هل دخلت العلاقة بين الحوثيين وإيران مرحلة جديدة من العلنية والتحدي للرياض والحكومة اليمنية؟

التصعيد بدأ بعد وصول طائرة إيرانية لنقل وفد الحوثي لعزاء خامنئي- المسيرة
التصعيد بدأ بعد وصول طائرة إيرانية لنقل وفد الحوثي لعزاء خامنئي- المسيرة
شارك الخبر
أثار عودة التصعيد إلى الواجهة في اليمن وخطاب التحدي والمجاهرة من قبل جماعة أنصار الله الحوثيين بالعلاقة مع إيران، في ظل رهانات الولايات المتحدة والسعودية على انفكاك الجماعة عن طهران، أسئلة عدة عن سياق ذلك ودلالاته في الوقت ذاته.

ومؤخرا، بدأت المواقف مغايرة تماما على خطاب الحوثيين ودون أي تحفظ من علاقتهم بإيران التي لم تكن سرا في السنوات الماضية، إلا أننا أمام معطيات تشير إلى تحول كبير في شكل العلاقة والحضور الإيراني العلني إلى جانب الجماعة التي تسيطر على شمال اليمن.

الظهور العلني للسفير الإيراني المعين لدى الجماعة، علي رضائي، في صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين في الأيام الماضية، وقبل ذلك اختراق الطائرة الإيرانية للحظر الجوي على الأجواء اليمنية من قبل التحالف الذي تقوده السعودية بموجب قرارات مجلس الأمن الصادرة عام 2015، يجسد دخول العلاقة بين الحوثيين وطهران مرحلة جديدة من العلنية والتحدي للأطراف الأخرى المتمثلة في السعودية قائدة تحالف دعم الشرعية والحكومة المعترف بها دوليا.

وكان رضائي قد ظهر قبل أيام، في لقاءات مع رئيس حكومة الحوثيين (غير معترف بها)، ونائب وزير خارجية الجماعة، حيث قدم المسؤولون الحوثيون الثناء والتحايا لإيران على موقفها المساند لهم والمتمثل بعملية كسر الحصار المفروض عليهم من خلال هبوط الطائرة الايرانية في 3 يوليو الجاري بمطار صنعاء، الذي اعتبرتها الجماعة "انتصارا كبيرا لها".

من تحالف إلى حضور علني

وتعليقا على هذا الموضوع، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد الزرقة ، إن علاقة الحوثيين بإيران لم تكن سراً، ولم يخجل عبد الملك الحوثي أو قادة جماعته من التفاخر بها خلال السنوات الماضية، سواء من خلال إعلان الانتماء إلى "محور المقاومة"، أو تبني مفردات الولاية ووحدة الساحات، أو تقديم علي خامنئي في خطاب الجماعة بوصفه إماماً ووليّاً لأمر المسلمين.

وأضاف الزرقة في حديث خاص لـ"عربي21" أنه من غير المنطقي وصف ما يحدث اليوم بأنه "انتقال من علاقة خفية إلى علاقة معلنة"، بل هو "انتقال من تحالف معروف كانت بعض قنواته الرسمية والعملية تُدار بقدر من التحفظ، إلى حضور إيراني مكشوف يُراد فرضه على اليمنيين والإقليم باعتباره أمراً واقعاً".

وأشار إلى أن العلاقة تتجاوز المواقف السياسية والإعلامية، لأن إيران تولت، عبر فيلق القدس وحزب الله، جانباً رئيسياً من تسليح الحوثيين وتدريبهم وتطوير قدراتهم الصاروخية والجوية والبحرية. كما وفرت شبكات للتمويل والتهريب ونقل الخبرة الفنية، وأرسلت قادة ومستشارين ومعاونين جهاديين للعمل في اليمن، وربطت الجماعة بمراكز التنسيق التابعة للمحور في العراق ولبنان.

وذكر الكاتب اليمني أن ظهور علي محمد رضائي في صنعاء لا يمكن فصله عن أدوات الضغط والتصعيد في الداخل والخارج، متابعا بالقول: "فإيران تصفه بأنه سفيرها لدى الجمهورية اليمنية، مع أنه لم يحصل على اعتماد الحكومة المعترف بها دولياً، وإنما قدّم أوراقه إلى سلطة الحوثيين غير المعترف بها؛ ومن ثم فإن تحركه بهذه الصفة لا يكرس العلاقة مع الجماعة فحسب، بل يحاول تقديمها بوصفها السلطة التي تمثل الدولة اليمنية".

وقال إن ظهور "رضائي" جاء متزامناً مع وصول طائرة "ماهان إير" إلى صنعاء، ونقل وفد حوثي رسمي للمشاركة في تشييع خامنئي، وإعلان الجماعة عزمها استمرار الرحلات بين صنعاء وطهران، فضلاً عن تهديد السعودية إذا حاولت منعها.

وبحسب الكاتب الزرقة فإن الرحلة تحولت من إجراء مدني إلى اختبار لمن يملك قرار الأجواء اليمنية، وإلى "محاولة لفتح ممر مباشر بين طهران وصنعاء بعيداً عن الحكومة اليمنية والترتيبات التي سادت خلال سنوات الحرب".

اظهار أخبار متعلقة



 مركز سياسي ورمزي

أما فتح السفارة الإيرانية أبوابها أمام المعزين في خامنئي، واستقبالها وفوداً شعبية وقيادات سياسية وعسكرية وقضائية وشخصيات اجتماعية، فأوضح الزرقة أيضا، أن ذلك يحمل دلالة تتجاوز مناسبة العزاء؛ إذ ظهرت "السفارة مركزاً سياسياً ورمزياً يقصده مسؤولو الجماعة ووجهاؤها وجمهورها لإظهار الولاء".

وقال إن هذا الأمر "ينقل النفوذ الإيراني من دوائر القيادة والتنسيق العسكري إلى المجال الشعبي والتعبوي، ويفتح الباب أمام بناء حضور أوسع للحرس الثوري داخل صنعاء".

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي اليمني فإن إيران، تريد بعد الحرب الأخيرة، أن تثبت أنها تجاوزت مرحلة الخطر، وأن تسوق رواية أنها خرجت محتفظة بمحورها وأدواتها الإقليمية.

وتابع بأن الحوثيين يمنحوها ورقة ضغط بالغة الأهمية بسبب موقعهم عند الحدود السعودية وإشرافهم على باب المندب، وقدرتهم على تهديد المطارات ومنشآت الطاقة والملاحة؛ وبذلك تضيف طهران إلى نفوذها في مضيق هرمز ذراعاً مسلحة عند مدخل البحر الأحمر، وتوجه رسالة إلى السعودية والولايات المتحدة ودول الخليج بأن الضغط عليها قد يُقابل بفتح جبهات أخرى.

وأكد على أن خطورة هذا التحول تتضاعف مع "تآكل خيارات الحكومة اليمنية، واستمرار الانقسام في مناطقها، وعدم سيطرتها الفعلية على الأرض، وبقاء مركز القرار الرئاسي في الرياض".

وأردف قائلا : "وبينما تعد إيران والحوثيون أنفسهم لتثبيت مكاسبهم وربما توسيعها، تنشغل مكونات الشرعية بصراعاتها الداخلية، من دون قيادة موحدة أو مشروع قادر على استعادة المبادرة".

أمنية سياسية

وردا على رهان السعودية والولايات المتحدة على فرضية إبعاد الحوثيين عن إيران، رأى الكاتب والمحلل السياسي اليمني أن هذه الفرضية كانت منذ البداية "أقرب إلى أمنية سياسية طفولية منها إلى استراتيجية مبنية على فهم الواقع".

وقال إن الحوثيين احتموا بإيران بسبب الحرب والعزلة ـ كما تستند هذه الفرضية ـ وأن منحهم الاعتراف والموارد والضمانات الأمنية قد يغريهم بالابتعاد عنها، مؤكدا أن العلاقة لم تعد صفقة مصالح قابلة للاستبدال، بل أصبحت "جزءاً من بنية الجماعة وعقيدتها وطريقتها في الحكم".

ووفق للكاتب اليمني فإن الجماعة الحوثية وجدت في النموذج الإيراني الصورة الأكثر اكتمالاً لمشروعها؛ وقال أيضال، إن "هناك تقارب واسع في مفاهيم الولاية والاصطفاء والقيادة الدينية الموضوعة فوق مؤسسات الدولة، وفي بناء تنظيم عقائدي يحتكر الدين والسلاح، ويخضع التعليم والإعلام والمساجد لخدمة الجماعة". ولا تنفي الفروق بين الزيدية والاثني عشرية هذا التقارب السياسي والتنظيمي العميق.

وشدد على أن الرياض وواشنطن قد أخطأتا بدرجات مختلفة، حين خلطتا بين استقلال الحوثيين في بعض القرارات التكتيكية وبين استقلال مشروعهم الاستراتيجي.

وقال إن واشنطن لم تعلن سياسة رسمية باسم "فصل الحوثيين عن إيران"، لكنها تعاملت في مراحل مختلفة مع محلية الجماعة وهامش قرارها الذاتي بوصفهما منفذاً لاحتوائها، بينما راهنت الرياض على أن "الاعتراف والمكاسب الاقتصادية والتفاهمات الحدودية قد تدفعها إلى تخفيف ارتباطها بطهران".

اظهار أخبار متعلقة



تحول إلى العلن

من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية والباحث الأول بمركز المخا للدراسات الاستراتيجية، إسماعيل السهيلي إن ما نشهده اليوم من تحول في نمط علاقة جماعة الحوثي بإيران هو "تعبير عن انتقال الجماعة من مرحلة المواربة والتقيّة السياسية إلى مرحلة العلاقة العلنية".

وتابع السهيلي حديثه لـ"عربي21" بأن هنالك جملة من المتغيرات الإقليمية التي شجعت الحوثيين على هذا التحول ، وعلى رأسها "قدرة النظام الإيراني على الصمود في المواجهات الحربية الأخيرة مع أمريكا وإسرائيل"، ما جعل الحوثيين يثقون في صلابة إيران وأن نظامها باق ويتوقع له أن يتمدد.

بالإضافة إلى طبيعة المفاوضات ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وفق للأكاديمي اليمني التي قال إنها  "حملت رسالة توحي بالاعتراف بإيران قوة إقليمية وإمكانية مشاركتها في رسم معادلات الأمن والسياسة في المنطقة".

كما تطرق إلى مبالغات بعض الكتاب والمحللين المرموقين في بعض الصحف الغربية التي روجت لانتصار إيران وأنها "تسير في طريق التحول لقوة كبرى"، مشيرا في الوقت ذاته إلى عدم إغفال إحكام الحرس الثوري الإيراني لسيطرته  وتفرده بإدارة ملف الأذرع الإيرانية في المنطقة، وهو "ما شكل ضغطا إضافيا على الحوثيين لإظهار الارتباط العميق بإيران، وقطع أي شكوك إيرانية حول احتمال تفلت الجماعة أو ذهابها نحو تفاهمات منفردة مع السعودية أو أمريكا".

وبحسب الباحث الأول بمركز المخا للدراسات الاستراتيجية فإن إيران عبر حركة سفيرها في صنعاء ولقاءاته الرسمية بوزراء الجماعة ورئيس حكومتهم تسعى إلى "تثبيت أمر واقع يحمل رسالة واضحة بأن صنعاء باتت تدار مباشرة عبر القنوات الإيرانية". 

رهان خاسر

وبشأن فرضية إبعاد الحوثي عن إيران التي ظلت السعودية والولايات المتحدة تراهن عليها خلال جولات الحوار والمفاوضات التي جرت بشأنها في السنوات الماضية، أكد الأكاديمي والباحث الاستراتيجي على أنه في ضوء المدى الزمني المحدود منذ إعلان  تلك التحولات يصعب الجزم بإجابة تنفي أو تؤكد الفرضية.

 ومع ذلك يرى أنه استنادا إلى وقائع ومعطيات على الأرض إن "الرهان على  إغراء الحوثيين وجلبهم بعيدا عن إيران بالحوافز المالية وحتى السياسية يحتاج لمزيد من المراجعة والاختبار".

وقال إن الذي يجمع الحوثيين بإيران يتجاوز النظرة البرجماتية والحوافز، ويتأسس على أسس ومنطلقات عقدية وبنيوية عميقة، فالمسيرات والصواريخ بكافة أنواعها، والمنظومة الاستخباراتية، والمناهج المدرسية، والتثقيف السياسي، والتعبئة الأيدولوجية، تحمل بصمات الحرس الثوري بصورة لا تخطئها العين"، مشددا على أن فك الارتباط بإيران يعني ببساطة "تفكيك البنية الصلبة والداخلية للجماعة"، وهو ما لن تقبله قيادة الجماعة تحت أي ظرف.

 تعميق الارتباط

وأوضح الباحث الأول بمركز المخا للدراسات الاستراتيجية أن واقع التحولات واحتمالات تطوراتها المستقبلية يشير إلى "تعميق الارتباط الحوثي بإيران"، مما يضع عملية التسوية السياسية مع الحكومة المعترف بها دوليا "خيارا مؤجلا من قبل الجماعة".

ولم يستبعد السهيلي أن تثير التحولات في نمط العلاقة بين إيران والحوثيين "هواجس أمنية وسياسية لدي السعودية والأمن الخليجي بشكل أعم"، خاصة في ظل توجيهات إيرانية سابقة بتشبيك المضيقين ( هرمز وباب المندب) وتجاوب حوثي معلن.

وقال إن السعودية ستصيغ مقاربة جديدة للتعامل مع التحولات تضمن عدم استجابة الحوثيين لاحتمالات مطالب إيرانية بمهاجمة المملكة مستقبلا، وفقا لمعادلة توازن بين تقديم الحوافز لتأمين حدودها وتحييد أراضيها، وبين استخدام لغة ردع شديدة اللهجة بالتهديد باستخدام قوة غير مسبوقة إذا ما تعرضت لأي اعتداء بحسب ما صرح به اللواء تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية.

ويشهد اليمن تطورات متسارعة، وفي سياق التحدي ورفع سقف التهديدات من قبل الحوثيين، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية، في وقت سابق اليوم الاثنين، إحباط هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء الدولي، وأن قواتها الجوية نفذت غارات عدة استهدفت المطار الواقع تحت سيطرة الحوثيين.

فيما أعلن متحدث باسم التحالف بقيادة السعودية في اليمن الاثنين إن الدفاعات الجوية تعاملت مع تهديد بصواريخ باليستية أطلقتها جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران باتجاه المنطقة الجنوبية للمملكة، بحسب وكالة الأنباء السعودية.

من جانبه، قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، مساء اليوم إن قوات الجماعة استهدفت مطار أبها الدولي بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ردا على استهداف مطار صنعاء من قبل السعودية.

وحذر سريع جميع شركات الطيران من العبور في أجواء المملكة، حتى رفع الحصار على مطار صنعاء الذي تسيطر عليه الجماعة.
التعليقات (0)