افتتحت فعاليات الدورة الستين من مهرجان
قرطاج الدولي مساء أمس الخميس بعرض موسيقي حمل عنوان "تحت الياسمين"
للفنان
التونسي صابر الرباعي، في ليلة احتفت بالإرث الغنائي التونسي والعربي،
وجمعت بين الحضور الجماهيري الكبير واستعادة محطات بارزة من مسيرة أحد أبرز
الأصوات الفنية في تونس والعالم العربي.
وشهد العرض الافتتاحي مشاركة عدد من الأسماء
الفنية التي حضرت بصفة شرفية، من بينهم الفنان التونسي لطفي بوشناق، والنجم
الجزائري الشاب خالد، إلى جانب أحمد الرباعي، وملكة الشارني، ومحمد علي شبيل،
وبثينة النابولي، في أمسية أرادت إدارة المهرجان أن تجعل منها مناسبة للاحتفاء
بتنوع التجارب الموسيقية وتواصل الأجيال الفنية.
وجاء اختيار عنوان "تحت الياسمين"
محملاً بدلالات مرتبطة بالذاكرة التونسية، حيث يحيل الياسمين إلى أحد الرموز
الثقافية والجمالية في البلاد، كما يعكس رغبة العرض في تقديم صورة فنية تجمع بين
الأصالة والتجديد، وبين الأغنية التونسية بموروثها الخاص والانفتاح على المحيط
العربي.
صابر الرباعي يعود إلى قرطاج من بوابة
الذاكرة
ويُعد افتتاح المهرجان بصابر الرباعي عودة
إلى أحد المسارح الأكثر ارتباطاً بتجربته الفنية، إذ يمثل المسرح الأثري بقرطاج
محطة رمزية في مسيرة العديد من الفنانين التونسيين والعرب، لما يحمله من تاريخ
طويل في استقبال أبرز العروض الموسيقية والمسرحية منذ تأسيس المهرجان.
وخلال العرض، استعاد الرباعي مجموعة من
الأغاني التي طبعت مسيرته، إلى جانب أعمال جديدة، مقدماً توليفة فنية تجمع بين
الرومانسية والطرب والإيقاعات التونسية، في محاولة لمخاطبة جمهور متنوع حافظ على
علاقته بصوته منذ انطلاقته في تسعينيات القرن الماضي.
ويأتي حضور صابر الرباعي في افتتاح الدورة
الستين للمهرجان بوصفه أحد الأصوات التي ساهمت في ترسيخ حضور الأغنية التونسية في
المشهد العربي، إلى جانب أسماء أخرى مثل لطفي بوشناق وعدد من رواد المدرسة
الغنائية التونسية الحديثة.
لطفي بوشناق والشاب خالد.. رمزية المشاركة
وحملت المشاركة الشرفية لكل من لطفي بوشناق
والشاب خالد بعداً رمزياً، باعتبارهما من الأسماء التي تجاوز حضورها الحدود
الوطنية.
ويمثل لطفي بوشناق أحد أبرز الأصوات
التونسية التي ارتبطت بالأغنية ذات البعد الإنساني والوطني، فيما يعد الشاب خالد
أحد أشهر الفنانين الجزائريين الذين ساهموا في انتشار موسيقى الراي عالمياً، ما
منح الافتتاح طابعاً مغاربياً يتجاوز حدود التجارب الفردية.
ويرى متابعون أن جمع هذه الأسماء في ليلة
واحدة يعكس الدور الذي لعبه
مهرجان قرطاج عبر عقود في بناء فضاء فني مغاربي وعربي،
حيث لم يكن مجرد منصة للعروض الجماهيرية، بل تحول إلى موعد ثقافي يستقطب تجارب
موسيقية مختلفة.
ستون عاماً من "الحكاية" الفنية
وتأتي الدورة الستون من مهرجان قرطاج الدولي
في سياق احتفالي بتاريخ واحد من أعرق المهرجانات الفنية في المنطقة العربية، الذي
انطلق منذ ستينيات القرن الماضي، واستضاف على مدار عقود أسماء عالمية وعربية بارزة
في مختلف المجالات الفنية.
وتحمل هذه الدورة شعار "مازالت
الحكاية..."، في إشارة إلى استمرار المهرجان في أداء دوره كفضاء ثقافي وفني
رغم التحولات التي عرفتها صناعة الموسيقى وأنماط التلقي الجماهيري خلال السنوات
الأخيرة.
ويحاول المهرجان في دوراته الأخيرة الموازنة
بين استضافة نجوم الصف الأول، وإبراز المواهب التونسية والعربية الجديدة، مع
الحفاظ على رمزيته التاريخية باعتباره أحد أهم المواعيد الثقافية الصيفية في
المنطقة.
قرطاج بين التراث والانفتاح
ويكتسب مهرجان قرطاج الدولي خصوصيته من
ارتباطه بالموقع التاريخي الذي يحتضن فعالياته، حيث يمتزج العرض الفني بذاكرة
المكان، في تجربة جعلت منه أكثر من مجرد مهرجان موسيقي.
فمنذ تأسيسه، شكل قرطاج نقطة التقاء بين
الموسيقى العربية والعالمية، واستقبل أسماء من مدارس فنية متعددة، ما جعله جزءاً
من المشهد الثقافي التونسي ومن صورة البلاد كوجهة للفنون والثقافة.
ومع افتتاح دورته الستين، يؤكد المهرجان أن
رهانه لا يزال قائماً على إعادة إنتاج الحكاية الفنية عبر أجيال جديدة، مستنداً
إلى رصيد تاريخي طويل وإلى جمهور يرى في هذا الموعد الصيفي مناسبة لاستعادة
الذاكرة والاحتفاء بالموسيقى.
اظهار أخبار متعلقة