تل أبيب تحتج لمنع تسليح أنقرة.. كيف يوظف الاحتلال قانون "التفوق العسكري" الأمريكي؟
لندن- عربي2113-Jul-2608:02 PM
كيف تحول التفوق العسكري الإسرائيلي من تعهد سياسي إلى قانون أمريكي؟ - جيتي
شارك الخبر
في وقت تتزايد فيه مؤشرات التقارب العسكري بين أنقرة وواشنطن، كثف الاحتلال الإسرائيلي تحركاته السياسية لمنع أي تغيير في ميزان القوى الإقليمي، مطالبة الإدارة الأمريكية بالالتزام بقوانين "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل (QME)، بما يحول دون حصول تركيا على أسلحة تعتبرها تل أبيب تهديدا مباشرا لتفوقها العسكري.
ويستند هذا المطلب إلى تشريع أمريكي يفرض على الإدارات المتعاقبة والكونغرس التأكد من أن أي صفقة سلاح مع دول الشرق الأوسط لا تؤثر على التفوق العسكري الإسرائيلي، وهو القانون الذي عاد إلى الواجهة مع حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية إعادة تركيا إلى برنامج "إف-35"، بعد سنوات من استبعادها.
الاحتلال يدعو إلى منع تسليح تركيا
في التاسع من تموز/ يوليو الجاري، دعا وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين الإدارة الأمريكية إلى منع تركيا من الحصول على أسلحة أمريكية متطورة، مطالبا واشنطن بالالتزام الكامل بما يعرف بقانون "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل، الذي يضمن بقاءها صاحبة اليد العسكرية العليا في الشرق الأوسط، وفقا لما نقلته صحيفة "معاريف".
وأكد كوهين في مقابلة مع قناة "14" الإسرائيلية٬ أن الولايات المتحدة مطالبة بالحفاظ على التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، معتبرا أن أي صفقة تسليح متقدمة مع تركيا يجب أن تخضع لتقييم يضمن عدم الإضرار بهذا التفوق، في إشارة مباشرة إلى الجدل الدائر بشأن احتمال عودة أنقرة إلى برنامج مقاتلات "إف-35".
وجاءت تصريحات الوزير الإسرائيلي بعد ساعات من تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده لن تتراجع عن حقها في تطوير قدراتها الدفاعية والحصول على ما تحتاج إليه من منظومات تسليح متطورة، رافضا أي محاولات خارجية لفرض قيود على السياسة الدفاعية التركية.
تهديدات تتجاوز ملف السلاح
ولم تتوقف تصريحات كوهين عند ملف التسلح، بل امتدت إلى الساحة السورية، حيث هدد بأن تل أبيب سترد على أي توسع عسكري تركي داخل سوريا.
وقال إن "كل قاعدة عسكرية تركية تقام في سوريا ستقابلها قاعدة إسرائيلية"، في رسالة تعتبر مؤشر على انتقال التنافس التركي الإسرائيلي.
كما أكد أن تل أبيب ستواصل مشروع تصدير الغاز إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، رغم اعتراضات أنقرة، مضيفا أن "كل من يهاجم إسرائيل لن تكون نهايته جيدة"، وفق ما نقلته "معاريف".
وتنسجم هذه المواقف مع تصريحات صدرت عن مسؤولين آخرين في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، من بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كشف عن تحركات تجري مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "خلف الكواليس" لمنع أي تغيير في موازين القوى العسكرية يصب في مصلحة تركيا.
اظهار أخبار متعلقة
ما هو قانون "التفوق العسكري النوعي"؟
ورغم حديق كوهين عن مصطلح "MQE"، فإن المقصود في الواقع هو قانون "التفوق العسكري النوعي" (QME - Qualitative Military Edge)، وهو ليس قانونا إسرائيليا، بل تشريع أمريكي اتحادي يلزم الإدارات الأمريكية بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي عند إقرار أي صفقة أسلحة لدول الشرق الأوسط.
ويعد هذا القانون أحد أهم أدوات السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، إذ يمنح الاحتلال وضعا استثنائيا يجعله صاحب الأولوية في الحصول على أحدث التقنيات العسكرية، كما يفرض قيودا على نوعية الأسلحة التي يمكن بيعها لدول أخرى إذا كان من شأنها تقليص الفجوة العسكرية بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي.
وتستند تل أبيب إلى هذا القانون في معارضة أي صفقات سلاح متطورة قد تحصل عليها دول المنطقة، سواء كانت عربية أو غير عربية، وهو ما يفسر اعتراضها المتكرر على تزويد تركيا بمقاتلات "إف-35" أو أي منظومات قتالية متقدمة.
من تعهد سياسي إلى قانون ملزم
لم يكن مفهوم "التفوق العسكري النوعي" في بدايته قانونا مكتوبا، بل جاء في صورة تعهدات سياسية من واشنطن إلى تل أبيب.
ففي عام 1968 وافق الرئيس الأمريكي ليندون جونسون على بيع الاحتلال خمسين طائرة من طراز "فانتوم"، في أول صفقة عسكرية أمريكية كبرى مع تل أبيب.
وفي عام 1981 أعلن وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيغ، خلال شهادته أمام الكونغرس، أن الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي يمثل ركنا أساسيا في السياسة الخارجية الأمريكية، بحسب ما أوردته وكالة "أسوشيتد برس".
غير أن هذا الالتزام بقي سياسيا حتى عام 2008، عندما وقع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن "قانون نقل السفن البحرية" (Naval Vessel Transfer Act)، الذي عدل قانون "مراقبة تصدير الأسلحة" (AECA) الصادر عام 1976، وأدرج فيه للمرة الأولى مبدأ "التفوق العسكري النوعي" بوصفه التزاما قانونيا ملزما للإدارة الأمريكية.
وبموجب هذا التعديل، أصبح الرئيس الأمريكي مطالبا بإرفاق كل صفقة سلاح لدول الشرق الأوسط بتقييم رسمي يثبت أنها لن تؤثر على قدرة الاحتلال الإسرائيلي العسكرية، وفقا لما تؤكده خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي.
كيف يعرف القانون التفوق العسكري؟
يعرف القانون الأمريكي "التفوق العسكري النوعي" بأنه قدرة إسرائيل على مواجهة أي تهديد عسكري تقليدي، سواء كان صادرا عن دولة منفردة أو تحالف دول أو جماعات مسلحة، مع تكبد أقل قدر ممكن من الخسائر، اعتمادا على امتلاكها أسلحة وتقنيات أكثر تطورا من خصومها.
ولا يقتصر هذا التفوق على الطائرات أو الدبابات، بل يشمل أيضا: (أنظمة القيادة والسيطرة - تقنيات الاتصالات العسكرية - وسائل الاستطلاع والاستخبارات - الحرب الإلكترونية - الدفاعات الجوية - الذخائر الذكية - القدرات السيبرانية).
ويمنح هذا التعريف الإدارات الأمريكية هامشا واسعا لمنع أو تعديل أي صفقة سلاح يمكن أن تمنح دولة أخرى قدرات تقترب من المستوى الإسرائيلي.
اظهار أخبار متعلقة
تشديد القانون في عهد أوباما
وفي عام 2013، وقع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما "قانون تعزيز التفوق العسكري النوعي لإسرائيل"، الذي شدد الرقابة على صفقات السلاح الأمريكية.
وألزم القانون الإدارة الأمريكية بتقديم تقرير دوري إلى الكونغرس كل عامين، بدلا من كل أربع سنوات، لتقييم التهديدات التقليدية والسيبرانية وغير المتماثلة التي تواجه الاحتلال الإسرائيلي، ومدى تأثير صادرات السلاح الأمريكية على تفوقها العسكري.
وبعد عام واحد، عزز "قانون الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية" لعام 2014 هذه السياسة، عبر ربط المساعدات العسكرية السنوية المقدمة لإسرائيل بضمان استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي على بقية دول المنطقة.
ويرى باحثون في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن هذه التشريعات جعلت "التفوق العسكري النوعي" جزءا ثابتا من السياسة الأمريكية، بصرف النظر عن الحزب الحاكم في البيت الأبيض.
كيف تطبق الولايات المتحدة القانون؟
لا يعني قانون "التفوق العسكري النوعي" منع الولايات المتحدة من بيع الأسلحة إلى دول الشرق الأوسط، لكنه يفرض مجموعة من القيود والضوابط التي تضمن بقاء الاحتلال الإسرائيلي صاحب التفوق العسكري والتكنولوجي في المنطقة.
وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تعتمد واشنطن ثلاث آليات رئيسية لتحقيق هذا الهدف، بحيث تستمر صادرات السلاح الأمريكية إلى حلفائها، دون المساس بالفجوة العسكرية التي تتمتع بها إسرائيل.
بيع نسخ أقل تطورا
تعد هذه الآلية الأكثر استخداما، إذ تمنح الولايات المتحدة بعض الدول نسخا مخفضة القدرات من الطائرات أو المنظومات القتالية، مقارنة بتلك التي يحصل عليها الاحتلال الإسرائيلي.
ويشمل ذلك تقليص مدى الرادارات، أو تخفيض قدرات أنظمة الاستشعار، أو تقييد بعض البرمجيات، أو تقليل مدى الصواريخ المرافقة للطائرات.
وسمحت هذه السياسة لواشنطن الموازنة بين مصالحها التجارية والعسكرية مع حلفائها، وبين التزامها القانوني بالحفاظ على التفوق الإسرائيلي.
اظهار أخبار متعلقة
منح الاحتلال التكنولوجيا أولا
أما الآلية الثانية فتقوم على منح الاحتلال أحدث التقنيات العسكرية قبل سنوات من السماح بوصولها إلى بقية دول المنطقة.
ويبرز برنامج مقاتلات "إف-35" بوصفه المثال الأوضح على ذلك، إذ كان الاحتلال الإسرائيلي أول دولة في الشرق الأوسط تتسلم هذه الطائرة عام 2016، بينما ظلت طلبات دول أخرى تخضع لمراجعات سياسية وقانونية طويلة.
ويرى موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت" أن هذا الفارق الزمني أصبح جزءا أساسيا من سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة، إذ يمنح تل أبيب فرصة للحفاظ على فجوة تكنولوجية دائمة.
فرض قيود تشغيلية
ولا تقتصر القيود على نوعية السلاح، بل تمتد أحيانا إلى طريقة استخدامه. ففي بعض الصفقات، يشترط الكونغرس الأمريكي عدم نشر بعض المنظومات في مناطق معينة، أو يفرض قيودا على استخدامها في عمليات قد تمس أمن الاحتلال الإسرائيلي.
كما تتضمن بعض العقود بنودا تمنع نقل التكنولوجيا إلى أطراف ثالثة، أو إجراء تعديلات على المنظومات دون موافقة أمريكية مسبقة.
لماذا يثير ملف "إف-35" كل هذا الصراع؟
عاد قانون "التفوق العسكري النوعي" إلى واجهة النقاش مع تصاعد الحديث عن احتمال إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات "إف-35"، الذي استبعدت منه عام 2019 بعد شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400".
ويرى الاحتلال الإسرائيلي أن عودة أنقرة إلى البرنامج ستمنحها واحدة من أكثر الطائرات المقاتلة تطورا في العالم، وهو ما تعتبره تهديدا مباشرا لتفوقها الجوي.
ولهذا السبب، كثفت تل أبيب اتصالاتها مع الإدارة الأمريكية والكونغرس لمنع أي خطوة في هذا الاتجاه، مستندة إلى قانون "كيو إم إي" باعتباره المرجعية القانونية التي تحكم صادرات السلاح الأمريكية.
وفي المقابل، تؤكد تركيا أن امتلاكها مقاتلات متطورة حق سيادي، وأن علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة يجب ألا تخضع لاعتراضات إسرائيلية.