مع اقتراب موعد زيارة رئيس الوزراء
العراقي حيدر العبادي إلى واشنطن، تترقب بغداد ما يمكن أن يتمخض عنه اللقاء المرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية.
وبحسب تقرير لموقع "
ميدل إيست آي" فإن الرئيس ترامب ينظر إلى العراق من بوابة الاقتصاد والصفقات، بينما يسعى العبادي إلى استثمار هذا التوجه لكسب دعم واشنطن، وكسب مزيد من الوقت لتنفيذ تعهداته، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة.
اظهار أخبار متعلقة
فصائل ترفض نزع سلاحها
وفي موقف استباقي قبيل الزيارة المرتقبة للزيدي، جدّدت فصائل عراقية مسلحة رفضها تسليم سلاحها، وشدّد بيان للمقاومة الإسلامية في العراق على "عدم المساومة على السلاح"، مؤكداً استمرار
الفصائل في عملياتها، إلى جانب مواصلة التدريب وتطوير قدرات مقاتليها.
ومن بين أبرز الفصائل التي أعلنت رفضها تسليم السلاح: "كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، وحركة النجباء، وأنصار الله الأوفياء"، فيما منح
الزيدي تلك الفصائل مهلة حتى الثلاثين من أيلول/سبتمبر لنزع أسلحتها للدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
ووفق مسؤول عراقي رفيع تحدث للموقع، فإن الزيدي سيصل واشنطن حاملاً حزمة من الاتفاقيات الاقتصادية، في محاولة لإقناع إدارة ترامب بأن العراق قادر على التحول إلى شريك اقتصادي مهم.
ويشير التقرير إلى أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، توم باراك، يسعى للدفع باتجاه إبرام اتفاقيات وعقد تفاهمات أولية قبل وصول الزيدي، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز حضور الشركات الأمريكية مقابل تقليص النفوذ الإيراني الاقتصادي.
وعدّ تقرير "ميدل أيست آي" استئناف الولايات المتحدة تحويل عائدات النفط العراقي المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، قبل أيام من الزيارة، لم يكن مجرد إجراء مالي، بل رسالة سياسية تعكس أهمية المرحلة الحالية.
وخلال نيسان/أبريل الماضي، علّقت إدارة ترامب هذه التحويلات، بالتزامن مع تصاعد هجمات الفصائل على المصالح الأمريكية ضمن ما يُعرف بـ"وحدة الساحات"، حيث استخدمت واشنطن الملف كورقة ضغط لمنع اتساع رقعة الصراع مع إيران.
وفقاً للتقرير، لن يمنح ترامب السوداني شيكاً على بياض، حيث ستسعى إدارة الرئيس الأمريكي للحصول على التزامات عراقية واضحة بشأن إنهاء نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ووقف الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية ودول الخليج.
هل تنجح المقايضة؟
يخلص التقرير إلى أن السوداني يحاول إقناع إدارة ترامب بمعادلة تقوم على توسيع الشراكة الاقتصادية مقابل منح بغداد الوقت الكافي لمعالجة الملفات الأمنية المعقدة، وعلى رأسها سلاح الفصائل.
إلا أن هذا المسار، بحسب التقرير، يصطدم بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد، إذ خرجت الفصائل المسلحة من الحرب الأخيرة أكثر ارتباطاً بطهران، فيما عزز الحرس الثوري الإيراني دعمه لها، الأمر الذي يجعل تنفيذ تعهدات الحكومة العراقية أكثر صعوبة.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن نجاح زيارة واشنطن لن يُقاس بعدد الاتفاقيات التي ستُوقَّع، بل بقدرة السوداني على إقناع البيت الأبيض بأنه قادر على تحويل الوعود المتعلقة بحصر السلاح والإصلاح الاقتصادي إلى واقع، من دون أن يدفع العراق ثمن مواجهة مفتوحة مع القوى المسلحة أو خسارة توازن علاقاته مع إيران.
ويقول مدير برنامج العراق في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، عباس كاظم، إن دعم واشنطن لترشيح السوداني سبق التصويت البرلماني على حكومته، وهو أمر لم يحدث مع أي رئيس وزراء عراقي سابق.
كما يرى مدير مبادرة العراق في تشاتام هاوس، ريناد منصور، أن السوداني يحاول بناء علاقة شخصية مع ترامب، مستلهماً تجارب قادة إقليميين نجحوا في كسب ثقة الرئيس الأمريكي عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار.
مهمة توازن شبه مستحيلة
وفقاً لتقرير نشرته مؤسسة "
Atlantic Council"، فإن أمام الولايات المتحدة خيارين: إما أن تبقى شريكاً داعماً لاستقرار العراق، أو أن تصبح مصدراً لضغوط متواصلة على الدولة العراقية.
ويجب على السوداني ألا يكتفي بإقناع ترامب بأنه مستعد وقادر على تلبية العديد من المطالب الأمريكية الهامة، بل عليه أيضاً أن يؤكد أن العراق لا يزال ذا أهمية بالغة للمصالح الوطنية الأمريكية، وأنه جدير باستمرار الشراكة مع واشنطن.
في الوقت الذي يسعى فيه السوداني إلى تصوير رئاسته للوزراء على أنها تمثل توجهاً جديداً وربما أكثر ميلاً إلى الولايات المتحدة في السياسة الخارجية العراقية، تأتي زيارته بعد أيام قليلة من مراسم الجنازة الرسمية في العراق للمرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.
وقد شارك السوداني نفسه ومجموعة من السياسيين العراقيين في مراسم الجنازة، حيث توجهوا إلى النجف للقاء جثمان المرشد الذي قُتل في اللحظات الأولى من الحرب، مما يدل على النفوذ الديني والثقافي العميق الذي لا تزال إيران تمارسه داخل البلاد.
يُجسّد هذا التناقض الصارخ بين هذه الأحداث التنافس المحتدم على النفوذ في العراق. فقد سعى رؤساء الوزراء المتعاقبون إلى تحقيق توازن في السياسة الخارجية العراقية بين علاقة البلاد التكافلية مع إيران واستمرار تعاونها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
إلا أن الحرب الإيرانية هذا العام جعلت هذا التوازن، الذي لطالما كان محفوفاً بالمخاطر، أكثر صعوبة من أي وقت مضى. ويُعدّ تقويض النفوذ الإيراني الدافع الرئيسي للسياسة الأمريكية في العراق، ما يعني أن السوداني سيواجه خيارات صعبة.
ظهار أخبار متعلقة
ويواجه الزيدي، في الوقت الراهن، اجتماعاً بالغ الأهمية مع ترامب، يحمل في طياته مخاطر جمة ومكافآت كبيرة، وقد يكون للشكل أهمية أكبر من المضمون. يحتاج الزيدي إلى استمالة ترامب ومنحه الثقة بأن الولايات المتحدة تدعم الزعيم المناسب بكل قوة.
وحتى مع مزيج من الدعم والضغط الأمريكي، سيواجه الزيدي عقبات جسيمة في طريقه. فرغم أن نزع سلاح الميليشيات يصبّ في المصلحة الوطنية العراقية الواضحة، إلا أن تجذّر هذه الميليشيات العميق في النظامين السياسي والاقتصادي قد يعرقل أي تقدم ملموس.