شهدت
العلاقات الجزائرية المالية، أمس الجمعة،
انفراجة دبلوماسية لافتة بعد أكثر من عام من التوتر غير المسبوق، تمثلت في إعلان
البلدين إعادة سفيريهما إلى منصبيهما، بالتزامن مع إعادة فتح المجالين الجويين
أمام حركة الطيران المدني والعسكري، في خطوة تعكس إرادة سياسية مشتركة لإعادة
العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي، وسط تحديات أمنية متصاعدة في منطقة الساحل.
وأعلنت الحكومة الانتقالية في مالي
عودة
سفيرها لدى الجزائر إلى مقر عمله في العاصمة الجزائرية، مؤكدة أن القرار يأتي في
إطار "إعادة الديناميكية لعلاقات التعاون والصداقة" بين البلدين، كما
قررت إعادة فتح المجال الجوي المالي أمام جميع الرحلات المدنية والعسكرية القادمة
من الجزائر أو المتجهة إليها.
وجاء الإعلان المالي بعد ساعات فقط من قرار
مماثل اتخذته السلطات الجزائرية، حيث أعلنت وزارة الدفاع الوطني إعادة فتح المجال
الجوي أمام الطيران المالي، في أول خطوة عملية باتجاه إنهاء الأزمة الدبلوماسية
التي اندلعت بين البلدين خلال العام الماضي.
وفي تطور مواز، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية
الجزائرية أن الرئيس عبد المجيد تبون أصدر قراراً بعودة السفير الجزائري لدى مالي،
كمال رتيب، إلى العاصمة باماكو، اعتباراً من العاشر من تموز/ يوليو الجاري، بعد
أكثر من عام على استدعائه للتشاور.
وأكدت الخارجية الجزائرية، في بيان، أن قرار
الرئيس تبون "ينبع من حرصه الدائم والثابت على إعادة العلاقات الجزائرية
المالية إلى منحاها التاريخي والطبيعي"، مشددة على أن هذه العلاقات يجب أن
تقوم على "الاحترام المتبادل" وتعزيز التعاون بما يخدم مصالح البلدين
والشعبين، فضلاً عن استقرار منطقة الساحل والقارة الأفريقية.
وكان السفير الجزائري قد استُدعي إلى
الجزائر في السابع من نيسان/ أبريل 2025، في ذروة أزمة دبلوماسية حادة بين
البلدين، على خلفية اتهامات متبادلة بشأن حادثة إسقاط طائرة مسيّرة مالية قرب
الحدود، وما تبعها من تبادل بيانات شديدة اللهجة وإغلاق متبادل للمجال الجوي.
إنهاء أزمة عطلت التعاون الأمني
وتُعد الخطوات المعلنة مؤشراً واضحاً على
رغبة الطرفين في تجاوز واحدة من أعقد الأزمات التي شهدتها العلاقات الثنائية خلال
العقود الأخيرة، خاصة في ظل الحاجة إلى تنسيق أمني متزايد لمواجهة التهديدات
المتصاعدة في منطقة الساحل، التي تشهد نشاطاً متنامياً لتنظيمات مسلحة وشبكات
تهريب عابرة للحدود.
وتحظى الجزائر بثقل دبلوماسي وأمني في
المنطقة، إذ لعبت لعقود دور الوسيط الرئيس في الملف المالي، وقادت وساطة أفضت إلى
توقيع "اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة" عام 2015 بين الحكومة المالية
وعدد من الحركات المسلحة في شمال البلاد، قبل أن تتراجع العلاقات بين الجانبين
خلال السنوات الأخيرة بسبب تباين المواقف بشأن إدارة الأزمة الأمنية والسياسية في
مالي.
رسائل سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية
ويحمل تبادل إعادة السفراء وفتح الأجواء دلالات
تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ يعكسان إدراكاً متبادلاً بأن استمرار القطيعة لا
يخدم مصالح البلدين في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل، ولا
سيما مع تنامي النفوذ الروسي، وانسحاب القوات الغربية، وإعادة تشكيل التحالفات
الإقليمية.
كما يُتوقع أن يمهد هذا الانفراج الطريق
لاستئناف قنوات الحوار السياسي والأمني، وإعادة تفعيل آليات التعاون الثنائي في
ملفات الحدود ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، فضلاً عن التعاون الاقتصادي
والتجاري الذي تأثر بالأزمة الدبلوماسية.
ورغم أن الجانبين لم يعلنا رسمياً عن تفاصيل
التفاهمات التي قادت إلى هذا التقارب، فإن تزامن القرارات الصادرة من الجزائر
وباماكو يشير إلى وجود تنسيق سياسي مسبق، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في
العلاقات الثنائية، بعد أشهر من التوتر الذي انعكس على مجمل المشهد الأمني
والسياسي في منطقة الساحل الأفريقي.
اظهار أخبار متعلقة