علاقة تاريخية بين أمير قطر الراحل وفلسطين.. كسر حصار غزة واستضاف "حماس"
لندن- عربي2112-Jul-2610:05 AM
زار الشيخ حمد بن خليفة قطاع غزة في العام 2012- جيتي
شارك الخبر
توفي أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، اليوم الأحد، عن عمر ناهز 74 عاما، بعد مسيرة حكم امتدت بين عامي 1995 و2013، نقل خلالها الدولة الخليجية الصغيرة إلى موقع متقدم اقتصاديا، وسياسيا.
وترك "الأمير الوالد" كما كان يُطلق عليه في قطر بصمة في ملفات إقليمية عدة، كان أبرزها القضية الفلسطينية التي تحولت في عهده إلى أحد أهم محاور السياسة الخارجية القطرية.
وارتبط اسم حمد بن خليفة بمحطات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، بدءا من دعم السلطة الفلسطينية، مرورا باستضافة حوارات المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ووصولا إلى أول زيارة لزعيم عربي إلى قطاع غزة في عهد حكومة "حماس"، إضافة إلى إطلاق مشاريع إعادة إعمار بمئات ملايين الدولارات.
انفتاح مؤقت على "إسرائيل"
عندما تولى الشيخ حمد الحكم في حزيران/ يونيو 1995، تبنت قطر سياسة خارجية مختلفة عن محيطها الخليجي، فسمحت عام 1996 بافتتاح مكتب تجاري إسرائيلي في الدوحة، وزار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز قطر، في خطوة عُدت حينها سابقة خليجية.
لكن هذا المسار لم يستمر طويلا؛ إذ أغلقت الدوحة المكتب التجاري الإسرائيلي مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وأعلنت تجميد العلاقات، بالتزامن مع استضافة القمة الإسلامية الطارئة التي ركزت على دعم الفلسطينيين والتنديد بالعدوان الإسرائيلي.
ورغم هذه المرحلة من الانفتاح، حافظت قطر على دعمها السياسي والمالي للفلسطينيين.
قناة "الجزيرة"
لم يكن الدور القطري مقتصرًا على المسارات الدبلوماسية والمالية، بل شكلت شبكة "الجزيرة" -التي انطلقت في عام 1996 بقرار من الشيخ حمد بن خليفة- ذراعاً إعلامية أحدثت تحولاً جذرياً تغطية القضية الفلسطينية.
فقد تبنت الشبكة منذ تأسيسها نهجاً يقدم الرواية الفلسطينية للجمهور العربي والعالمي، عبر التغطية الميدانية المكثفة والمباشرة من قلب الأحداث، لا سيما خلال الانتفاضة الثانية والحروب المتتالية على قطاع غزة.
واعتُبر هذا الانحياز للحقوق الفلسطينية وتوثيق جرائم الاحتلال بالصوت والصورة، أكبر قوة ناعمة حصلت عليها قطر، وهو ما عزز من مكانة الدوحة كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في هذا الملف.
حرب غزة.. نقطة التحول
برز الدور القطري بصورة أكبر خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أواخر عام 2008 ومطلع 2009.
وقاد الشيخ حمد حملة دبلوماسية لعقد قمة عربية طارئة في الدوحة، داعيا إلى وقف العدوان ورفع الحصار، ووصف ما يجري في القطاع بأنه "جريمة حرب"، كما أعلن تخصيص 250 مليون دولار كبذرة أولى لإعادة إعمار غزة، داعيا إلى تعليق مبادرة السلام العربية ووقف أشكال التطبيع مع "إسرائيل".
ورغم مقاطعة عدد من الدول العربية للقمة، شكلت تلك المرحلة بداية انتقال قطر إلى لاعب رئيسي في الملف الفلسطيني.
أول زعيم عربي يزور غزة
وتبقى زيارة الشيخ حمد بن خليفة إلى قطاع غزة في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2012 أبرز محطة في علاقته بالقضية الفلسطينية.
فقد أصبح أول رئيس دولة وأول زعيم عربي يزور القطاع منذ احتلاله عام 1967، وأول زعيم عربي يدخله بعد تشكيل حكومة حماس عام 2007، في خطوة اعتبرها الفلسطينيون كسرا سياسيا للحصار المفروض على غزة.
وخلال الزيارة أعلن الأمير الوالد إطلاق مشاريع تنموية بقيمة تجاوزت 400 مليون دولار، شملت إنشاء مدينة الشيخ حمد السكنية، وشق طرق رئيسية، وتمويل مشاريع للبنية التحتية والخدمات.
كما شدد في كلمته على أن الدعم القطري موجه إلى الشعب الفلسطيني، داعيا في الوقت نفسه إلى إنهاء الانقسام الداخلي، مؤكدا أن "الانقسام هو الضرر الأكبر للقضية الفلسطينية".
وقبل الزيارة، أجرى اتصالا برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، للتأكيد أن الخطوة تأتي دعما للفلسطينيين جميعا، وليست انحيازا لطرف على حساب آخر.
رعاية المصالحة الفلسطينية
لم يقتصر الدور القطري على الدعم المالي، بل امتد إلى الوساطة السياسية بين الفصائل الفلسطينية.
وفي شباط/ فبراير 2012، رعت الدوحة توقيع "إعلان الدوحة" للمصالحة الفلسطينية بين محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس آنذاك خالد مشعل، بحضور الشيخ حمد.
ونص الاتفاق على تشكيل حكومة توافق وطني والعمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني، ووصف الأمير الاتفاق حينها بأنه "مسؤولية تاريخية" تقع على عاتق القيادتين الفلسطينيتين.
ورغم أن الاتفاق لم يطبق بالكامل، فإنه بقي أحد أبرز محاولات إنهاء الانقسام الفلسطيني خلال العقد الماضي.
استضافة قيادة حماس
في العام نفسه، استضافت الدوحة قيادة المكتب السياسي لحركة حماس بعد مغادرتها سوريا عقب اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد.
وأوضحت قطر في أكثر من مناسبة أن وجود قيادة الحركة جاء ضمن ترتيبات هدفت إلى توفير قناة اتصال غير مباشرة مع الحركة، وهو ما سمح لاحقا بلعب دور الوسيط في ملفات التهدئة وصفقات تبادل الأسرى بين حماس والاحتلال الإسرائيلي.
وأصبحت الدوحة خلال السنوات اللاحقة محطة رئيسية للمفاوضات غير المباشرة، وهو الدور الذي تعزز بصورة أكبر بعد حرب غزة التي اندلعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
إعادة إعمار غزة
أنشأت قطر في أعقاب زيارة الأمير الوالد "اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة"، التي تولت تنفيذ عشرات المشاريع الحيوية داخل القطاع.
وشملت المشاريع إنشاء مدينة الشيخ حمد السكنية التي تضم أكثر من ألف وحدة سكنية، وإعادة تأهيل شارعي صلاح الدين والرشيد، وبناء قصر العدل، إلى جانب إنشاء مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، الذي يعد الأكبر من نوعه في القطاع.
كما موّلت الدوحة على مدار سنوات شحنات الوقود اللازمة لتشغيل محطة الكهرباء الوحيدة في غزة، وقدمت مساعدات نقدية للأسر الفقيرة، وأسهمت في دعم قطاعات الصحة والتعليم والإسكان.
نهج استمر بعد مغادرته الحكم
يشار إلى أنه عندما سلم الشيخ حمد بن خليفة الحكم إلى نجله الأمير تميم بن حمد عام 2013، لم يتغير المسار القطري في الملف الفلسطيني.
فواصلت الدوحة دورها كوسيط بين حماس والاحتلال بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة، ولعبت دورا محوريا في التوصل إلى اتفاقات هدنة وصفقات لتبادل الأسرى خلال الحرب التي اندلعت في غزة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.