كشف تقرير لصحيفة "
نيويورك تايمز" أن الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، مع
إيران الشهر الماضي بشأن مضيق
هرمز، بدلاً من ضمان حرية الملاحة، منح
طهران نفوذاً رسمياً في إدارة أحد أهم الممرات البحرية العالمية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوترات العسكرية وعودة المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
وأوضح التقرير أن البحرية الأمريكية كانت، على مدى شهرين، تنسق بصورة غير معلنة مع السفن التجارية لعبور مضيق هرمز عبر مسار ملاصق للسواحل العمانية، مع إطفاء أجهزة التتبع الإلكترونية لتجنب رصدها من قبل إيران، فيما وفرت القوات الأمريكية غطاءً جوياً محدوداً تحسباً لأي هجمات.
وأضاف أن هذه الترتيبات ساهمت في زيادة حركة الملاحة بين أيار/ مايو وحزيران/ يونيو، خلال فترة هدنة مؤقتة، إلا أن مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب مع إيران في 14 حزيران/ يونيو أنهت هذا المسار، بسبب صياغتها التي اعتبرها منتقدون اعترافاً بدور إيراني رسمي في إدارة الملاحة داخل المضيق.
وأشار التقرير إلى أن ترامب احتفى بالاتفاق حينها، وكتب عبر منصاته: "لتبدأ سفن العالم بالإبحار... دعوا النفط يتدفق"، معتبراً أن الاتفاق أعاد فتح المضيق أمام الملاحة الدولية.
لكن منتقدين رأوا أن الاتفاق كرّس واقعاً كانت طهران تؤكد عليه منذ اندلاع الحرب، وهو امتلاكها السيطرة الفعلية على المضيق.
اظهار أخبار متعلقة
ولفت التقرير إلى أن الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السفن التجارية أدت إلى تعطيل حركة الملاحة في المضيق عقب اندلاع الحرب بين
الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، قبل أن تستأنف بعض الناقلات عبورها عبر المسار الجنوبي القريب من سلطنة عمان بعد التوصل إلى هدنة غير رسمية.
وأضاف أن إيران استهدفت الأسبوع الماضي سفناً كانت تستخدم هذا المسار، في محاولة لإجبارها على المرور عبر المياه الإقليمية الإيرانية شمال المضيق، بما يمنحها مبرراً لفرض رسوم أو قيود على الملاحة.
وبحسب التقرير، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الإيرانية هاجمت ثلاث سفن تجارية الثلاثاء الماضي، ما دفع ترامب إلى إصدار أوامر بشن غارات جوية على أهداف داخل إيران.
كما أعلنت البحرية الإيرانية لاحقاً أنها استهدفت سفينة أخرى وأغلقت مضيق هرمز "حتى انتهاء التدخل الأمريكي في المنطقة"، فيما ردت الولايات المتحدة بتنفيذ نحو 140 ضربة ضد أهداف عسكرية إيرانية، ليصل إجمالي الضربات الأمريكية خلال أسبوع إلى 310 هجمات.
وأشار التقرير إلى أن ترامب أعلن لاحقاً اعتقاده بأن اتفاق حزيران/ يونيو "انتهى"، في وقت عادت فيه أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع، مع تصاعد المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية واسعة جديدة.
وأوضح أن نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية كانت تعبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب.
ونقل التقرير عن مسؤولين أمريكيين سابقين وخبراء قولهم إن الأزمة الحالية كانت نتيجة متوقعة للاتفاق، مشيرين إلى أن إدارة ترامب، التي كانت تواجه ضغوطاً بسبب ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، سعت إلى إعادة فتح المضيق سريعاً لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
وأضاف أن الاتفاق نص على إنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية والسماح لطهران باستئناف صادراتها النفطية لمدة 60 يوماً مقابل إعادة فتح المضيق، إلى جانب إطلاق مفاوضات للتوصل إلى اتفاق سلام أوسع.
ورغم الترحيب الدولي بالهدنة، رأى منتقدون أن الاتفاق تضمن صياغات فضفاضة، لا سيما البند الخامس الذي ينص على أن إيران ستبذل "أفضل جهودها" لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز.
وقال السفير الأمريكي السابق لدى السعودية مايكل راتني إن هذه الصياغة تمنح إيران دوراً دائماً في التحكم بحركة الملاحة، مضيفاً أن طهران تبدو مستعدة للمخاطرة بانهيار وقف إطلاق النار للحفاظ على هذا النفام.
من جهته، أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، خلال مؤتمر صحفي في 18 حزيران/ يونيو، أن مطالب واشنطن المتعلقة بحرية الملاحة ستدرج في أي اتفاق دائم، قائلاً: "نحن نمتلك جميع أوراق القوة".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار التقرير إلى أن شركات الشحن تواجه حالياً معضلة بين استخدام المسار الجنوبي القريب من سلطنة عمان مع خطر التعرض لهجمات إيرانية، أو المرور عبر المسار الشمالي داخل المياه الإيرانية ودفع رسوم تعتبرها طهران مقابلاً لخدمات الملاحة.
وأوضح أن مضيق هرمز ظل منذ ستينيات القرن الماضي يعمل وفق ممر ملاحي أقرته الأمم المتحدة، وكانت إيران قد وافقت عليه عام 1968، لكنها بدأت بعد الثورة الإسلامية عام 1979 بالتشكيك في إلزاميته، قبل أن تصعد إجراءاتها بصورة غير مسبوقة عقب الحرب الأخيرة.
وأضاف أن إيران أنشأت في أيار/ مايو "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، وأعلنت أن جميع السفن العابرة للمضيق مطالبة بالحصول على إذن مسبق منها والسير عبر المسار الذي تحدده.
وبحسب التقرير، كانت طهران تفرض رسوماً تصل إلى مليوني دولار على بعض السفن مقابل ضمان مرورها الآمن، قبل تعليق هذه الممارسة مؤقتاً بموجب اتفاق حزيران/ يونيو، فيما يرى خبراء أن هذه الرسوم تمثل عملياً رسوماً غير قانونية على الملاحة الدولية.
وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة رفضت الاعتراف بهذه الإجراءات، وأنشأت في أيار/ مايو ممراً ملاحياً بديلاً بمحاذاة السواحل العمانية، استخدمته أكثر من 800 سفينة نقلت نحو 400 مليون برميل من النفط الخام، وفق القيادة المركزية الأمريكية.
كما أوضح أن الهدنة الرسمية ساهمت في عبور نحو 400 سفينة المضيق خلال أسبوع واحد بعد 20 حزيران/ يونيو، وهو أعلى معدل منذ اندلاع الحرب، إلا أن العدد انخفض إلى 22 سفينة فقط بعد الهجمات الإيرانية الأخيرة.
وأكد التقرير أن القوات الأمريكية لا تزال تنشر أكثر من 12 قطعة بحرية، بينها حاملتا طائرات، إضافة إلى طائرات هجومية واستطلاعية وسفن مسيرة لرصد الألغام في بحر العرب ومضيق هرمز.
ونقل عن المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية الكابتن تيم هوكينز قوله إن القوات الأمريكية تواصل حماية الملاحة التجارية ومحاسبة إيران على هجماتها، لكنه أقر بعدم وجود ضمانات كاملة لحماية السفن التجارية.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن إدارة ترامب أعادت الأسبوع الماضي فرض الحظر على صادرات النفط الإيرانية، لكنها لم تستأنف الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، بينما حذر خبراء من أن استمرار الصراع قد يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب، وسط تساؤلات حول الطرف الذي سينهار أولاً: الاقتصاد الإيراني أم الاقتصاد العالمي.