من كولومبيا إلى البرازيل.. كيف يصنع ترامب نفوذه الجديد في أمريكا اللاتينية؟

رئيس الإكوادور أحد حلفاء ترامب أعلن عن "تحالف استراتيجي" مع إريك برنس - جيتي
رئيس الإكوادور أحد حلفاء ترامب أعلن عن "تحالف استراتيجي" مع إريك برنس - جيتي
شارك الخبر
تتجه خريطة النفوذ السياسي في أمريكا اللاتينية نحو تحول جديد مع صعود عدد من التيارات اليمينية المدعومة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت حقق حلفاؤه سلسلة انتصارات انتخابية عززت حضور واشنطن في المنطقة.

وأكدت صحيفة "تليغراف" البريطانية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجح في تعزيز نفوذه داخل أمريكا اللاتينية عبر دعم عدد من حلفائه السياسيين المنتمين إلى اليمين، مشيرة إلى أن فوز المرشح اليميني المتشدد أبيلاردو دي لا إسبريلا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية يمثل أحدث محطة في مسار ما وصفته الصحيفة بـ"صناعة الملوك" التي ينتهجها ترامب في القارة.

وأشارت الصحيفة إلى أن دي لا إسبريلا، المعروف بلقب "النمر"، تمكن من حسم الانتخابات بعد منافسة قوية أمام السيناتور اليساري إيفان ثيبيدا، بعدما ركز خلال حملته الانتخابية على وعود بمواجهة الجريمة والفساد عبر سياسة "القبضة الحديدية"، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأضافت "تليغراف" أن دي لا إسبريلا، وهو محامٍ ملياردير ورجل أعمال شعبوي، تعهد باتخاذ إجراءات أمنية مشددة لمواجهة العصابات والجريمة المنظمة، مؤكدًا أنه سيخوض مواجهة مفتوحة مع من وصفهم بالمجرمين الذين يهددون أمن كولومبيا.

ولفتت الصحيفة إلى أن وصول دي لا إسبريلا إلى السلطة يأتي ضمن موجة صعود لتيارات اليمين في أمريكا اللاتينية، حيث بات عدد من القادة الجدد يتبنون سياسات اقتصادية قائمة على السوق الحرة، إلى جانب إجراءات أمنية أكثر تشددًا، وهو ما ترى الصحيفة أنه يتوافق مع أولويات إدارة ترامب المتعلقة بالحد من الهجرة غير النظامية، ومواجهة تجارة المخدرات، وتعزيز المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة.

وأكدت الصحيفة أن ترامب لم يخفِ رغبته في توسيع نفوذ الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، عبر دعم مرشحين من اليمين يمكنهم توفير وصول أوسع إلى الدول الغنية بالموارد الطبيعية، وخاصة المعادن والنفط، مقابل تعزيز التعاون الأمني مع واشنطن.

ونقلت "تليغراف" عن السفير الأمريكي السابق لدى بنما جون فيلي قوله إن اهتمام ترامب بالقارة يرتبط بشكل أساسي بالموارد الطبيعية، وخاصة النفط والذهب، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تعزيز السيطرة الأمريكية على نصف الكرة الغربي.

وقال فيلي، بحسب الصحيفة، إن ترامب "يريد فرض الهيمنة على نصف الكرة الغربي، ليس بهدف إنشاء مجتمع قائم على تحالفات بين ديمقراطيات مستقرة، وإنما لتحقيق أهداف مرتبطة بالاستغلال التجاري".

اظهار أخبار متعلقة


وأضاف الدبلوماسي الأمريكي السابق أن ترامب استخدم منصته على موقع "تروث سوشيال" للتدخل علنًا في الشؤون الداخلية لدول أخرى، مشيرًا إلى أن ذلك يمثل تحولًا عن النهج الذي اتبعه الرؤساء الأمريكيون السابقون، الذين كانوا يحاولون ممارسة النفوذ على المنطقة بدرجات مختلفة دون هذه الدرجة من العلنية.

وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولي الإدارة الأمريكية الحاليين والسابقين يرون أن التحول السياسي في أمريكا اللاتينية يفتح الباب أمام واشنطن لاستعادة نفوذها في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية تقاربًا متزايدًا مع الصين.

حلفاء ترامب وسياسة الأمن الصارمة

وتابعت "تليغراف" أن القادة الجدد في أمريكا اللاتينية ركزوا بشكل كبير على ملف مكافحة الجريمة، مستفيدين من حالة القلق الشعبي بسبب ارتفاع معدلات العنف وانتشار عصابات المخدرات.

وأوضحت أن دي لا إسبريلا قدم خلال حملته الانتخابية وعودًا بإنشاء 10 سجون ضخمة شديدة الحراسة، وزيادة الإنفاق العسكري، والقبض على عدد من قادة عصابات المخدرات خلال الأشهر الأولى من ولايته.

كما يسعى الرئيس الكولومبي الجديد إلى انضمام بلاده إلى تحالف أمني يحمل اسم "درع الأمريكتين"، يضم الولايات المتحدة وعددًا من دول أمريكا اللاتينية، بهدف مواجهة عصابات المخدرات من خلال تعزيز دور الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وأشارت الصحيفة إلى أن موقف دي لا إسبريلا من قطاع الطاقة شكّل نقطة تقارب مع ترامب، بعدما تعهد بزيادة إنتاج النفط وتوسيع عمليات التكسير الهيدروليكي، في وقت كان فيه الرئيس الكولومبي السابق جوستافو بيترو يدفع باتجاه تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وفي بيرو، أوضحت "تليغراف" أن المرشحة اليمينية كيكو فوجيموري تمكنت من الفوز بالرئاسة بعد اعتماد خطاب قريب من خطاب ترامب، ركز على مكافحة الجريمة، وتشديد الإجراءات داخل السجون، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن الرئيسة الجديدة لكوستاريكا، لورا فرنانديز ديلجادو، ركزت خلال حملتها الانتخابية على تعزيز العلاقات مع واشنطن، ووصفت الولايات المتحدة بأنها "حليف غير مشروط"، إلى جانب التعهد بشن حرب قوية ضد الجريمة المنظمة.

كما لفتت الصحيفة إلى أن فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، حصل على دعم ترامب بعد تعهده ببناء خمسة سجون جديدة شديدة الحراسة، والسماح للولايات المتحدة بالاطلاع على فريقه الانتقالي في حال فوزه بالانتخابات.

وأكدت أن فوز بولسونارو الابن سيمثل ضربة جديدة للتيار اليساري الذي عرف باسم "الموجة الوردية" التي اجتاحت أمريكا اللاتينية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

الإكوادور وبوليفيا.. توسيع النفوذ الأمريكي


وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس الإكوادور دانيال نوبوا، وهو أحد حلفاء ترامب، أعلن عن "تحالف استراتيجي" مع إريك برنس، مؤسس شركة "بلاك ووتر" العسكرية الخاصة، للمساعدة في مواجهة ما يصفه بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات".

وأضافت أن نوبوا يسعى كذلك إلى فتح مناطق محمية أمام استغلال الموارد المعدنية، والسماح بإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في جزر جالاباجوس.

اظهار أخبار متعلقة


كما أوضحت أن بوليفيا، وبعد عقود من الحكومات اليسارية، رحبت بعودة عناصر إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA)، بينما تمكن حلفاء ترامب من الوصول إلى السلطة في دول أخرى مثل تشيلي وهندوراس والأرجنتين.

الحرب على المخدرات والتدخل العسكري


وأكدت "تليغراف" أن إدارة ترامب تستفيد من التحول السياسي نحو اليمين في أمريكا اللاتينية، مشيرة إلى أن مصادر داخل الإدارة الأمريكية تحدثت عن إمكانية إرسال قوات أمريكية إلى المنطقة للمساعدة في مواجهة عصابات المخدرات.

وأضافت أن ترامب كان قد اتهم كولومبيا في يناير الماضي بالفشل في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بمكافحة المخدرات، ولوح باتخاذ إجراءات عسكرية ضدها.

ولفتت الصحيفة إلى أنه رغم معارضة ترامب المعلنة لأي تدخل عسكري مباشر، فإن بعض التقديرات تشير إلى احتمال إرسال قوات أمريكية إلى كولومبيا خلال ولاية دي لا إسبريلا بهدف استهداف مراكز إنتاج الكوكايين وملاحقة قادة العصابات والجماعات المسلحة.

تحول سياسي واسع في القارة


وأشارت "تليغراف" إلى أن التحول نحو اليمين لم يعد مقتصرًا على بعض الدول، بل أصبح ظاهرة إقليمية، حيث أظهرت استطلاعات مؤسسة لاتينوبارومترو أن عددًا متزايدًا من سكان أمريكا اللاتينية باتوا يعرّفون أنفسهم بأنهم ينتمون إلى اليمين السياسي مقارنة بأي وقت خلال العقدين الماضيين.

وأضافت أن هذا التحول ظهر حتى في المكسيك، التي عُرفت تاريخيًا بمعارضتها للتدخلات الأمريكية، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "ميتوفيسكي" أن أكثر من نصف المشاركين يؤيدون دخول السلطات الأمريكية إلى البلاد لمحاربة عصابات الجريمة المنظمة واعتقال قادتها.

ونقلت الصحيفة عن جون فيلي تفسيره لهذا التحول بأنه يمثل "تصويت عقاب" من المواطنين الذين فقدوا الثقة في الحكومات بسبب انتشار الجريمة والفساد.

المصالح الاقتصادية ومواجهة الصين


وفي ختام تقريرها، أكدت "تليغراف" أن اهتمام ترامب بأمريكا اللاتينية يختلف عن سياسات الرؤساء الأمريكيين السابقين، مشيرة إلى أن دوافعه ترتبط بدرجة كبيرة بالمصالح الاقتصادية والوصول إلى الموارد الطبيعية.

ونقلت عن السفير الأمريكي السابق لدى جواتيمالا ستيفن ماكفارلاند قوله إن نهج ترامب في السياسة الخارجية لا يعتمد فقط على الاعتبارات الأيديولوجية، بل يركز بدرجة أكبر على الصفقات التجارية والحصول على الموارد التي تخدم المصالح الأمريكية.

وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة عززت نفوذها الاقتصادي في المنطقة عبر السيطرة على إنتاج النفط الفنزويلي، وإبرام اتفاقيات تجارية مع السلفادور والأرجنتين وجواتيمالا، إلى جانب بحث توسيع الوصول إلى المعادن النادرة والحيوية في بيرو وبوليفيا وتشيلي.

كما أشارت إلى أن إدارة ترامب ترى أن تعزيز العلاقات مع حكومات حليفة في أمريكا اللاتينية يمثل جزءًا من المنافسة مع الصين، التي أصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا لعدد من دول المنطقة.

واختتمت "تليغراف" تقريرها بالإشارة إلى أن استراتيجية ترامب الجديدة تجاه أمريكا اللاتينية تقوم على استعادة النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، في وقت يرى منتقدون أن سياسات القبضة الأمنية والتدخلات المحتملة قد تؤدي إلى زيادة التوترات وانتهاكات حقوق المدنيين، بينما يعتقد أنصار ترامب أنها ستعيد الأمن والازدهار الاقتصادي للولايات المتحدة.
التعليقات (0)