لعنة السردية الإنسانية.. كيف يساهم خطاب الإغاثة في اختزال الأزمات السياسية؟

الكاتبة أشارت إلى أن هذا النمط من صناعة السرديات يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي خلال مجاعة إثيوبيا؛ حيث ترسخت صورة "الأفريقي الجائع" التي روّجتها منظمات الشمال مثل أوكسفام- جيتي
الكاتبة أشارت إلى أن هذا النمط من صناعة السرديات يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي خلال مجاعة إثيوبيا؛ حيث ترسخت صورة "الأفريقي الجائع" التي روّجتها منظمات الشمال مثل أوكسفام- جيتي
شارك الخبر
نشر موقع "نيو هيومنيتاريان" مقالًا للكاتبة تمريس خان يتناول نقدًا عميقًا للبنية السردية التي يقوم عليها الخطاب الإنساني الغربي، كاشفة كيف تُستخدم الحكايات الإنسانية كأداة لتكريس الهيمنة وتبرير استمرار المعاناة. وأن هذه السرديات لا تُعالج جذور الفقر أو الظلم التاريخي، بل تُعيد إنتاج الصور النمطية عن "الضحايا" في الجنوب العالمي. وتؤكد أن الحل يكمن في إعادة الاعتبار لأصوات المتضررين أنفسهم، لا في استمرار صناعة روايات تُخدم المؤسسات الغربية.

وقالت الكاتبة، في هذا المقال الذي ترجمته "عربي21"، إن العبارة الشهيرة: "العلاج لأسباب الفقر يُختزل في حساب واحد هو إنقاذ الأرواح"، هي واحدة من الجمل الواردة في كتاب "الخرافة الإنسانية: المنقذ، والعِرق، والمساعدات" للباحث ديفيد جيفرس، الذي يتتبع أساليب التواصل التي تجرد البشر من  الإنسانية، والتي اعتمدتها المساعدات الإنسانية عبر العقود. ويُبرز الكتاب كيف صاغت مؤسسات الشمال العالمي رسائل نمطية حول الفقر والإنسانية، تقوم على فكرة أن "الفقراء لديهم مشاكل، ومن واجب العاملين في المجال الإنساني في الشمال حل تلك المشاكل".

اظهار أخبار متعلقة


ولا تقتصر المشكلة على هذه الصور النمطية، بل إن فكرة صناعة واستخدام السرديات في فضاء العمل الإنساني والتنمية هي إشكالية؛ فهي تُصاغ لتكرار صورة نمطية عن المعاناة، وتُغفل - كما يؤكد جيفرس في كتابه - أن أسباب الفقر ليست منفصلة عن التاريخ البنيوي للاستعباد والاستعمار والاستغلال الغربي.

وأشارت الكاتبة إلى أن هذا النمط من صناعة السرديات يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي خلال مجاعة إثيوبيا؛ حيث ترسخت صورة "الأفريقي الجائع" التي روّجتها منظمات الشمال مثل أوكسفام. ولم يكن الهدف مجرد الرسالة التواصلية، بل كان جمع التبرعات وراء هذه الصور هو ما جعلها أكثر خطورة.

وما زالت منظمات مثل "أنقذوا الأطفال - كندا" تستخدم حتى اليوم صور الأطفال المرضى والفقراء في إفريقيا وآسيا لجمع التبرعات عبر الإنترنت، حتى أن جامع تبرعات يعمل لصالح المنظمة نفسها أوقف الكاتبة طالبًا منها التبرع في أعقاب التخفيضات الأخيرة في تمويل المساعدات لمساعدة "أطفال غزة الفقراء".

وأوضحت الكاتبة أنه في عام 2026، حلّت صورة "الفلسطيني الجائع" محل صورة الإثيوبي كسردية مفضلة. وهذه السردية التي يدّعي أصحابها محاربة الفقر والعنف، استغرقت قرابة عامين لتستخدم كلمة "إبادة جماعية" في وصف ما يحدث في غزة. وبالمثل، صُوّر الوضع في السودان كسردية "مجاعة" بدلاً من كونه انتفاضة مسلحة مدعومة من القوى الإمبريالية التي أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص. أما إيران، فهي خارج الرادار الإنساني تمامًا، رغم آلاف القتلى الذي سقطوا بسبب هجوم غير قانوني.

ويؤكد الكتاب أن أغلب من يصوغ هذه السرديات من العاملين في المجال الإنساني من ذوي البشرة البيضاء، ويصوغون  هذه الروايات عن ضحايا غير بيض. ويصفهم جيفرس بأنهم "شخصيات جسرية" – منقذون بيض تُقدَّم ذكرياتهم الإنسانية على الرعب والمعاناة باعتبارها جسرًا حقيقيًّا بين الغرب وبقية العالم.

وأكدت الكاتبة أن هذه الشخصيات الجسرية ضرورية لنجاح السرديات لدى الجمهور الغربي الأبيض. ويذكر الكتاب أمثلة شهيرة على هذه الشخصيات، مثل بونو وبوب غيلدوف، والراحل بول فارمر، الذين يُقدَّمون كإنسانيين أصيلين تُعرض صدماتهم النفسية كدليل على قدرتهم على الاهتمام الحقيقي.
ويمكن أيضًا رؤية مثل هذه الشخصيات في وسائل الإعلام الغربية؛ فقد حظي مقال نيك كريستوف في صحيفة "نيويورك تايمز" حول واقع التعذيب في فلسطين بالإشادة لصدقيته من قبل نفس الصحافة التي تجاهلت التقارير الفورية التي شاركها الصحفيون الفلسطينيون في غزة حول هذه القضية.

وتعد هذه الشخصيات الجسرية هي القوة الدافعة وراء السرديات التي تشوه وتخفي المظالم التاريخية، وتضفي هالة مقدسة على الشمال العالمي كمنقذ إنساني.

وأفادت الكاتبة أن المفارقة تكمن في أن هذه السرديات الإنسانية مصممة لتتغير حسب الاتجاه السائد؛ فالمنظمات الإنسانية والتنموية تبحث باستمرار عن الكارثة التالية لتملأ بها رسائلها وتستدر بها العاطفة. فمثلاً، حين قلص دونالد ترامب تمويل وكالة التنمية الدولية الأمريكية عام 2025، ظهرت سردية جديدة تقول إن "الملايين سيموتون جوعًا ومرضًا"، وتدعي هذه دون خجل أن دول الجنوب العالمي لا يمكنها البقاء على قيد الحياة دون المساعدة السخية من آلاف موظفي الوكالة، مدعومة بتوقعات من مراكز أبحاث شمالية تعتمد على حسابات مالية لا على بيانات واقعية.

ويمتد هذا الاتجاه إلى خطاب "إعادة ضبط المساعدات الإنسانية"؛ حيث لا يُمنح الضحايا فرصة لإعادة تصميم النظام المعيب، بل يحتكر ذلك العاملون الغربيون في المجال الإنساني في قممهم وصفقاتهم الكبرى، وهي سردية تُقلل قيمة الحياة الإنسانية إلى قصة تُستخدم لتسهيل تدفق المساعدات، لا لإنهاء العنف والاحتلال التاريخي.

اظهار أخبار متعلقة


وأوضحت الكاتبة أن أحد أبرز مشاكل الخطاب الإنساني هو نفوره الذاتي لرؤية إمكانيات خارج إطاره الشمالي. وتشمل هذه الإمكانيات الحركات الاجتماعية ونضالها في الجنوب العالمي ضد التهجير ومن أجل الحقق الأرضية. لكن صانعي السياسات الإنسانية والتنموية في الشمال يتجاهلون ذلك، ويعتمدون على سرديات المنقذ النمطية - سواء كان ذلك في الكوارث المناخية أو الحروب أو تقليص المساعدات - لإثبات أهميتهم والحفاظ على زر "تبرع" نشطًا.

لقد أصبح العمل الإنساني علامة تجارية، وكل علامة تحتاج إلى سردية، لكن المشكلة أن هذه السرديات تُصنع داخل بيئة مصطنعة ومُحكمة من المؤسسات ووسائل الإعلام الغربي، وتُقصي تمامًا من يُفترض أنهم "أبطال" هذه السرديات: الفقراء والمهمشون. ولتجاوز ذلك، يجب أن نشكك علنًا في الحاجة إلى السرديات في القطاع الإنساني، ونكشفها كأداة للحفاظ على تفوق البيض وهيمنة المؤسسات الغربية.

وختمت الكاتبة المقال بالتأكيد على أنه في حال الإصرار على أن للسرديات قيمة في مواجهة الظلم والمعاناة، فعلينا أن نتيح للضحايا أنفسهم رواية قصصهم. ولأجل ذلك، يجب أن يتراجع القطاع الإنساني الغربي إلى الخلف كمراقب لا كصانع، أو أن يقوم بما يسميه جيفرس "انسحابًا أخلاقيًا"، حيث يُعيد الشمال الغني النظر في تصوراته العنصرية المتأصلة بشأن قدرة الناس في الأماكن التي يهتم بالتدخل فيها وأفكارهم وفلسفاتهم.
التعليقات (0)