يمر
بوضع يشبه الأيام التي سبقت الإطاحة بسلفه سيب بلاتر، إذ يواجه أخطر أزمة داخلية منذ
توليه منصب الرئاسة.
جماعات
حقوقية تنوي مقاضاته، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم يزمع التحرك ضده فقد فجرت
"بطاقة بولوغون" الحمراء التي ألغيت في مواجهة فريق أوروبي شبكة الحماية
التي وفرها الأوروبيون له على مدى سنوات.
كما
تقدمت عدة منتخبات بشكاوى حول عدم ثبات مستوى التحكيم واتهامات بانحيازه وتفضيله
منتخبا محددا على باقي المنتخبات.
ينتقده
الكثيرون بسبب علاقته الوثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حتى أنه شجع ترامب
شخصيا على رفع كأس العالم خلال احتفالات الفريق الفائز.
ومع
كل هذا وذاك يبدو بأنه لن يخسر موقعه بسهولة فقد أغدق على الاتحادات الوطنية التي
تصوت في انتخابات "فيفا" الكثير من المال من أرباح كأس العالم 2026.
ولد
جيوفاني جياني فينتشينزو إنفانتينو في عام 1970 في بلدة بريغ بسويسرا لأبوين
إيطاليين مهاجرين من منطقتي كالابريا ولومبارديا الإيطاليتين، ويحمل الجنسية
اللبنانية عن طريق الزواج من اللبنانية لينا الأشقر، وبالتالي فهو مواطن سويسري
وإيطالي ولبناني.
درس
القانون في جامعة فريبورغ بسويسرا، وهو يتحدث الفرنسية والألمانية والإيطالية
كـلغات أم، كما يتحدث العربية والإنجليزية والبرتغالية والإسبانية.
بدأ
جياني إنفانتينو العمل مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) في عام 2000، وعين
مديرا لقسم الشؤون القانونية وترخيص الأندية في "يويفا" في عام 2004، ثم
أصبح نائب الأمين العام لـ"يويفا" في عام 2007، وأمينا عاما له في عام
2009.
خلال
فترة وجوده هناك، أشرف إنفانتينو على توسيع بطولة أمم أوروبا (يويفا يورو) 2016 ،
كما لعب دورا في تنظيم دوري الأمم الأوروبية وكأس الأمم الأوروبية 2020.
وجوده
كعضو في لجنة إصلاح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منحه دعم "يويفا"
من أجل الترشح لشغل منصب الرئيس في مؤتمر "فيفا" الاستثنائي عام 2016، فانتخب
رئيسا لـ"فيفا" لمدة ثلاث سنوات، وأعيد انتخابه عام 2019 ثم للمرة
الثالثة في عام 2023.
أشرف
على كأس العالم 2018 في روسيا، كما أشرف على كأس العالم 2022 في قطر، وخلال تلك
الفترة دافع عن الجدل والمزاعم التي أثرت حول مزاعم سجل قطر في مجال حقوق الإنسان
أو قلل من شأنه.
ولعب
دورا رئيسيا في اختيار المملكة العربية السعودية لاستضافة كأس العالم 2034، حيث
روج للملف السعودي ووضع قيودا على شروط الأهلية للاستضافة، مما قلل من عدد الملفات
المنافسة المحتملة، بحسب مزاعم نشرت وقتها.
وكانت
كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، البطولة العالمية الثالثة
التي أشرف عليها إنفانتينو، والتي دافع فيها عن غلاء أسعار التذاكر وحرمان بعض
المشجعين من حضور المباريات بسبب الأسعار، مصرحا بأن "فيفا" يستثمر
الإيرادات الإضافية الناتجة عن ذلك في تطوير اللعبة.
لقد كانت
رئاسة إنفانتينو لـ"فيفا" موضوعا لا يتوقف لانتقادات متكررة تتعلق بفساد
مزعوم، وتضارب في المصالح، وحوكمة الاتحاد الغائبة، وعلاقاته مع دول متهمة بانتهاك
حقوق الإنسان
لكن
لجنة الأخلاقيات بـ"فيفا" والادعاء العام السويسري أغلاقا التحقيقات في
سلوكه الشخصي لعدم العثور على أي انتهاك أو توجيه اتهامات، وعزا المعلقون
المنتقدون لإنفانتينو هذه النتائج إلى إضعاف هيئات الرقابة في "فيفا"
خلال فترة ولايته وليس إلى تبرئته.
كما ورد
اسم إنفانتينو في الوثائق المسربة المعروفة باسم "وثائق بنما" بعد فترة
وجيزة من انتخابه عام 2016، وأشارت الوثائق إلى أنه عندما كان مسؤولا قانونيا رفيع
المستوى في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وشارك في التوقيع على عقد حقوق بث
تلفزيوني مع شركة ارتبطت لاحقا بمتهمين في التحقيقات الأمريكية بشأن الفساد في
"
الفيفا" وهي علاقة كان الاتحاد الأوروبي قد نفاها سابقا، وأعرب إنفانتينو عن استيائه من
هذه التقارير.
كما خضع
إنفانتينو للاستجواب بسبب الاشتباه في انتهاكه لميثاق أخلاقيات الاتحاد الدولي
لكرة القدم. وركز التحقيق على ثلاث
قضايا: عدة رحلات جوية قام بها إنفانتينو خلال الأشهر الأولى من رئاسته، ومسائل
تتعلق بالموارد البشرية تخص عمليات التعيين في مكتب الرئيس، ورفض إنفانتينو توقيع العقد
الذي يحدد طبيعة علاقته الوظيفية مع "فيفا".
ولاحقا
في حزيران/ يونيو الماضي قدم الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم ميشيل
بلاتيني شكوى جنائية في فرنسا ضد "فيفا" وإنفانتينو، قائلا أن إنفانتينو
دبر حملة من الاتهامات الباطلة واستغلال النفوذ لمنع بلاتيني من خلافة جوزيف بلاتر
في رئاسة "فيفا"، وبالتالي تسهيل انتخابه شخصا في عام 2016.
واجه
إنفانتينو انتقادات بسبب علاقاته مع رؤساء دول شعبويين، فقد قبل وسام الصداقة من
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمناسبة كأس العالم 2018، وحافظ على علاقات وثيقة مع
العائلات الحاكمة في دول الخليج العربي.
كما طور علاقة علنية بارزة مع
الرئيس ترمب في الفترة التي سبقت كأس العالم الحالية، وجادل النقاد بأنه تحت قيادته، أصبح
"فيفا" أكثر تماشيا مع الجهات الحكومية والجهات الداعمة من صناديق
الثروة السيادية، وأكثر اعتمادا عليها ماليا.
وفجر مفاجأة باستحدث "جائزة الفيفا للسلام: كرة القدم توحد
العالم"، بهدف تكريم الأفراد الذين يقدمون مساهمات استثنائية لتعزيز السلام
والوحدة، وتسلم ترامب النسخة الافتتاحية
من هذه الجائزة في واشنطن وذلك بالتزامن مع مراسم قرعة كأس العالم 2026.
أثارت
الجائزة واختيار ترامب لتلقيها انتقادات واسعة، نظرا لتسميتها وتوقيتها تزامنا مع
حملة ضغط وانتقادات علنية وجهها ترامب لعدم منحه جائزة "نوبل للسلام" في
ذلك العام، وقد لفت كل من التوقيت والمشهد العام للجائزة الأنظار، مما أثار
تساؤلات إضافية حول تداخل الرياضة بالسياسية.
ولم
تكن الانتقادات الموجهة ضد إنفانتينو جديدة، بل ظهرت عندما قام ترامب بتوجيه رسالة
مباشرة للاعبي منتخب إيران ينصحهم فيها بعدم المشاركة في بطولة كأس العالم 2026،
قبل أن تتعامل سلطاته المحلية مع الفريق بشكل سيئ للغاية.
كما
واجه العديد من المشجعين وممثلي الاتحادات صعوبات في الحصول على التأشيرات والسفر
والاستقبال في الولايات المتحدة، دون أن يتخذ "فيفا" موقفا جادا ضد
سلطات الدولة المضيفة، ثم أعلن "فيفا" بشكل رسمي أن ترامب سيقدم الكأس
شخصيا لبطل العالم المستقبلي في المباراة النهائية.
وكان
اتصال ترمب بإنفانتينو وطلب مراجعة البطاقة الحمراء التي منحت لمهاجم الولايات
المتحدة فولارين بالوغون خلال المباراة بين الولايات المتحدة والبوسنة والهرسك
مثار جدال لم يتوقف حتى اليوم، فقد علق "فيفا" عقوبة الإيقاف التلقائي
لمباراة واحدة بحق بالوغون لفترة اختبار مدتها عام واحد، مما سمح له باللعب في دور
الستة عشر ضد بلجيكا.
وأثار
هذا القرار انتقادات واسعة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، والاتحاد الملكي
البلجيكي لكرة القدم، والعديد من المدربين الدوليين، الذين شككوا في تداعيات
القرار على اللعب النظيف والقرارات الانضباطية المستقبلية، وطالبوا إنفانتينو
بالاستقالة.
وقد
نفى إنفانتينو وجود أي تدخل سياسي، مصرا على أن لجنة الانضباط كانت مستقلة في
قرارها.
وتصاعدت
الضغوط على إنفانتينو، حيث وجه 72 عضوا في البرلمان الأوروبي رسالة رسمية إلى
رؤساء الاتحادات الكروية في الاتحاد الأوروبي (27 اتحادا) تطالب هذه المجموعة بإجراء تحقيق فوري في قرار إفلات
بالوجون من عقوبة الإيقاف، وتأتي هذه الخطوة بعد ما تم كشفه بشأن اتصال ترامب شخصيا،
بإنفانتينو للضغط من أجل اللاعب.
وتتشكل
ملامح تمرد تقوده عدة اتحادات وطنية، وفي هذا السياق، يعمل الاتحاد الأوروبي لكرة
القدم على إمكانية دعم مرشح بديل في الانتخابات الرئاسية لعام 2027 لإنهاء حكم
إنفانتينو الطويل، خصوصا وأن الاتحاد البلجيكي دخل صراعا غير مسبوق على الرئاسة،
ويأمل في الحصول على دعم من جيرانه الأوروبيين.
لكن
فرص منافسيه تبدو ضئيلة فقد حظي إنفانتينو بدعم أفريقيا وآسيا وأميركا رسميا قبل
انطلاق منافسات مونديال 2026، ما يمثل أغلبية كبيرة من أصوات "فيفا"، وذلك
بعد أن أغدق إنفانتينو توزيع الأموال، والتي تقدر بـ2.7 مليار دولار للاتحادات الوطنية
خلال الدورة المقبلة، وهي قاعدة انتخابية متينة للغاية.
لكن
كل ذلك لا ينفي أبدا هشاشة سلطته الأخلاقية كما هي الآن منذ توليه منصبه عقب سقوط
سيب بلاتر، وبالنسبة للعديد من القادة، لم تعد المشكلة الحقيقية تكمن فقط في قضية
بالوغون، بل في الصورة التي يعكسها "فيفا"، المتهم بالخضوع لضغوط القوة
السياسية في العالم، وخرق اللوائح والقيم المنصوص عليها في ميثاق الهيئة الكروية
الرسمي.