مع تصاعد التوتر بين
حين وآخر بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة، تبرز الحاجة لتقييم هذه العلاقات، ومعرفة
جوانب ضعفها، في ظل تراجع شعبيتها بين الأمريكيين، واهتزاز صورتها لديهم.
أكد خبير التكنولوجيا
المالية وأسواق رأس المال بجامعة تل أبيب، أوري تال تينا، أنه "منذ قيام الدولة،
شهدت العلاقات بين
الولايات المتحدة وإسرائيل عملية تقارب استراتيجي عميق، استندت لقيم
مشتركة، ومصالح استراتيجية متبادلة، وتعاون اقتصادي وأمني وسياسي تم بناؤه تدريجيًا،
وفي نهاية عملية التقارب، كانت الولايات المتحدة الحليف الأهم لإسرائيل لمدة ستة عقود،
وحتى سنوات قليلة مضت، كان الدعم الأمريكي ساحقًا، شبه غير مشروط، ورصيدًا استراتيجيًا
هائلًا لإسرائيل".
تآكل الدعم
وأضاف في مقال نشره
موقع
زمان إسرائيل، وترجمته "عربي21" أن "التحركات الدبلوماسية والسياسية
التي قام بها رئيس الوزراء
بنيامين نتنياهو، بما فيه خطابه أمام الكونغرس عام 2015،
وتزايد التقارب مع
الحزب الجمهوري، وخلافاته مع إدارتي الرئيسين باراك أوباما وجو بايدن،
أدت لتآكل الطابع التوافقي للدعم الأمريكي لها، كما ظهرت اتجاهات أخرى راسخة، منها
تغيرات في الرأي العام الأمريكي، واستقطاب سياسي داخلي، وتنامي النزعة الانفصالية داخل
الحزب الجمهوري، وبلغت ذروتها خلال الحرب مع إيران".
وأشار أن "جميع
رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين توخّوا الحذر من الانحياز السياسي لأي طرف في
الولايات المتحدة، وتجنبوا أي تحركات قد تُعتبر تدخلاً في سياستها الداخلية، لكن نتنياهو
خالف هذه القواعد، مما عرّض للخطر استمرار دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وأحد أهم
أصولها الأمنية، مع العلم أنه في السنوات الأولى التي أعقبت قيام إسرائيل، تعاملت الولايات
المتحدة مع الدولة الفتية بحذر، متخوفةً من التقرب منها خشية مواجهة الأنظمة العربية،
وكان حلفاؤها الرئيسيون في البداية الاتحاد السوفيتي ثم فرنسا".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أنه "خلال
خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بدأت الولايات المتحدة تنظر لإسرائيل كأصل استراتيجي،
وتقربت منها تدريجيًا حتى أصبحت حليفًا لها، وفي المجال الأمني، حدثت نقطة تحول هامة
بعد حرب 1967، فقبل ذلك، اعتمدت إسرائيل على الأسلحة الفرنسية، وقبلها السوفيتية، ولكن
بعد الحظر الذي فرضته فرنسا، أصبحت الولايات المتحدة المورد الرئيسي للأسلحة، ولذلك
تقوم علاقتهما على مزيج من المصالح الاستراتيجية، والقيم المشتركة، والتعاون الأمني
والسياسي والاقتصادي والاستخباراتي".
وأشار أن "الدعم
الأمريكي لعب دورًا محوريًا في الحفاظ على التفوق الإسرائيلي على جيرانها، والدفاع
عن مكانتها في الساحة الدولية، وكان أحد أبرز مظاهر الالتزام بهذا التحالف في حرب أكتوبر
1973، عبر تشغيل "القطار الجوي" الذي نُقلت من خلاله آلاف أطنان المعدات
العسكرية والذخيرة والدبابات وقطع الغيار والأسلحة جواً، مما مكّن الجيش من مواصلة
المعركة، وبعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، والحرب التي اندلعت، قدمت الولايات
المتحدة، بقيادة الرئيس جو بايدن، مساعدات ضخمة وغير مسبوقة لإسرائيل".
تدخلات نتنياهو
وأوضح أنه "لسنوات
عديدة، تمتعت إسرائيل بدعم واسع من الحزبين في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري،
واعتُبر هذا الدعم جزءًا من الإجماع الأمريكي، حتى في ظل وجود خلافات بين الحكومتين
من كلا الحزبين، لكن العقد الماضي شهد سلسلة من التحركات السياسية التي قام بها رئيس
الوزراء بنيامين نتنياهو في تآكل الدعم المشترك لإسرائيل بين الحزبين، وتعميق ارتباطه
بالحزب الجمهوري، وكانت نقطة التحول الرئيسية في خطابه أمام الكونغرس في 2015، ألقاه
دون تنسيق مع إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما".
وأشار أن "هذه
الخطوة شكلت تجاوزا من نتنياهو تجاه أوباما، واعتبرها كثيرون في الولايات المتحدة تدخلاً
في السياسة الداخلية، حتى أن العديد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين قاطعوا الخطاب،
وانتقدته وسائل الإعلام الأمريكية لاختياره الانحياز علنًا للمعسكر الجمهوري في مواجهة
مباشرة مع رئيس في منصبه، كما أن أجزاءً من الحزب الديمقراطي اعتبرت الخطاب تدخلاً
غير مألوف في السياسة الداخلية الأمريكية، مما شكل بداية التسييس للعلاقات بين إسرائيل
وواشنطن، وجعل إسرائيل دولةً أقل شعبيةً في الحزب الديمقراطي وبين ناخبيه".
وأوضح أن "هذا
الخطاب أضرّ بالعلاقات بين إسرائيل وجزء كبير من الرأي العام الأمريكي، ولم يحقق الهدف
الذي دعا إليه في الكونغرس، كما تصاعدت التوترات الحادة والعلنية بشأن توسيع البناء
في المستوطنات والعلاقات مع إيران والدول العربية، مما زاد من وعي الرأي العام في الولايات
المتحدة وإسرائيل بانتماء نتنياهو، ومعه إسرائيل بأكملها، للمعسكر الجمهوري، وفي السنوات
اللاحقة، أوضح نتنياهو تفضيله الواضح للرئيس الجمهوري
دونالد ترامب على المرشحين الديمقراطيين".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار أنه "رغم
المساعدات الواسعة التي قدمها بايدن لإسرائيل، فقد انتقد نتنياهو سياساته بشدة، حتى
بعد انتهاء ولايته، وادعى أن التأخير في تسليم الأسلحة خلال إدارته أضر بقدرة إسرائيل
على خوض القتال على النحو الأمثل"، وأن الجنود دفعوا أرواحهم ثمناً لذلك، مع أن
هذا الادعاء لم يكن له دليل أو أساس واقعي، وفي أوساط الرأي العام الأمريكي نُظر لذلك
على أنه تحيز من نتنياهو ضد بايدن الذي زاد المساعدات الأمنية لإسرائيل بنحو 14 مليار
دولار، وبذل جهوداً دبلوماسية كبيرة استجابةً لذلك".
وأضاف أن "سياسة
نتنياهو تسببت بأن أصبح دعم إسرائيل في الولايات المتحدة، ولأول مرة، قضية حزبية، بينما
تمتعت في الماضي بإجماع واسع، وباتت اليوم تُربط بشكل أوضح باليمين الأمريكي، الذي
ينتمي إليه الحزب الجمهوري، ويتراجع موقفها بين الناخبين الديمقراطيين بشكل متزايد".
سيناريوهات مقلقة
وأكد أن "هذا
التغير في الرأي العام الأمريكي ضد إسرائيل يتأثر أيضاً بعوامل أخرى لا علاقة لها بسياسات
نتنياهو، منها: التغيرات الديموغرافية في الولايات المتحدة، وتزايد الاستقطاب السياسي،
وتعزيز الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، الذي يتعاطف بعض أعضائه مع الفلسطينيين،
ويعادون إسرائيل، والجناح الانفصالي في الحزب الجمهوري، الذي يعارض التدخل العسكري
في العالم ودعمه المالي للدول الأخرى".
وأكد أن "الحزب
الديمقراطي لا يزال يدعم الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، ويُتوقع أن يسعى
مرشحوه في انتخابات 2028 لتبني نهجٍ يُلزم إسرائيل باتخاذ خطوات سياسية لتعزيز السلام
مع الفلسطينيين، وخطوات إنسانية لصالحهم، كشرط لاستمرار المساعدات، وبناءً على هذا
التقييم، إذا استمرت إسرائيل في سياستها الحالية، فقد يُطالب الحزب بوقف الدعم، وصحيح
أن التعاون الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يزال متيناً، لكن افتراض استمرار
الدعم الأمريكي لإسرائيل في أي سيناريو لم يعد منطقياً".
وختم بالقول إن
"التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل لعقود قام على تعاون أمني واقتصادي ودبلوماسي
واسع النطاق، وتميز بدعم مستقر من الحزبين، لكن التآكل التدريجي للإجماع الأمريكي حول
إسرائيل خلال العقد الماضي غيّر هذا الواقع، ويعود جزء من تدهور العلاقات لتحركات نتنياهو،
وتزايد انتمائه للحزب الجمهوري، والخلافات مع إدارتي أوباما وبايدن، وإطالة أمد الحرب
في غزة وإيران، مما ساهم بتسييس قضية الدعم الأمريكي لإسرائيل، وقد استبدل نتنياهو
هذا الدعم الساحق بدعم ترامب الشخصي المتحفظ والمتقلب".