بدأت فكرة هذا البحث من متابعة حلقة من
بودكاست "مجتمع" على منصة "مجتمع"، استضاف فيها الدكتور باسم
الجمل الدكتور حسن حماد، أستاذ الفلسفة المعاصرة، في حلقة حملت عنوان: "لماذا
اختفت الفلسفة من العالم
العربي؟". لم يكن السؤال الذي طرحته الحلقة مجرد
نقاش حول تراجع حضور الفلسفة بوصفها تخصصًا أكاديميًا، بل أثار سؤالًا أوسع وأكثر
إلحاحًا: ماذا حدث للمجتمعات العربية حتى تراجع حضور الفيلسوف بوصفه صوتًا نقديًا
قادرًا على مساءلة الواقع وإنتاج الأسئلة الكبرى؟
فغياب الفيلسوف لا يعني فقط قلة عدد
المتخصصين في أقسام الفلسفة بالجامعات، وإنما يشير إلى تراجع دور العقل النقدي في
المجال العام؛ إلى اختفاء ذلك النوع من المثقفين الذين كانوا ينظرون إلى المجتمع
من مسافة نقدية، ويعيدون مساءلة مفاهيمه عن الدين والسياسة والهوية والتاريخ
والحداثة.
لقد أنتجت الساحة العربية خلال النصف الثاني
من القرن العشرين كوكبة لافتة من المفكرين الذين امتلكوا مشاريع فكرية كبرى، من
هشام جعيط ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد أركون إلى جورج طرابيشي وطيب
تيزيني وصادق جلال العظم وبرهان غليون وغيرهم. كانت تلك مرحلة كثافة فكرية غير
مسبوقة، لأن العالم العربي كان يعيش أسئلة مصيرية مفتوحة: سؤال التحرر، وبناء
الدولة، وعلاقة التراث بالحداثة، وحدود العقل، وموقع الإنسان العربي في العالم.
لكن هذا الزخم تراجع تدريجيًا، ليس بالضرورة
لأن العقول أصبحت أقل قدرة، وإنما لأن الشروط التي تسمح بولادة الفكر الفلسفي
تغيرت. فقد تراجعت مكانة المثقف العمومي، وانكمشت المساحات الحرة للنقاش، وضعفت
المؤسسات المنتجة للمعرفة، وتحولت الثقافة في كثير من الأحيان من مجال لإنتاج
الأسئلة إلى مجال للصراع حول الإجابات الجاهزة.
ومن هنا يأتي هذا البحث: ليس بحثًا عن أسماء
غائبة فقط، بل عن الشروط التي تجعل ظهور الفيلسوف ممكنًا. فالفيلسوف لا يولد من
عبقرية فردية معزولة، وإنما من مجتمع يسمح بالشك، ويقبل الاختلاف، ويعتبر السؤال
قيمة بحد ذاته.
وربما يكون السؤال الأعمق الذي تقود إليه
هذه الرحلة هو: هل اختفى الفيلسوف العربي فعلًا، أم أن مجتمعاتنا فقدت الحاجة إلى
الفلسفة بوصفها ممارسة نقدية تعيد تعريف الإنسان وعلاقته بالعالم؟ لأن أزمة
الفلسفة ليست في
غياب الكتب أو الجامعات فقط، بل في غياب المناخ الذي يجعل التفكير
الحر ضرورة اجتماعية. فحين يغيب السؤال، يغيب الفيلسوف بالضرورة.
أزمة الفكر العربي الحديث
من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في النقاش حول
أزمة الفكر العربي الحديث: هل كان تراجع الفلسفة نتيجة عوامل سياسية واجتماعية
حديثة فقط، أم أن جذوره تمتد أيضًا إلى تحولات داخل البنية الفكرية الإسلامية،
وخصوصًا في بعض القراءات السنية التي أعطت الأولوية للنقل على حساب العقل؟
من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في النقاش حول أزمة الفكر العربي الحديث: هل كان تراجع الفلسفة نتيجة عوامل سياسية واجتماعية حديثة فقط، أم أن جذوره تمتد أيضًا إلى تحولات داخل البنية الفكرية الإسلامية، وخصوصًا في بعض القراءات السنية التي أعطت الأولوية للنقل على حساب العقل؟
ظهر هذا السؤال بقوة لدى عدد من المفكرين
العرب المعاصرين الذين حاولوا تفسير الفارق بين فترات الازدهار الفكري في الحضارة
الإسلامية وبين مراحل الانكماش اللاحقة. وذهب بعضهم إلى أن التحول من ثقافة
الاجتهاد والجدل إلى ثقافة التقليد والاتباع كان أحد العوامل التي أضعفت القدرة
على إنتاج الأسئلة الكبرى، ومن ثم حدّت من نشوء تقاليد فلسفية مستمرة.
ويرتبط هذا النقاش بمفهوم "إغلاق باب
الاجتهاد"، وهو مفهوم أثار جدلًا واسعًا بين الباحثين. فبينما يرى بعضهم أن
تراجع الاجتهاد في مراحل تاريخية معينة أدى إلى تثبيت سلطة الموروث وإضعاف
التجديد، يرى آخرون أن هذا المفهوم نفسه تعرض للمبالغة، وأن الفقه الإسلامي لم
يتوقف عن إنتاج اجتهادات وتطورات داخلية، وإن لم تكن دائمًا في مجال الفلسفة
بالمعنى الحديث.
بين الغزالي وابن رشد.. لحظة رمزية في تاريخ
العقل
غالبًا ما يستحضر الجدل حول علاقة الإسلام
بالفلسفة المواجهة الفكرية بين أبو حامد الغزالي وابن رشد، خصوصًا بعد كتاب
الغزالي "تهافت
الفلاسفة" ورد ابن رشد عليه في "تهافت التهافت".
وقد تحولت هذه المواجهة في بعض القراءات
الحديثة إلى رمز لصراع بين تيارين: تيار يمثل سلطة النقل والفقه، وآخر يمثل العقل
الفلسفي. لكن هذا التفسير، رغم جاذبيته، يبقى تبسيطًا لتاريخ أكثر تعقيدًا؛
فالغزالي نفسه كان صاحب مشروع عقلي عميق، واستخدم أدوات المنطق والفلسفة في بناء
كثير من
أفكاره، كما أن نقده لم يكن رفضًا للعقل بقدر ما كان اعتراضًا على نتائج
محددة للفلاسفة.
كما أن نهاية المشروع الفلسفي في المشرق
الإسلامي لم تكن نتيجة عامل فكري واحد، بل جاءت في سياق أوسع شمل التحولات
السياسية، وتراجع بعض مراكز العلم، واضطراب طرق التجارة، وتغير أنماط الرعاية
العلمية.
المشكلة ليست في الدين بل في احتكار تفسيره
ربما تكمن المسألة الأساسية في مكان آخر:
ليس الدين بحد ذاته عدوًا للفلسفة، بل احتكار تفسير الدين وتحويل قراءة معينة
للموروث إلى سلطة نهائية فوق النقد.
فكل منظومة فكرية، دينية كانت أم علمانية،
تصبح عائقًا أمام الفلسفة عندما تنتقل من إنتاج الأسئلة إلى حماية الإجابات
المغلقة. وقد عرف التاريخ الإسلامي نفسه نماذج متعددة للعلاقة بين الوحي والعقل،
من الفلاسفة والمتكلمين والأصوليين، ولم يكن هناك نموذج واحد يمثل
"الإسلام" في علاقته بالمعرفة.
ولهذا فإن تحميل الفكر السني وحده مسؤولية
غياب الفلسفة العربية الحديثة يتجاهل أن دولًا ومجتمعات ذات أغلبية سنية أنتجت
مدارس فكرية مهمة، كما يتجاهل أن تراجع الفلسفة حدث أيضًا بفعل عوامل غير دينية،
مثل الاستعمار، وبناء الدولة السلطوية الحديثة، وضعف الجامعة، وتراجع الحريات
العامة.
لكن هل تركت بعض البنى الدينية أثرًا على
الخيال الفلسفي؟
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض أشكال التدين
التقليدي كان لها تأثير على المجال المعرفي، خصوصًا عندما أصبح السؤال الفلسفي
يُنظر إليه بوصفه تهديدًا للهوية أو محاولة للخروج عن الجماعة، بدل اعتباره أداة
لفهم الإنسان والعالم.
فالفلسفة تحتاج إلى الاعتراف بشرعية السؤال
قبل الوصول إلى الإجابة. وعندما يصبح السؤال نفسه موضع شبهة، تتقلص المساحة التي
يمكن أن ينمو فيها الفكر النقدي.
كل منظومة فكرية، دينية كانت أم علمانية، تصبح عائقًا أمام الفلسفة عندما تنتقل من إنتاج الأسئلة إلى حماية الإجابات المغلقة. وقد عرف التاريخ الإسلامي نفسه نماذج متعددة للعلاقة بين الوحي والعقل، من الفلاسفة والمتكلمين والأصوليين، ولم يكن هناك نموذج واحد يمثل "الإسلام" في علاقته بالمعرفة.
وهنا يلتقي العامل الديني مع عوامل أخرى:
فالمفكر الذي يخشى السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الدينية لن يستطيع بناء مشروع
فلسفي حر، حتى لو كان يمتلك أدوات المعرفة والقدرة النظرية.
الأزمة الحقيقية.. غياب المؤسسة التي تحمي
التفكير الحر
ربما تكون الخلاصة أن مشكلة العقل العربي
ليست في مذهب بعينه، بل في غياب البنية التي تسمح بتراكم الفكر. فالفلاسفة الكبار
لا يظهرون فقط بسبب عبقريتهم الفردية، بل لأن هناك تقاليد معرفية ومؤسسات ونقاشات
عامة تسمح لأفكارهم بالنمو والتأثير.
ولهذا فإن السؤال عن غياب الفيلسوف العربي
يجب ألا يتحول إلى محاكمة للتراث وحده، ولا إلى دفاع عنه بصورة مطلقة؛ بل ينبغي أن
يكون بحثًا في كيفية بناء بيئة جديدة تستعيد قيمة العقل النقدي، سواء داخل المجال
الديني أو خارجه.
فالفلسفة لا تزدهر عندما ينتصر العقل على
الدين، ولا عندما ينتصر الدين على العقل، بل عندما يصبح الإنسان قادرًا على
استخدام عقله بحرية في فهم نفسه وعالمه وموروثه. وهذه الحرية هي الشرط الأول لعودة
الفيلسوف، العربي أو غير العربي.
المعتزلة تيار عقلاني داخل الإسلام أم
استثناء تاريخي؟
هل كان المعتزلة نشازا في الفكر السني
بفكرتهم حول خلق القرآن والحرية؟ هذا سؤال مهم، طرحه الدكتور حسن حماد في حواره مع
الدكتور باسم الجمل، لأنه يمس قلب الجدل حول علاقة الفكر الإسلامي بالعقل، لكنه
يحتاج إلى قدر من التفكيك التاريخي؛ فتصوير المعتزلة باعتبارهم مجرد
"نشاز" داخل الفكر السني أو باعتبارهم الممثل الوحيد للعقلانية
الإسلامية قد يكون تبسيطًا، كما أن اعتبارهم جزءًا طبيعيًا من "السنة"
بالمعنى المذهبي اللاحق يحتاج إلى تدقيق.
يبرز المعتزلة غالبًا في النقاش حول أزمة
العقل الفلسفي العربي بوصفهم النموذج الأشهر لتيار إسلامي أعطى للعقل مكانة
مركزية، خصوصًا في قضايا مثل حرية الإرادة الإنسانية، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله،
وتأويل النصوص عند التعارض الظاهري مع العقل، إضافة إلى القول بخلق القرآن، وهي
القضية التي أصبحت رمزًا للصراع بين العقل والسلطة الدينية في العصر العباسي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان المعتزلة
يمثلون امتدادًا طبيعيًا داخل الفكر السني، أم أنهم كانوا تيارًا استثنائيًا خرج
عن المسار العام؟
تاريخيًا، لم يكن المعتزلة "فرقة
هامشية" في بداياتهم، بل كانوا تيارًا فكريًا واسع التأثير داخل العالم
الإسلامي، وبلغوا ذروة نفوذهم خلال عهد بعض الخلفاء العباسيين، خصوصًا في فترة
المأمون والمعتصم والواثق، عندما تبنت السلطة العباسية موقفهم في قضية خلق القرآن،
فيما عُرف لاحقًا بـ"المحنة". لكن ارتباطهم بالسلطة في تلك المرحلة كان
أحد
أسباب تراجع مكانتهم لاحقًا، إذ تحولت القضية من نقاش كلامي حول طبيعة الوحي
إلى اختبار سياسي للولاء، وهو ما منح خصومهم فرصة لتقديمهم باعتبارهم أصحاب مشروع
مفروض بالقوة.
أما من زاوية التصنيف المذهبي، فإن وصف
المعتزلة بأنهم "سنة" أو "خارج السنة" يعتمد على المقصود
بمفهوم السنة. فإذا كان المقصود الاتجاهات التي تشكلت لاحقًا ضمن إطار أهل السنة
والجماعة، فإن المعتزلة لم يصبحوا جزءًا من المذاهب السنية المعتمدة، خصوصًا بعد
صعود المدارس الأشعرية والماتريدية والحنبلية بوصفها التيارات الكلامية الرئيسية
في البيئة السنية. أما إذا كان المقصود المعنى التاريخي الأوسع للمجتمع الإسلامي
قبل اكتمال الحدود المذهبية، فإن المعتزلة كانوا أحد التيارات الرئيسية داخله.
خلق القرآن.. خلاف حول طبيعة الوحي أم صراع
حول سلطة العقل؟
لم تكن قضية خلق القرآن مجرد مسألة نظرية
مجردة، بل ارتبطت بسؤال أعمق: هل كلام الله قديم أزلي، أم أن القرآن باعتباره
لفظًا وصياغة وتلقيًا تاريخيًا يمكن أن يكون مخلوقًا؟
رأى المعتزلة أن القول بقدم القرآن قد يقود
إلى تعدد القدماء، وهو ما يتعارض في نظرهم مع مبدأ التوحيد الصارم. لذلك قالوا
بخلق القرآن، معتبرين أن هذا يحفظ تنزيه الله ووحدانيته.
لكن خصومهم، وعلى رأسهم التيار الحنبلي
لاحقًا، رأوا في هذا القول مساسًا بقدسية النص، واعتبروا أن إدخال أدوات الفلسفة
والكلام في مسائل العقيدة قد يفتح بابًا خطيرًا لتقديم العقل البشري على الوحي.
وهكذا تحولت القضية إلى صراع أوسع حول سؤال
جوهري: ما حدود العقل أمام النص؟ ومن يملك سلطة تفسير العلاقة بينهما؟
الحرية الإنسانية.. سؤال سبق الحداثة
في مسألة الحرية، قدم المعتزلة تصورًا
متقدمًا بالنسبة لعصرهم؛ إذ أكدوا أن الإنسان يمتلك قدرة حقيقية على الاختيار، وأن
عدل الله يقتضي محاسبة الإنسان على أفعاله، لأن تكليف الإنسان بما لا قدرة له عليه
يتعارض مع مفهوم العدل الإلهي.
وقد اصطدم هذا التصور مع اتجاهات أخرى شددت
على مفهوم الجبر أو على أولوية المشيئة الإلهية المطلقة، معتبرة أن قدرة الإنسان
لا تنفصل عن إرادة الله.
ولهذا لم يكن الخلاف بين المعتزلة وخصومهم
حول الحرية مجرد نقاش فلسفي، بل كان مرتبطًا بصورة الإنسان نفسه: هل هو كائن فاعل
ومسؤول عن التاريخ، أم كائن محكوم بالكامل بمشيئة خارجة عنه؟
هل أدى انتصار خصوم المعتزلة إلى إضعاف
العقل؟
يرى بعض الباحثين أن تراجع المعتزلة وانتصار
التيارات الأكثر تحفظًا تجاه علم الكلام والفلسفة أسهما في تضييق المجال أمام
النزعة العقلانية في الحضارة الإسلامية، خصوصًا مع تراجع مكانة الجدل الفلسفي في
بعض البيئات العلمية.
لكن هذا التفسير يظل محل نقاش؛ فالعالم
الإسلامي لم يتوقف عن إنتاج مفكرين عقلانيين بعد المعتزلة، وظهرت لاحقًا مدارس
كلامية وفلسفية مهمة، كما أن أسباب تراجع الفلسفة كانت مرتبطة أيضًا بالسياسة
والاقتصاد والتحولات الحضارية.
وربما تكون الخلاصة الأدق أن المعتزلة لم
يكونوا "نشازًا" بقدر ما كانوا تعبيرًا عن أحد الممكنات داخل الفكر
الإسلامي؛ ممكنٌ انتصر لفترة ثم تراجع أمام اتجاهات أخرى. والمشكلة التاريخية ليست
في وجود تيار عقلاني أو تقليدي، بل في اللحظة التي يفقد فيها المجتمع القدرة على
إدارة الاختلاف بين هذه التيارات.
فغياب الفيلسوف لا يحدث عندما ينتصر تيار
معين، بل عندما تصبح الهزيمة الفكرية نهائية، ويُغلق المجال أمام إعادة إنتاج
الأسئلة من جديد.
العصر الذهبي للفكر العربي.. لماذا ازدهرت
الكوكبة الكبرى ثم انطفأ حضورها؟
تبدو مسألة غياب الفيلسوف العربي الكبير
أكثر تعقيدًا عندما نستعيد النصف الثاني من القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت
ازدهارًا فكريًا لافتًا أنتج أسماء أصبحت علامات في تاريخ الفكر العربي الحديث، من
هشام جعيط إلى محمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد أركون وجورج طرابيشي وطيب
تيزيني وصادق جلال العظم وبرهان غليون وغيرهم.
لم تكن تلك الأسماء ظاهرة معزولة، بل كانت
تعبيرًا عن لحظة تاريخية امتلكت مجموعة من الشروط التي سمحت بانتعاش السؤال
الفكري: لحظة ما بعد الاستعمار، وصعود مشاريع التحرر الوطني، وانتشار الجامعات،
وتوسع حركة الترجمة، واحتكاك النخب العربية بالتيارات الفكرية العالمية، من
الماركسية والبنيوية إلى الوجودية والفلسفة النقدية.
كانت الأسئلة الكبرى واضحة ومفتوحة: لماذا
تأخر العرب؟ كيف نبني الدولة الحديثة؟ ما علاقة التراث بالحداثة؟ لماذا فشلت
مشاريع النهضة؟ كيف نفهم الاستعمار والاستبداد والدين والسياسة؟ وهي أسئلة تاريخية
شاملة تحتاج بطبيعتها إلى مفكرين أصحاب مشاريع كبرى، لا مجرد باحثين متخصصين.
لماذا أنتجت تلك المرحلة مفكرين كبارًا؟
أحد أسباب ازدهار تلك المرحلة أن المثقف كان
يحتل موقعًا مركزيًا في المجال العام. فقد كان الكتاب والمجلة الفكرية والندوة
الثقافية أدوات مؤثرة في تشكيل الوعي، وكانت المعارك الفكرية تنتقل من الجامعات
إلى الصحافة وإلى المجتمع.
كما أن تلك الفترة شهدت صعود الدولة الوطنية
التي، رغم سلطويتها في كثير من الأحيان، استثمرت نسبيًا في التعليم العالي وإنشاء
الجامعات ومراكز البحث. وتكوّن جيل من المثقفين الذين تلقوا تعليمًا عربيًا
وانفتحوا في الوقت نفسه على الفكر العالمي، فكانوا قادرين على التحرك بين التراث
والفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية.
لقد كان المفكر آنذاك يحاول الإجابة عن سؤال
مصيري: كيف يمكن لمجتمع عربي أن يدخل العصر الحديث دون أن يفقد علاقته بتاريخه؟
ومن هنا جاءت مشاريع الجابري حول نقد العقل العربي، والعروي حول التاريخانية
والحداثة، وأركون حول نقد العقل الإسلامي، والعظم حول نقد البنى الفكرية
والسياسية، وغيرها من المشاريع التي حاولت إعادة بناء علاقة الإنسان العربي
بالتراث والعالم.
لكن لماذا خبت هذه الأصوات؟
لم يكن تراجع الفكر العربي نتيجة موت
الأفكار فقط، بل نتيجة تغير البيئة التي تنتج الأفكار. فقد تبدلت شروط القرن
الحادي والعشرين جذريًا؛ تراجعت مكانة الكتاب والمجلة الفكرية، وتقلص دور المثقف
العمومي، وصعد الإعلام السريع ووسائل التواصل التي تكافئ المواقف المختصرة أكثر من
المشاريع الفكرية الطويلة.
كما أن المنطقة العربية دخلت منذ نهاية
القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين في مرحلة من الأزمات العميقة: حروب
متتالية، صعود السلطوية الأمنية، انهيار بعض الدول، الاستقطاب الأيديولوجي، وتراجع
مساحة الحوار العام. وفي مثل هذه البيئات يصبح التفكير الاستراتيجي الطويل أكثر
صعوبة.
لم يكن تراجع الفكر العربي نتيجة موت الأفكار فقط، بل نتيجة تغير البيئة التي تنتج الأفكار. فقد تبدلت شروط القرن الحادي والعشرين جذريًا؛ تراجعت مكانة الكتاب والمجلة الفكرية، وتقلص دور المثقف العمومي، وصعد الإعلام السريع ووسائل التواصل التي تكافئ المواقف المختصرة أكثر من المشاريع الفكرية الطويلة.
فالمفكر الكبير يحتاج إلى زمن هادئ نسبيًا
يسمح ببناء مشروع يمتد لعقود، بينما عاش الجيل الجديد في واقع يفرض عليه التعامل
مع الأزمات اليومية: الاحتلال، الحروب الأهلية، الانقسامات السياسية، وقضايا
الهوية والبقاء.
من عصر المشاريع الكبرى إلى عصر التخصص
والتشظي
هناك عامل آخر يتعلق بطبيعة المعرفة نفسها.
فقد كان القرن العشرون عصر المشاريع الفكرية الشاملة؛ كان المفكر يحاول تقديم
تفسير واسع للتاريخ والمجتمع والثقافة. أما اليوم فقد أصبحت العلوم الإنسانية أكثر
تخصصًا، وتوزعت المعرفة بين مجالات دقيقة، مما جعل ظهور شخصية تجمع الفلسفة
والتاريخ والسياسة والاجتماع أقل احتمالًا.
لكن هذا التحول ليس عربيًا فقط؛ فالعالم كله
شهد تراجعًا نسبيًا لفكرة "المفكر العملاق" الذي يتحدث باسم عصره، لصالح
شبكات من الباحثين المتخصصين. غير أن المجتمعات العربية عانت من هذا التحول بشكل
أكبر بسبب ضعف المؤسسات القادرة على إنتاج معرفة تراكمية.
هل مات الفكر العربي أم تغير شكله؟
ربما يكون من الخطأ القول إن الفكر العربي
اختفى تمامًا، إذ توجد اليوم كتابات وأبحاث مهمة في مجالات متعددة، لكن المشكلة
تكمن في غياب المشروع الفكري الذي يجمع بين المعرفة والتأثير العام.
فجيل الرواد كان يتحرك في فضاء الأسئلة
الكبرى: النهضة، الدولة، التراث، الغرب، التحرر. أما الجيل الجديد فيتحرك غالبًا
داخل فضاءات أكثر تجزؤًا: قضايا الهوية، الديمقراطية، الدين، الجندر، الاقتصاد
السياسي، التكنولوجيا، والهجرة.
المشكلة إذن ليست في غياب العقول، بل في
غياب اللحظة التاريخية التي تجعل من هذه العقول قوة عامة مؤثرة.
الفيلسوف ابن عصره قبل أن يكون ابن موهبته
تكشف تجربة النصف الثاني من القرن العشرين
أن ظهور المفكر الكبير لا يرتبط فقط بعبقرية فردية، بل بوجود مجتمع يطرح أسئلة
كبرى ويحتاج إلى إجابات عميقة. فقد أنتجت مرحلة التحرر الوطني والنهضة الجامعية
تلك الكوكبة لأنها كانت مرحلة بحث عن معنى ومشروع ومستقبل.
أما اليوم، فإن أزمة الفكر العربي ترتبط
بأزمة المشروع الحضاري نفسه: لا يوجد سؤال مركزي متفق عليه، ولا فضاء عام يسمح
بتراكم النقاش، ولا مؤسسات تحمي استقلال التفكير.
ولهذا فإن عودة الفيلسوف العربي الكبير لن
تكون بانتظار ظهور "عبقري استثنائي"، بل بعودة الحاجة الاجتماعية إلى
الفلسفة نفسها؛ أي إلى الإنسان القادر على مساءلة الواقع بدل الاكتفاء بالتكيف
معه. فالفكر الكبير لا يظهر فقط عندما توجد عقول كبيرة، بل عندما توجد أزمنة تحتاج
إليها.
هل أزمة الفلسفة أزمة عقل ديني أم أزمة
تاريخ؟
يبقى السؤال الذي أثارته بعض القراءات
المعاصرة، ومنها ما طرحه الدكتور حسن حماد في حديثه عن اختفاء الفلسفة من العالم
العربي، حول مسؤولية العقل السني بتفرعاته المختلفة عن تراجع السؤال الفلسفي،
واحدًا من أكثر الأسئلة إثارة للجدل. فهل كان انتصار اتجاهات دينية معينة على حساب
الاتجاهات العقلانية هو العامل الحاسم في انحسار الفلسفة؟ وهل يمكن تفسير قرون من
التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية من خلال زاوية مذهبية واحدة؟
لا شك أن بعض البنى الفكرية الدينية، حين
تتحول إلى منظومات مغلقة ترفض النقد وتمنح نفسها احتكار الحقيقة، يمكن أن تضيق
مجال السؤال الفلسفي. وهذه ليست خصوصية مرتبطة بدين أو مذهب بعينه، بل قاعدة عامة
في تاريخ الأفكار؛ إذ تتحول كل عقيدة أو أيديولوجيا إلى عائق أمام المعرفة عندما
تنتقل من إنتاج المعنى إلى فرض الوصاية على العقل.
لكن تحميل "العقل السني" عامة
مسؤولية كساد الفكر الفلسفي يبدو أقرب إلى حكم أيديولوجي منه إلى قراءة تاريخية
دقيقة. فالفكر السني نفسه لم يكن كتلة واحدة مغلقة، بل عرف تيارات متعددة
ومتناقضة، من علم الكلام والمدارس العقلانية إلى الاتجاهات النصية، كما أن الحضارة
الإسلامية أنتجت داخل فضائها السني علماء ومفكرين اشتغلوا على قضايا العقل والمنطق
والفلسفة والأصول.
كما أن اختزال الأزمة في الصراع بين
"العقل" و"النقل" يتجاهل أن أفول الفلسفة في العالم العربي
والإسلامي ارتبط بتحولات أوسع بكثير: تراجع مراكز العلم، تغير أنظمة الحكم
والرعاية الثقافية، ضعف المؤسسات العلمية، التحولات الاقتصادية، ثم لاحقًا
الاستعمار وبناء الدولة السلطوية الحديثة التي لم تكن دائمًا صديقة للفكر النقدي.
ولو كان العامل الديني وحده كافيًا لتفسير
غياب الفلسفة، لما شهد القرن العشرون نفسه ولادة تلك الكوكبة الكبيرة من المفكرين
العرب الذين اشتغلوا على التراث والعقل والحداثة من داخل مجتمعات ذات أغلبية
مسلمة، ولما ظهرت مشاريع فكرية ضخمة عند الجابري وأركون والعروي والعظم وجعيط
وغيرهم.
المشكلة، إذن، لم تكن في وجود دين أو مذهب
بعينه، بل في لحظة تاريخية فقد فيها السؤال الفلسفي مركزه. فقد تغير العالم نفسه؛
انهارت المشاريع الكبرى، وتراجع دور المثقف العمومي، وتشظت المعرفة إلى تخصصات
دقيقة، وصارت الأسئلة الكبرى التي كان يحملها الفيلسوف موزعة بين علوم الاجتماع
والسياسة والتاريخ والأنثروبولوجيا والاقتصاد.
لقد انتقلنا من عصر كان فيه المفكر يحاول
تفسير المجتمع بأكمله، إلى عصر أصبح فيه الباحث يشتغل داخل مجال معرفي محدد. وهذا
ليس تراجعًا عربيًا فقط، بل تحول عالمي أصاب صورة "الفيلسوف الكبير"
نفسه، غير أن المجتمعات العربية عانت منه بصورة أكبر بسبب هشاشة المؤسسات المنتجة
للمعرفة وضعف المجال العام.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من المسؤول
عن غياب الفيلسوف العربي؟ بل: ما الشروط التي تسمح بعودته؟ فالفيلسوف لا يظهر
عندما ينتصر تيار على آخر، ولا عندما تُهزم مدرسة فكرية لصالح مدرسة أخرى، بل
عندما توجد بيئة تسمح بالاختلاف، وتحمي حرية البحث، وتعتبر السؤال قوة بناء لا
تهديدًا للهوية.
إن أزمة الفلسفة العربية ليست أزمة مذهب
بقدر ما هي أزمة تاريخ؛ أزمة مجتمعات فقدت لفترة طويلة القدرة على إنتاج الأسئلة
الكبرى. وحين تستعيد هذه القدرة، لن يكون ظهور الفيلسوف حدثًا استثنائيًا، بل
نتيجة طبيعية لعودة العقل إلى موقعه الطبيعي: شريكًا في صناعة المستقبل لا مجرد
تابع لتبرير الماضي.