نشر موقع "
تايمز أوف
إسرائيل" تقريراً تناول فيه تحول
إسرائيل إلى قضية محورية في السياسة
الأمريكية، خاصة بين التقدميين، وكيف يؤدي تصاعد انتقاد سياساتها ولجنة
"أيباك" إلى
انقسام اليهود الأمريكيين وتزايد شعورهم بالتهميش ومعاداة
السامية.
وأفاد الموقع، في تقريره
الذي ترجمته "
عربي21" بأن أكثر ما يثير الدهشة في انهيار حملة غراهام
بلاتنر لمجلس الشيوخ الأمريكي، في ظل المشهد السياسي الحالي، هو عدم ارتباط الأمر
بإسرائيل إطلاقاً.
وأوضح الموقع أن بلاتنر،
الديمقراطي التقدمي المناهض لإسرائيل والساعي للإطاحة بالسيناتور الجمهورية سوزان
كولينز، أعلن انسحابه يوم الأربعاء إثر اتهامات موثوقة بالاغتصاب، أعقبت تقارير عن
سلوكه المسيء للنساء ومنشوراته التي تقلل من شأن الاعتداءات الجنسية. كما لاحقه
الجدل بسبب وشم نازي رسمه على صدره لسنوات، والذي ربطه بعض النقاد بهجومه الحاد
على إسرائيل.
وأشار الموقع إلى أنه رغم
سقوط بلاتنر في النهاية جاء لسبب مختلف تماماً، إلا أن إسرائيل وجدت طريقها للظهور
في النقاشات الدائرة حول انهيار حملته، بدءاً من خطاب إعلانه تعليق الحملة.
وبيّن الموقع أن القضية
الثانية التي شعر بلاتنر بضرورة التطرق إليها في بيانه الختامي المطول لحملته،
كانت اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، إذ لم يعترف بتهمة الاغتصاب، ولم
يعتذر لضحيته، ولكنه حرص على توجيه انتقاداته لإسرائيل.
اظهار أخبار متعلقة
ولم يكن الوحيد؛ إذ نشرت
النائبة الجمهورية السابقة واليمينية المتطرفة مارجوري تايلور جرين منشوراً -
حذفته لاحقاً - تلمح فيه إلى وقوف جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل "أيباك"
وراء اتهام بلاتنر بالاغتصاب. وانتشرت نظرية المؤامرة تلك لدرجة أن صحيفة "ذا
فوروارد" نشرت مقالاً بعنوان: "أيباك ليست مسؤولة عن فضيحة غراهام
بلاتنر - مهما قال المتصيدون على وسائل التواصل الاجتماعي".
وأضاف الموقع أن إسرائيل
تصدرت المشهد بالفعل في العديد من السباقات الانتخابية، حيث كانت القضية الأساسية
في سلسلة من انتصارات أقصى اليسار بالانتخابات التمهيدية للكونغرس في نيويورك،
ونيوجيرسي، وفيلادلفيا، ودنفر. كما شكلت موضوعاً بالغ الحساسية في منطقة خليج سان
فرانسيسكو، وكانت في قلب معركة الانتخابات التمهيدية الشرسة لمجلس الشيوخ في ولاية
ميشيغان. وبحسب استطلاع لوكالة أسوشيتد برس، أكد أكثر من 70 بالمئة من البالغين
الأمريكيين أن قضية إسرائيل تكتسب أهمية كبيرة أو نسبية لديهم.
قضية خلافية "بارزة
للغاية"
وتابع الموقع أن الأمر لا
يقتصر على التحالف التاريخي الوثيق بين البلدين أو خوض الولايات المتحدة حرباً إلى
جانب إسرائيل مؤخراً، بل يرى المعلقون والناشطون التقدميون أن دعم إسرائيل
و"أيباك" يمثل جوهر الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي، والتي تتجاوز الصراع
الإسرائيلي الفلسطيني لتشمل قضايا أوسع مثل دور المال في السياسة، والحروب في
الشرق الأوسط، وتقييم مدى نجاح القيادة الديمقراطية الداعمة تاريخياً لإسرائيل.
وبعبارة أخرى، تُعد إسرائيل
و"أيباك" من القضايا الخلافية الفعالة بقوة بالنسبة للتقدميين المتمردين
الساعين للإطاحة بالديمقراطيين التقليديين من المؤسسة الحاكمة.
وقال الموقع إن منتقدي هذه
الحركة يرون في الميل إلى استخدام إسرائيل كشماعة لكل مشاكل البلاد طابعاً ينم عن
معاداة للسامية. فعلى سبيل المثال، أنفقت جماعات الضغط الداعمة للعملات المشفرة
189 مليون دولار حتى الآن في حملات عام 2026، وهو ما يتجاوز إنفاق لجنتي العمل
السياسي التابعتين لـ"أيباك" وفقاً للتقديرات، ومع ذلك، لا تبدو قضية
العملات المشفرة محركاً للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في البلاد.
وأضاف الموقع أنه بالنسبة
لبعض اليهود، ليس من المبالغة القول إن انتقادات السياسيين القاسية لإسرائيل لا
تعكس عداءً للدولة اليهودية فحسب، بل لليهود أنفسهم. لكن ما يعيب هذا الادعاء هو
أنه بعد مرور ثلاث سنوات من الحرب في غزة، باتت أعداد متزايدة من اليهود
الأمريكيين تنتقد إسرائيل مستخدمة نفس اللغة القاسية.
معارضة سياسات إسرائيل، لا
الإسرائيليين
وعلى سبيل المثال، كان
اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية يُعتبر في السابق رأياً هامشياً ومعادياً
للسامية في أوساط اليهود الأمريكيين، لكنه اليوم، وسواء كان الادعاء معادياً
للسامية أم لا، فإنه لم يعد هامشياً.
واستعرض الموقع نتائج
استطلاع وكالة "أسوشيتد برس" الأخير، والذي أظهر أن 30 بالمئة من اليهود
الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، وهي نسبة تعادل إحصائياً الـ
31 بالمئة من عموم الأمريكيين الذين يشاركونهم الرأي ذاته. كما يرى نحو نصف الديمقراطيين
اليهود أن الولايات المتحدة تبالغ في دعمها لإسرائيل، وهي نسبة لا تقل كثيراً عن
الـ 58 بالمئة من إجمالي الديمقراطيين الذين يتفقون على هذا الرأي.
وأشار الموقع إلى أن رئيس
الوزراء بنيامين نتنياهو يحظى بشعبية أقل بكثير بين اليهود الأمريكيين مقارنة
بعموم البالغين في الولايات المتحدة. وفي الواقع، يحظى عمدة مدينة نيويورك
"زهران ممداني" -أبرز السياسيين المناهضين لإسرائيل في البلاد- بشعبية
أكبر بين اليهود الأمريكيين على زعيم إسرائيل، حيث تبلغ نسبة التأييد
لـ"ممداني" بينهم 44 بالمئة، مقابل نحو 33 بالمئة لنتنياهو.
اظهار أخبار متعلقة
وبالطبع يمكن تفسير أرقام
هذه الاستطلاعات ليس كدعم لـ"ممداني"، بل كإدانة لـ"نتنياهو"
الذي أبعد العديد من الجماعات اليهودية الأمريكية واستعدى السياسيين الديمقراطيين
الذين يصوت لهم معظم اليهود.
ولا ينبغي اعتبار
الانتقادات المتزايدة من قبل اليهود الأمريكيين لإسرائيل رغبةً في القضاء على
الدولة تماماً، حيث تُظهر مجموعة من بيانات الاستطلاعات عكس ذلك.
وأشار الموقع إلى استطلاع
حديث لليهود الأمريكيين وجد أنه بينما ينظر 28 بالمئة فقط بإيجابية
لـ"أيباك"، فإن 71 بالمئة لديهم نظرة إيجابية تجاه إسرائيل، وهي نسبة
تفوق عموم الأمريكيين بكثير. ووصف 63 بالمئة من اليهود الأمريكيين أنفسهم بأنهم
ينتقدون بعض أو الكثير من سياسات الحكومة الإسرائيلية، لكنهم لا يزالون
"مؤيدين لإسرائيل بشكل عام". كما كشف استطلاع حديث لمركز
"بيو" أن 83 بالمئة من اليهود الأمريكيين يحملون مشاعر إيجابية تجاه
الشعب الإسرائيلي.
مواجهة الإقصاء في الوقت
الفعلي
وأفاد الموقع أنه رغم صحة
اتفاق عدد كبير من اليهود مع الإدانات التقدمية لإسرائيل، إلا أنه من الصحيح أيضاً
أن بعض هؤلاء اليهود يجدون أنفسهم في مواجهة حقيقية مع معاداة السامية التي غالباً
ما تصاحب تلك الانتقادات.
وذكر الموقع أنه عندما اتهم
ممداني منظمة "أيباك" بأنهم "وحوش" يحركون "ملايين من
الأموال المشبوهة لتحقيق هدف واحد، وهو الحفاظ على قوتهم حتى يتمكنوا من تأليبنا
ضد بعضنا البعض"، أصدر العديد من حلفائه اليهود بيانات تدين هذا الخطاب، رغم
معارضتهم هم أيضاً لمواقف "أيباك".
وأوضح الموقع أنه إذا كانت
الدعوة لتدمير إسرائيل تثير انزعاج حتى اليهود التقدميين، فإن ذلك لم يوقف بعض
السياسيين، فقد صرح ممداني بوضوح أنه لا يعتقد بوجوب أن تكون إسرائيل دولة يهودية.
وهو الرأي ذاته الذي تتبناه دارياليزا أفيلا شوفالييه، المدعومة من ممداني
والفائزة مؤخراً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية للكونغرس في نيويورك.
وأشار الموقع إلى أن الأمر
نفسه ينطبق على عبدول السيد، الذي يقود حملة تقدمية في الانتخابات التمهيدية
الديمقراطية لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان ضد مرشح وسطي مؤيد لإسرائيل، حيث سخر من
منافسه واصفاً إياه بأنه مجرد "رجل أعمال يمتلك حساباً مصرفياً ضخماً لدى
أيباك".
وعند سؤاله عن إسرائيل، قال
عبدول لشبكة "سي إن إن" إن "كل تعريف لدولة يهودية ينتهي بتجسيد ما
للقيم غير الليبرالية، دون استثناء". كما ألمح إلى أن المال هو الدافع الوحيد
لأي سياسي "ديمقراطي يؤمن بحقوق الإنسان" لدعم إسرائيل.
ورغم تركز الكثير من هذا
الخطاب في الدوائر الديمقراطية، إلا أنه لا يقتصر عليها؛ فقد أعربت المعلقة
المحافظة آلي بيث ستاكي، في مقابلة مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، عن أسفها
لما أسمته "متلازمة الهوس ضد إسرائيل"، والتي وصفتها بـ"هوس البعض
– وتحديداً في اليمين – بإلقاء اللوم في كافة مشاكلهم على إسرائيل". وتابعت:
"لا أقول إن كل هؤلاء يكرهون كل شخص يهودي، لكن يبدو أن الأمور تنحدر إلى هذا
الحد بسرعة كبيرة".
وزعم الموقع أنه رغم
احتمالية خسارة عبدول السيد للانتخابات التمهيدية، وانسحاب بلاتنر بالفعل، إلا أن
السياسات المناهضة لإسرائيل لن تختفي في حقبة تعصف فيها الصراعات الداخلية بكلا
الحزبين، بل إنها باتت تجذب شريحة لا يستهان بها من الناخبين اليهود الذين يشعرون
بالنفور من الأفعال العدائية للدولة اليهودية.
واختتم الموقع تقريره
بالتأكيد على أن السؤال الملح والأهم الذي يواجه اليهود الأمريكيين الآن هو ما إذا
كانوا سيتعرضون للتهميش في البلد الذي يعيشون فيه، بغض النظر عن توجهاتهم
التصويتية.