وقعت
بريطانيا والاتحاد الأوروبي، الثلاثاء،
معاهدة رسمية جديدة بشأن الوضع القانوني والإداري لمنطقة
جبل طارق، في خطوة تهدف
إلى إنهاء سنوات من الضبابية السياسية التي أعقبت خروج المملكة المتحدة من الاتحاد
الأوروبي، ووضع إطار جديد لتنظيم حركة العبور بين المنطقة وإسبانيا.
ويأتي توقيع المعاهدة تتويجاً لاتفاق سياسي
تم التوصل إليه العام الماضي، بعد مفاوضات طويلة ركزت على مستقبل المنطقة الواقعة
في أقصى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، والتي تمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في
العلاقات البريطانية ـ الأوروبية، نظراً لتداخل الاعتبارات السيادية مع المصالح
الاقتصادية وحركة السكان اليومية.
وتسمح الاتفاقية الجديدة لسكان جبل طارق
بالعبور إلى إسبانيا باستخدام بطاقات الإقامة دون الحاجة إلى ختم جوازات السفر،
كما تتيح للمواطنين الإسبان العبور إلى المنطقة باستخدام بطاقات الهوية الرسمية،
بما يسهل حركة آلاف الأشخاص الذين يعبرون الحدود يومياً للعمل أو الدراسة أو
لأغراض تجارية.
إنهاء تداعيات بريكست على المنطقة
وكان وضع جبل طارق قد أصبح من أكثر الملفات
تعقيداً خلال مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعدما وجدت المنطقة
نفسها خارج الإطار الأوروبي رغم ارتباطها الوثيق اقتصادياً واجتماعياً بجارتها
إسبانيا.
وتسببت حالة عدم اليقين التي أعقبت استفتاء
بريكست عام 2016 في مخاوف من عودة القيود الحدودية، وتأثير ذلك على الاقتصاد
المحلي في جبل طارق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على حركة العمال والتبادل التجاري مع
إسبانيا.
ومنذ خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد
الأوروبي عام 2020، بقي مستقبل العلاقة بين جبل طارق والاتحاد الأوروبي معلقاً،
قبل أن يتم التوصل إلى
تفاهمات جديدة هدفت إلى الحفاظ على حرية التنقل وتجنب إقامة
حدود صلبة بين المنطقة وإسبانيا.
ترتيبات جديدة للمطارات والحدود
وبموجب الاتفاق، ستستمر إجراءات مراقبة
الحدود وفق نظام جديد يهدف إلى تحقيق التوازن بين تسهيل الحركة وضمان تطبيق قواعد
السفر المعتمدة.
وسيُطلب من المسافرين القادمين إلى مطار جبل
طارق إبراز جوازات السفر أمام موظفي الحدود في كل من جبل طارق وإسبانيا، فيما تسعى
بريطانيا إلى اعتماد نموذج قريب من النظام المطبق في محطة سانت بانكراس الدولية في
لندن الخاصة بقطارات "يوروستار"، حيث يتم إجراء بعض إجراءات مراقبة
الحدود قبل السفر.
وترى لندن أن هذه الترتيبات تضمن الحفاظ على
سيادتها على جبل طارق، في حين يركز الاتحاد الأوروبي على ضمان تطبيق قواعده
المتعلقة بحركة الأشخاص والبضائع بعد خروج بريطانيا من مؤسساته.
جبل طارق.. عقدة تاريخية بين لندن ومدريد
وتحمل قضية جبل طارق أبعاداً تتجاوز
الترتيبات الحدودية، إذ تمثل المنطقة نقطة خلاف تاريخية بين بريطانيا وإسبانيا منذ
أكثر من ثلاثة قرون.
وتسيطر بريطانيا على جبل طارق منذ عام 1713
بموجب معاهدة أوترخت، بينما تواصل إسبانيا المطالبة بالسيادة على المنطقة، وترفض
الاعتراف بالوضع القائم باعتباره نهائياً.
ورغم الخلاف السياسي المستمر، حافظ الطرفان
خلال العقود الماضية على تعاون عملي في ملفات متعددة، خصوصاً ما يتعلق بحركة
السكان والتجارة والعمل، بالنظر إلى الترابط الجغرافي والاقتصادي بين جبل طارق
والمناطق الإسبانية المحيطة به.
اتفاق يعكس مرحلة جديدة بعد الخروج
البريطاني
وتعكس المعاهدة الجديدة محاولة من لندن وبروكسل لإدارة تداعيات بريكست بطريقة أكثر براغماتية، عبر الفصل
بين الخلافات السياسية الكبرى والحاجات اليومية للسكان والاقتصادات المحلية.
كما تمثل الاتفاقية اختباراً لقدرة الطرفين
على بناء ترتيبات تعاون جديدة خارج إطار الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في الملفات التي
تتطلب تنسيقاً مستمراً بين بريطانيا والدول الأوروبية.
وبالنسبة لجبل طارق، فإن الحفاظ على
انسيابية الحركة مع إسبانيا يمثل عاملاً حاسماً لاستقرار اقتصاده ومكانته كمركز
مالي وتجاري وسياحي، في وقت تسعى فيه المنطقة إلى التكيف مع مرحلة ما بعد بريكست.
ورغم أن المعاهدة لا تنهي الخلاف التاريخي
حول السيادة على جبل طارق، فإنها تضع إطاراً عملياً جديداً لإدارة واحدة من أكثر
القضايا تعقيداً بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وتفتح الباب أمام مرحلة أقل
توتراً في العلاقات المرتبطة بهذه المنطقة الاستراتيجية.
اظهار أخبار متعلقة