار أخبار متعلقة



وأشارت إلى أن بعض المحللين طرحوا سيناريوهات تتحدث عن احتمال خروج مناطق داخل إيران عن سيطرة الحكومة المركزية، سواء في المناطق الكردية أو العربية، بما يؤدي إلى انقسام فعلي في السيطرة الميدانية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار النظام.

وأكدت أن العالم قد يتمكن من تحمل أزمة طويلة في سوريا، لكنه لن يكون قادراً على تحمل أزمة مشابهة في إيران، نظرا لأهمية موقعها الاستراتيجي وسيطرتها على مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.

واعتبرت أن طهران تبني حساباتها على هذا الواقع، إذ تسعى إلى استخدام موقعها الجغرافي وأوراق الضغط التي تمتلكها لدفع المجتمع الدولي إلى تقديم تنازلات، مع المراهنة أيضا على عامل الزمن وإمكانية انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعودة إدارة أمريكية ديمقراطية أكثر استعداداً للتفاوض.
التعليقات (0)