مقدمة:
في اللحظة
التي يرتجف فيها قاع المجتمع
المصري تحت وطأة الجوع، والفقر، والانسحاق الاقتصادي
غير المسبوق، يرتفع في المقابل صرح خرساني مرعب وسط الصحراء يُدعى "الأوكتاغون"،
ليعلن بوضوح عن هوية الحاكم الحقيقية: جنرال مصاب بجنون العظمة، مسكون برعب أزلي
من شعبه، ومستعد لإحراق مقدرات وطن بأكمله لتأمين كرسيّه. إن المشهد المصري الراهن
لم يعد مجرد أزمة إدارة سياسية، بل هو خطيئة تاريخية مكتملة الأركان، تُدار
بعقليتين لا ثالث لهما: عقلية "التحصين العسكري المفرط" ضد أي ثورة
شعبية قادمة، وعقلية "السيرك والإلهاء" التي تقتات اليوم على عرق
وإنجازات لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم في كأس العالم، لتغطية عار الإفلاس
وضياع الأصول السيادية.
هذا
المقال يزيح الستار عن الوجه الأكثر قبحاً لنظام عبد الفتاح
السيسي، مفككاً شفرات
الإسراف الباذخ في بناء القلاع الأمنية، وكيف تتحول الرياضة في يد الأجهزة
الاستخباراتية إلى "أفيون شعبي" مصمم بعناية لمنع الجماهير من النظر إلى
جيوبها الفارغة ووطنها المنهوب.
"أوكتاغون" الذعر الوجودي: عندما يبني الجنرال حصونه هرباً من
"لعنة الميادين"
لم يكن
بناء مجمع "الأوكتاغون" (مقر وزارة الدفاع الجديد في العاصمة الإدارية)
خطوة استراتيجية لحماية حدود مصر المستباحة أو لمواجهة تحديات الأمن القومي؛ بل
كان، باعتراف السيسي نفسه في أكثر من زلة لسان خطابية، خطة هروب كبرى وصناعة ملجأ
خرساني أخير ضد "طوفان يناير" جديد يراه النظام قادماً لا محالة. هذا
المجمع الأسطوري في ضخامته، والذي بلغت تكلفته مليارات الدولارات المقتطعة من لحم
المصريين الحي،
الترجمة العسكرية لعقدة النقص وجنون العظمة التي تسيطر على رأس النظام، الذي أراد تصميم صرح يتفوق شكلاً ومساحة على "البنتاغون" الأمريكي، ليقنع نفسه بأنه زعيم إمبراطوري، بينما هو في الحقيقة يدير دولة تعيش على المعونات وبيع الأصول
هو الترجمة العسكرية لعقدة النقص وجنون العظمة التي تسيطر على رأس
النظام، الذي أراد تصميم صرح يتفوق شكلاً ومساحة على "البنتاغون"
الأمريكي، ليقنع نفسه بأنه زعيم إمبراطوري، بينما هو في الحقيقة يدير دولة تعيش
على المعونات وبيع الأصول.
"أنا مش هسمح بتهديم الدولة تاني، واللي اتعمل من 15 سنة مش هيتكرر"..
العبارة المفتاحية التي تلخص رعب السيسي الوجودي من الجماهير.
إن اختيار
الجغرافيا المعزولة في عمق الصحراء لبناء هذا الحصن الثماني يثبت أن العدو الحقيقي
المتربص بالجنرال ليس خارج الحدود، بل هو المواطن المصري المطحون. لقد هرب النظام
بالقرار العسكري والإداري بعيداً عن كتل التجمع السكاني في القاهرة، بعيداً عن
ميدان التحرير ومحيط كوبري القبة، ليقينه التام بأن سياساته الكارثية خلقت مجتمعاً
قابلاً للانفجار في أي لحظة.
وفي الوقت
الذي يفرض فيه النظام على الشعب سياسات تقشفية قاتلة، نجد بورصة الإنفاق على
مشاريع "البرستيج" الأمني والعسكري تسجل أرقاماً فلكية مستفزة، وتتجلى
أبرز مظاهر هذا البذخ في:
- مجمع الأوكتاغون
العسكري: تكلف مليارات الدولارات بأسوار خرسانية مضاعفة، ومراكز تحكم ومخابئ تحت
الأرض، بهدف تأمين القيادة العسكرية والمعلوماتية بمعزل عن أي حراك شعبي أو ثورة
في العاصمة القديمة.
- القصور
والاستراحات الرئاسية الجديدة: تصميمات فرعونية فارهة، وتشطيبات خيالية بالرخام
المستورد والذهب في العاصمة الإدارية والعلمين، لإشباع نزعة جنون العظمة وإرساء
صورة الحاكم الإمبراطوري فوق النقد والمحاسبة.
- منظومات
المراقبة والتحصين الرقمي: شبكات كاميرات ذكية تغطي العاصمة الإدارية ومداخلها
بالتعاون مع شركات أمنية دولية، لخنق أي بادرة احتجاج وتحويل العاصمة الجديدة إلى
معزل آمن للأثرياء ورجال السلطة فقط.
هذا البذخ
الفج ليس مجرد سوء إدارة، بل هو عملية "نهب منظم" لأموال الأجيال
القادمة عبر القروض والديون، لبناء أسوار تحمي الحاكم من غضب المحكومين. إن الأوكتاغون
هو صرح مبني على الخوف، وكل حجر فيه يصرخ برعب السلطة من لحظة الحساب الشعبي
القادمة.
مكياج
المونديال القبيح: "تأميم الفرحة" لإخفاء عار الانهيار وضياع المقدرات
حينما
تبلغ الأزمة الاقتصادية ذروتها، وتصل العملة المحلية إلى قاع سحيق، وتفقد الدولة
سيادتها على أصولها التاريخية عبر صفقات بيع مشبوهة، تبرز الحاجة لدى الأنظمة
الشمولية إلى "صناعة نصر وهمي" يمتص دماء الغضب. وهنا التقطت الماكينة
الإعلامية والسياسية للنظام إنجاز المنتخب المصري في كأس العالم، لتحوله من حدث
رياضي يفخر به الشعب، إلى أداة بروباغندا قذرة لتلميع ذات الجنرال واستكمال مسلسل
الإلهاء طويل الحلقات.
بأقدام
لاعبي المنتخب وعرقهم، جرت محاولة صياغة سردية وطنية مزيفة تعزو هذا الإنجاز
الرياضي لـ"حكمة القيادة السياسية ورعايتها"، وكأن الكرة لم تدخل الشباك
إلا بفضل توجيهات السيسي وتخطيط أجهزته الأمنية! إن هذا "التأميم الفج"
للفرحة الشعبية يستهدف بالأساس:
- هندسة
الوعي البديل: دفع المواطن للاستغراق في نشوة كروية مؤقتة، تنسيه للحظات أنه عاجز
عن توفير ثمن كيلو من اللحم لأطفاله، أو أن المستشفيات الحكومية تحولت إلى مقابر
مجانية.
- التغطية
على صفقات البيع الكبرى: تمرير القرارات الاقتصادية الأكثر خطورة وسوداوية (مثل
بيع الموانئ، وتسييل أصول قناة السويس، والتنازل عن أراضٍ استراتيجية مستقبلاً)
تحت غطاء من صخب الاحتفالات وأغاني النصر الكروي المصطنعة.
- ابتزاز
العواطف الوطنية: تصوير أي انتقاد للأوضاع المعيشية أو السياسية في وقت
"النصر الرياضي" على أنه خيانة للوطن وتقليل من شأن "أمجاد
مصر" في عهد السيسي.
يعيش النظام المصري اليوم في رعب حقيقي، ومن مظاهر جنون العظمة والبذخ المستفز واستغلال نجاحات الشباب إلا محاولات يائسة ومكياج رخيص لتغطية وجه الخراب الاقتصادي وضياع مقدرات الأمة
لقد تحولت
أقدام اللاعبين، دون رغبة منهم، إلى ممسحة سياسية يحاول النظام عبرها تنظيف يده من
دماء الاقتصاد المصري المذبوح. إنها السياسة الرومانية القديمة في أبهى صورها:
"أعطهم خبزاً وسيركاً"، لكن نظام السيسي عجز عن توفير الخبز، فبالغ في
تضخيم "السيرك" ورفع صوت الموسيقى ليغطي على أنين الجياع.
ختام:
إن
التاريخ لم يحفظ قط حكاية طاغية استطاع العيش بسلام خلف جدران محصنة بينما يغلي
المرجل من حوله؛ فقلاع "الأوكتاغون" مهما بلغت سماكة خرسانتها لن تحجب
أصوات البطون الخاوية إذا ما قررت الزحف، وأفيون الملاعب الذي تصنعه المخابرات عبر
الشاشات والمدرجات سينتهي مفعوله حتماً بمجرد إطلاق صافرة نهاية المباريات.
يعيش
النظام المصري اليوم في رعب حقيقي، ومن مظاهر جنون العظمة والبذخ المستفز واستغلال
نجاحات الشباب إلا محاولات يائسة ومكياج رخيص لتغطية وجه الخراب الاقتصادي وضياع
مقدرات الأمة. إن تلميع الذات بأقدام اللاعبين لن يغير حقيقة أن الوطن ينزف، وأن
لحظة الارتطام الكبرى بالواقع لن تمنعها أسوار العاصمة الجديدة ولا حصون الصحراء
المحصنة.
سؤال
للقراء:
إلى أي
مدى تعتقد أن النظام الحالي سينجح في استخدام "أفيون الرياضة"
والانتصارات الكروية لتخدير الشارع وتمرير صفقات بيع ما تبقى من مقدرات مصر؟ وهل
تملك جدران "الأوكتاغون" القدرة الفعلية على الصمود أمام ثورة الجياع
القادمة؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.