بين قانون ساكسونيا وشريعة الغاب.. هل يدخل الشرق الأوسط سنوات سقوط الشرعية؟

محمد موسى
"هل نسير بهدوء نحو شرق أوسط تحكمه القوة وحدها"- جيتي
"هل نسير بهدوء نحو شرق أوسط تحكمه القوة وحدها"- جيتي
شارك الخبر
على وقع رائحة البارود الفائحة والتي تنذر بعودة الحرب في كل الأقليم، عادت بي الذاكرة الى المشهد الختامي من فيلم "الغول"، حيث يواجه عادل إمام المحكمة بعد قتله رجل الأعمال النافذ الذي أدى دوره فريد شوقي، فيقول عبارته الشهيرة التي كتبها وحيد حامد: "قتلته حتى لا يصبح قانون ساكسونيا، ويأتي القتل ليكون شريعة الغاب". لم تكن الجملة مجرد دفاع عن فعل فردي، بل كانت تحذيراً من انهيار فكرة الدولة نفسها؛ فحين يفقد القانون قدرته على حماية الناس ومحاسبة الأقوياء، يصبح العنف هو اللغة الوحيدة، وتتحول القوة إلى مصدر الشرعية. فهل نحن في زمن ترامبية الغول الأمريكي؟

بعد عقود على إنتاج الفيلم، تبدو هذه المقاربة وكأنها تغادر شاشة السينما لتقترب من المشهد الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط. فالقضية لم تعد تتعلق بدولة واحدة أو نزاع محلي، بل بمنظومة دولية بأكملها تتعرض لاختبار غير مسبوق. فمع استمرار الحرب الإسرائيلية على أكثر من جبهة، واتساع نطاق العمليات العسكرية، وتكرار الضربات التي تتجاوز حدود الدول، يزداد السؤال إلحاحاً: ماذا يبقى من القانون الدولي إذا أصبح تطبيقه انتقائياً؟ وما قيمة المؤسسات الدولية إذا عجزت عن فرض قراراتها أو حتى حماية المبادئ التي أنشئت من أجلها؟ ولنا فيما يجري في اتفاق الإطار وكلام كاتس ونتنياهو مثال صارخ بالرغم من جور الإطار برمته..
المشكلة لا تبدأ عندما يُخرق القانون مرة واحدة، بل عندما يصبح خرقه أمراً عادياً لا يترتب عليه ثمن سياسي أو قانوني، عندها تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وتصبح القوة هي المعيار الحقيقي للعلاقات الدولية

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تأسس النظام الدولي على فكرة بسيطة مفادها أن القانون يجب أن يعلو على القوة، وأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية تشكل منظومة تمنع العالم من العودة إلى منطق الحروب المفتوحة. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن فجوة واسعة بين النصوص القانونية وبين الإرادة السياسية للدول الكبرى، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، حيث يرى كثيرون أن الدعم الأمريكي السياسي والعسكري والدبلوماسي وفّر مظلة حدّت من قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها أو مساءلة الانتهاكات، الأمر الذي أضعف ثقة الشعوب بفعالية هذه المؤسسات.

وهنا تبرز الفكرة التي أراد وحيد حامد إيصالها؛ فالمشكلة لا تبدأ عندما يُخرق القانون مرة واحدة، بل عندما يصبح خرقه أمراً عادياً لا يترتب عليه ثمن سياسي أو قانوني، عندها تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وتصبح القوة هي المعيار الحقيقي للعلاقات الدولية.

إن هذا التحول لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، ولا اللبنانيين أو السوريين أو الإيرانيين فقط، بل يطال بنية النظام الدولي نفسها. فإذا أصبحت الحدود قابلة للاختراق دون محاسبة، والسيادة الوطنية خاضعة لموازين القوة، وقرارات الأمم المتحدة مجرد توصيات غير ملزمة، فإن العالم يدخل عملياً مرحلة جديدة عنوانها انهيار الردع القانوني وصعود الردع العسكري. الخطورة لا تكمن في الحروب الحالية وحدها، بل في النموذج الذي يجري ترسيخه. فحين ترى دول أخرى أن استخدام القوة يحقق المكاسب السياسية دون مساءلة، ستبدأ بتقليد هذا النموذج، وعندها لن يعود القانون الدولي مرجعاً، بل تتحول العلاقات بين الدول إلى سباق مفتوح على القوة العسكرية والتحالفات والقدرات التكنولوجية، بما يشبه إلى حد بعيد "شريعة الغاب" التي حذر منها الفيلم.

أما الشرق الأوسط، فهو المرشح الأول لدفع ثمن هذا التحول. فالمنطقة تعيش أصلاً على خطوط تماس سياسية ومذهبية وإثنية وحدودية معقدة، وأي تراجع إضافي في سلطة القانون الدولي سيجعل احتمالات المواجهات أكثر اتساعا، وستصبح النزاعات الحدودية أكثر قابلية للاشتعال، كما ستزداد عمليات الاغتيال والضربات الاستباقية، وستتراجع فرص التسويات السياسية أمام منطق فرض الوقائع بالقوة. ولكم في ضغط ترامب على الرئيس الشرع مرات للدخول إلى لبنان مثال فاقع فهل التكرار يولد واقعاً.

الحقيقة تقول إنه إذا ما استمرت هذه المعادلة لسنوات عجاف مقبلة، فإن المنطقة قد تواجه سلسلة من التحولات الخطيرة؛ أولها ترسيخ مبدأ أن الأمن لا يتحقق عبر المؤسسات الدولية، بل عبر امتلاك أدوات الردع العسكري فقط. وثانيها سباق تسلح غير مسبوق يستنزف الاقتصادات الهشة ويؤخر التنمية لعقود. وثالثها اتساع الفجوة بين الشعوب والمؤسسات الدولية، بعدما تتكرس قناعة بأن العدالة أصبحت انتقائية وليست عالمية. أما النتيجة الرابعة، فهي تراجع الاستثمار والاستقرار الاقتصادي، لأن رأس المال لا يعيش في بيئة تحكمها الحروب المفتوحة وعدم اليقين.

إذا ترسخ الانطباع بأنها تطبق هذه القواعد بصورة انتقائية، فإن ذلك يضعف صدقيتها ويمنح القوى الدولية المنافسة، كالصين وروسيا، مساحة أوسع للدعوة إلى إعادة تشكيل النظام العالمي وفق توازنات جديدة

وفي المقابل، لن تكون إسرائيل بمنأى عن تداعيات هذا المسار. فإضعاف القانون الدولي الذي يوفر لها اليوم هامشاً واسعاً من الحركة قد يفتح مستقبلاً الباب أمام عالم أقل استقراراً، حيث تصبح كل دولة مضطرة للاعتماد على قوتها الذاتية في مواجهة الآخرين، وهو واقع يحمل مخاطر طويلة الأمد على جميع الأطراف، مهما بلغت قدراتها العسكرية.

أما الولايات المتحدة، فإن استمرارها في حماية هذا النهج يطرح أسئلة تتجاوز الشرق الأوسط. فواشنطن كانت لعقود تقدم نفسها بوصفها راعية النظام الدولي القائم على القواعد، وإذا ترسخ الانطباع بأنها تطبق هذه القواعد بصورة انتقائية، فإن ذلك يضعف صدقيتها ويمنح القوى الدولية المنافسة، كالصين وروسيا، مساحة أوسع للدعوة إلى إعادة تشكيل النظام العالمي وفق توازنات جديدة.

إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس الحرب بحد ذاتها، بل اعتياد العالم عليها، واعتياد المؤسسات على العجز، واعتياد القانون على الاستثناء. فالتاريخ يعلمنا أن انهيار الشرعية لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بتبرير المخالفات الصغيرة، ثم يتحول إلى قبول دائم بمنطق القوة.

لهذا تبدو عبارة وحيد حامد أكثر من مجرد جملة سينمائية؛ إنها تحذير سياسي وأخلاقي متجدد. فعندما يسقط القانون لا ينتصر طرف على آخر، بل يخسر الجميع، وعندما تصبح القوة هي مصدر الشرعية، تدخل الدول والشعوب زمناً لا تحكمه العدالة ولا المؤسسات، بل موازين القوة وحدها.

في النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على المنطقة والعالم: هل ما زال بالإمكان إنقاذ فكرة القانون الدولي وإعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، أم أننا نسير بهدوء نحو شرق أوسط تحكمه القوة وحدها، حيث يصبح "قانون ساكسونيا" مجرد ذكرى، وتغدو "شريعة الغاب" النظام الوحيد السائد؟

 [email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)