سقوط المعايير الأخلاقية للفيفا وفضح منظومة العدالة الرياضية بمباراة مصر والأرجنتين

نيفين ملك
"هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره بجهل الحكم بالقوانين، بل هو تسييس واضح وتوجيه مبطن وفضيحة في عالم كرة القدم"- جيتي
"هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره بجهل الحكم بالقوانين، بل هو تسييس واضح وتوجيه مبطن وفضيحة في عالم كرة القدم"- جيتي
شارك الخبر
لن تكون الخسارة (المزيفة الفاضحة) لمنتخب مصر أمام الأرجنتين مجرد حدث عابر في مستطيل أخضر، بل هي في حقيقتها ظاهرة تضرب بجذورها في أعماق البنية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية للنظام الرياضي العالمي.

إن ما شهدته أتلانتا في ملعب "مرسيدس بنز" في السابع من تموز/ يوليو لعام 2026، في مبارة منتخبي مصر والأرجنتين ضمن دور الستة عشر لكأس العالم، ليس إلا تجلياً صارخاً لشرخ عميق في جدار النزاهة الدولية، وسقوطاً مريعاً للمبادئ الأخلاقية التي دأب الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) على التشدق بها لعقود طويلة. وهو كذلك سفور صارخ لهيمنة "بيزنس الشركات الكبرى" التي تمنع وتحارب النزاهة والاستحقاق الرياضي أمام نفوذ المصالح التسويقية ونفوذ النجوم.. وحتى الخوف السياسي من بلوغ المكانة لمنتخبات وشخصيات تدافع عن القضية الفلسطينية والحقوق الإنسانية للشعوب العربية والأفريقية وشعوب الجنوب العالمي في المجمل.

إن تلك المباراة، التي انتهت (بفوز مهين وغير مستحق) لحامل اللقب والفريق الأشهر تشجيعا عالميا بنجومه بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بعد أن كان المنتخب المصري متقدماً بهدفين نظيفين حتى الدقيقة التاسعة والسبعين، لم تكن مجرد مواجهة كروية نزيهة انكسر فيها الحلم المصري في الأمتار الأخيرة، بل كانت فصلاً مأساويا فاضحاً تجسدت فيه كل معاني "الانتقائية التحكيمية" والتوظيف الممنهج المجحف الصارخ لتقنية الفيديو المساعد (VAR). ونحن هنا يا سادة لا نتحدث عن أخطاء بشرية تقديرية، بل عن "معطيات مرسومة" تعمل على تثبيت النفوذ التقليدي الرأسمالي المهيمن في عالم الساحرة المستديرة، وحماية مصالح القوى الاحتكارية الكبرى في الأسواق العالمية على حساب تطلعات الشعوب النامية والمنتخبات الطامحة.

لا نتحدث عن أخطاء بشرية تقديرية، بل عن "معطيات مرسومة" تعمل على تثبيت النفوذ التقليدي الرأسمالي المهيمن في عالم الساحرة المستديرة، وحماية مصالح القوى الاحتكارية الكبرى في الأسواق العالمية على حساب تطلعات الشعوب النامية والمنتخبات الطامحة

لقد بدأ المنتخب المصري تلك المباراة نِدا شريفا ونزيها ليس كطرف مستضعف، وسيطر على مجريات المباراة في أوقات كثيرة وحسب تقديرات الإعلام الرياضي العالمي نفسه ووسائل الإعلام الغربية الكبرى، كان أداء المنتخب المصري كفيلا بكتابة واحدة من أعظم المفاجآت في تاريخ المونديال، بل كانت ستعيد تشكيل وعي الإنسان العربي والأفريقي بقدرته على قهر المستحيل الرياضي.

ولكن، كيف لهذا أن يُسمح له، وتتدخل التقنية المفروض أنها صُممت لتحقيق العدالة (الفار) وبمعونة "الصفارة" التي بيد حكم ظالم؛ لتعيد رسم سيناريو آخر يخدم شباك التذاكر وشاشات البث التلفزيوني العالمية، ولتبدأ لحظات الظلم تنسج خيوطها في اللحظة المفصلية التي قصمت ظهر العدالة في هذه المباراة حينما تم إلغاء هدف مصطفى زيكو. هذا الهدف بالمفهوم الكروي كان سيقتل المباراة إكلينيكياً ويجعل النتيجة ثنائية نظيفة في وقت مبكر من الشوط الثاني.

أُلغي الهدف بقرار غريب من الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسيه بعد تدخل أقل ما يقال عنه أنه تدخل مريب من غرفة تقنية الفيديو بحجة وجود خطأ في بداية الهجمة.

لنر رأي المختصين والرياضيين الدوليين التي توضح التفاصيل الفنية والقانونية في مثل هذا السقوط للمعايير الأخلاقية في إلغاء هذا الهدف:

- الحكم الدولي المكسيكي فرناندو جيريرو، وهو (أحد أبرز حكام النخبة الذين أداروا مباريات نهائية في كأس العالم بقطر 2022 وعمل كحكم مساعد لتقنية الفيديو) قال: "إن ما حدث في تلك اللقطة يمثل فضيحة تحكيمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى". وصرح جيريرو علانيةً لوسائل الإعلام العالمية، ومنها صحيفة "ماركا" الإسبانية، بأن "إلغاء الهدف كان خطأ فادحاً وحتى لو افترضنا وجود احتكاك طفيف، فإنه لم يكن ضمن "مرحلة الاستحواذ الهجومي الفعلي"، إذ كان لدى الدفاع الأرجنتيني متسع من الوقت والمساحة لاستعادة التمركز والسيطرة، وحصلوا بالفعل على ثلاث فرص لإبعاد الكرة ولم يستغلوها. هذا القرار يتنافى تماماً مع بروتوكول "VAR" الصادر عن المجلس الدولي لكرة القدم (IFAB)، والذي يمنع التدخل في لقطات بعيدة ومستقلة عن الهجمة المباشرة".

وهذا التحليل الفني من حكم بقيمة جيريرو يوضح أننا لا نتعامل مع لقطة رمادية تحتمل وجهات نظر متعددة، بل مع خرق صريح للبروتوكول التنظيمي لتقنية الفيديو.

والأدهى من ذلك هو التناقض الصارخ الذي أظهره طاقم التحكيم بقيادة الفرنسي ليتكسيه. ففي الوقت الذي تم فيه التفتيش في هجمة الهدف المصري للعثور على أي خطأ لإلغائه، صمتت الصفارة وصمتت أيضا غرفة الفيديو صمتاً كصمت القبور في الدقيقة الثالثة والتسعين عند تسجيل الأرجنتين لهدف الفوز القاتل عبر إنزو فرنانديز.

وهنا تكشف الإعادات التلفزيونية والتحليلات البصرية اللاحقة بوضوح وجود مخالفتين صريحتين في بداية الهجمة الأرجنتينية؛ الأولى كانت تعرض محمد صلاح لعرقلة واضحة من خوليان ألفاريز داخل منطقة جزاء الأرجنتين، والثانية وهي الأوضح والأكثر فجاجة تمثلت في إقدام أليكسيس ماك أليستر على مسك وجذب قميص اللاعب المصري حمدي فتحي بشكل صريح من الخلف ليمنعه من التقدم والتغطية الدفاعية.

كيف يمكن لعين التكنولوجيا التي تملك عشرات الكاميرات فائقة السرعة وبثوانٍ معدودة أن تتدخل لإلغاء هدف مصري بسبب احتكاك عادي بالقرب من راية الركنية للطرف الآخر من الملعب، بينما تُغمض عينيها بالكامل عن مسك واضح وعرقلة صريحة تسببت بشكل مباشر في توليد هجمة هدف الفوز الأرجنتيني؟!

هذا الظلم والتحيز الانتقائي الصارخ لم يغضب فقط العواطف الوطنية المصرية، بل جعل أساطير كرة القدم العالمية يخرجون عن صمتهم ليعبروا عن اشمئزازهم مما جرى، إنصافا منهم وغيرة حقيقية على عدالة اللعبة ونزاهتها.

وإليكم أبز هذه التصرحات:

- تصريح كليمان توربان، أحد أبرز حكام الساحة الدوليين في فرنسا وأوروبا، حيث كتب توربان بلا مواربة عبر حسابه الرسمي في منصة "إكس": "ما يفعله الحكم ليتكسير أمر مخزٍ حقاً، مصر تلعب أمام اثني عشر لاعباً! على مصر أن تحقق معجزة كبرى وإلا فستتعرض لسرقة علنية موصوفة. ما نشهده لا يصدق". ولم يقف عند هذا الحد، بل أضاف بجرأة نادرة: "الأرجنتين تأهلت لربع النهائي نعم، لكنها خسرت احترام العالم بأسره.. قريباً ستنكشف الحقائق بشأن ما خطط له الفيفا بقيادة جياني إنفانتينو بالتواطؤ مع ميسي لتوجيه هذه النسخة".

عندما تصدر مثل هذه الكلمات الصادمة من حكم فرنسي دولي بحجم توربان، يهاجم فيها مواطنه ليتكسير وينتقد رأس الهرم في الفيفا، فإننا لسنا أمام اتهامات مرسلة من جماهير غاضبة، بل نحن أمام تصدع حقيقي في جدار الصمت والسرية الذي يغلف عمليات "إخراج" المباريات الكبرى وتوجيه نتائجها لصالح القوى الناعمة الكبرى.

- تصريح المدرب البرتغالي المخضرم جوزيه مورينيو: وصف الواقعة بـ"سرقة في وضح النهار"، وعبّر عن أسفه البالغ للحالة الأخلاقية التي وصلت إليها كرة القدم اليوم.

- تصريح أسطورة الكرة الإنجليزية آلان شيرر: لم يتردد في وصف القرارات بـ"الهراء"، مؤكداً بلهجة حاسمة: "إما أن تكون كلتا الحالتين مخالفة أو لا يكون أي منهما مخالفة"، في إشارة واضحة لغياب الحد الأدنى من العدالة والمساواة في تطبيق معايير التحكيم.

- تصريح واين روني: عبر فيه عن خيبته العميقة لصمت تقنية الفيديو في تلك اللحظة الحاسمة التي قررت مصير منتخب بأكمله، بينما ذهب روي كين إلى لب المشكلة واصفاً استخدام "VAR" بأنه بات "انتقائياً" يخدم فئات معينة ويسلب اللعبة متعتها العفوية وعدالتها المفترضة. وأكد بلا مواربة أن هدف الأرجنتين الثالث كان يجب أن يُلغى لعدم تساوي المعايير وتجاهل الخطأ المرتكب ضد صلاح وفتحي.

- تصريح ديل جونسون: خبير تقنية الفيديو في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، أشار إلى أن رئيس لجنة الحكام بالفيفا، الإيطالي بييرلويجي كولينا، كان قد أصدر تعليمات واضحة وصارمة قبل البطولة بضرورة السماح بالالتحامات الطبيعية لتقليل التوقفات وحفظ إيقاع اللعب. ومع ذلك، فإن الحكم الفرنسي ليتكسيه خرق هذه التعليمات بالكامل عندما ألغى هدف مصر بداعي وجود شد طفيف وتلامس محدود بالقدم في بداية هجمة زيكو، بينما طبق تعليمات كولينا "بأثر رجعي وانتقائي مريب" عندما غض الطرف عن شد وجذب واضح لقميص حمدي فتحي وعرقلة صلاح قبل هدف الأرجنتين الثالث. هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره بجهل الحكم بالقوانين، بل هو تسييس واضح وتوجيه مبطن وفضيحة في عالم كرة القدم. مثل تلك الحالات مرت في مناسبات عديدة خلال البطولة دون احتساب مخالفات مماثلة، فلماذا تم تفعيلها بدقة ميكروسكوبية فقط عندما سجلت مصر هدفها الثاني القاتل؟ الإجابة واضحة: التقنية هنا لم تعد أداة لإحقاق الحق وتطبيق العدالة، بل أصبحت "ستاراً تكنولوجياً كثيفاً" يُخفي وراءه تلاعباً بشرياً موجهاً لتوجيه نتائج المباريات بما يتوافق مع الخرائط التسويقية الكبرى للفيفا ورعاته الرسميين.

الشهادات الفنية من عمالقة اللعبة تصب في مجرى واحد: هناك أزمة أخلاقية كبرى تعصف بالفيفا، وتكشف أن القوانين لم تعد تطبق بالتساوي، بل أصبحت تخضع لحسابات السياسة والنفوذ الاقتصادي والمصالح التسويقية

- تصريح فرناندو جيريرو الخبير التحكيمي المكسيكي الذي قاد كبائن "VAR" في نهائي مونديال قطر 2022: "ما حدث يعد "فضيحة تحكيمية مكتملة الأركان، وخرقاً فاضحاً لـ"بروتوكول حكم الفيديو المساعد، ويعد انحرافاً بائناً عن الغاية التي وُجدت من أجلها التكنولوجيا".

- تصريح جراهام سكوت، الحكم الدولي الإنجليزي السابق: يكتب في تحليله الفني المنشور على شبكة "ذا أثلتيك" المرموقة، مؤكداً أن شعور المصريين بالظلم والاضطهاد هو شعور مبرر ومستحق مائة في المائة. لقد تعاضد هذا الظلم التحكيمي الفاضح ليشكل نسقاً تصاعدياً لحماية الأرجنتين ورجلها الأيقوني ليونيل ميسي من الخروج المبكر، الذي كان سيعني كارثة اقتصادية مدوية للفيفا والشركات الراعية ومحطات البث العالمية التي اشترت حقوق النقل بمليارات الدولارات.

- تصريح النجم الأرجنتيني السابق كلاوديو لوبيز نفسه: لم يملك إلا أن يبدي شجاعة أدبية عندما اعترف بأن محمد صلاح كان يستحق ركلة جزاء واضحة قبل أن تنطلق الهجمة المرتدة التي منحت الأرجنتين الفوز.

كل هذه الشهادات الفنية من عمالقة اللعبة تصب في مجرى واحد: هناك أزمة أخلاقية كبرى تعصف بالفيفا، وتكشف أن القوانين لم تعد تطبق بالتساوي، بل أصبحت تخضع لحسابات السياسة والنفوذ الاقتصادي والمصالح التسويقية.

وهذا ينقلنا إلى التحليل السياسي والقانوني والاقتصادي لهذا الحدث المشين (نتابعه في المقال التالي).


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)