شكلت قمة حلف شمال الأطلسي "
الناتو" التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 تموز/ يوليو 2026 محطة مفصلية في مسار العلاقات التركية الغربية، بعدما نجحت أنقرة في تحويل الحدث الأمني الأبرز للحلف إلى منصة لحصد مكاسب استراتيجية في ملفات الدفاع والسياسة والاقتصاد، في وقت تواجه فيه المنطقة تحولات متسارعة بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
ولم تقتصر أهمية القمة على كونها الثانية التي تستضيفها
تركيا منذ قمة إسطنبول عام 2004، بل جاءت في لحظة تشهد فيها أنقرة عودة تدريجية إلى قلب المنظومة الغربية، بعد سنوات من التوتر مع الولايات المتحدة وعدد من حلفائها بسبب شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400"، وما تبعها من فرض عقوبات أمريكية واستبعاد تركيا من برنامج مقاتلات "إف-35".
ويرى خبراء أن القمة أكدت استمرار الموقع المحوري الذي تحتله تركيا داخل الحلف، باعتبارها صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو، والدولة التي تمثل البوابة الجنوبية الشرقية للحلف، وتشرف على المضائق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، وهو ما جعلها ركنا أساسيا في الاستراتيجية الغربية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
ترامب يمنح أنقرة دفعة غير مسبوقة
برزت قضية عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات "إف-35" بوصفها أبرز ملفات القمة، بعدما حسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجدل الدائر منذ سنوات بشأن مستقبل البرنامج، معلنا دعمه الواضح لإعادة أنقرة إليه.
وقال ترامب، خلال لقاء جمعه بالرئيس التركي رجب طيب
أردوغان في المجمع الرئاسي بأنقرة الثلاثاء: "سيحصلون على طائرات إف-35"، مضيفا: "أحب الرئيس أردوغان، وأحب بيبي (نتنياهو). لقد قال أشياء سيئة للغاية عن تركيا، وتحدثت مع أردوغان، وبفضلي لم يدخلوا الحرب. لديهم أفضل معداتنا، وسيحصلون على طائرات إف-35".
وكان ترامب قد بعث بإشارات إيجابية قبل ذلك بيوم، عندما أكد أن ملف المقاتلات سيكون ضمن جدول أعمال اجتماعه مع أردوغان، قائلا: "نعلم كم هي دولة كبيرة تركيا، وسنناقش التجارة والدفاع وإيران والعديد من المواضيع، ومنها إف-35".
بدوره، كشف أردوغان أن بلاده تلقت وعودا أمريكية بشأن البرنامج، قائلا: "لقد حصلنا على وعد بخمس طائرات، وننتظر أخبارا سارة".
ويمثل هذا التطور تحولا كبيرا في الموقف الأمريكي، بعدما جمدت واشنطن مشاركة تركيا في البرنامج عام 2019 عقب استلامها منظومة "إس-400" الروسية، وهو القرار الذي تسبب بخسائر مالية وصناعية لأنقرة، بعدما كانت إحدى الدول الشريكة في تصنيع أجزاء من المقاتلة.
"كاتسا".. نهاية عقوبات استمرت سنوات
ولم تتوقف المكاسب التركية عند ملف "إف-35"، إذ أعلن ترامب رفع العقوبات المفروضة على أنقرة بموجب قانون "كاتسا"، الذي أقره الكونغرس الأمريكي لمعاقبة الدول التي تبرم صفقات عسكرية مع روسيا.
وقال الرئيس الأمريكي خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع أردوغان الثلاثاء: "سترفع عقوبات كاتسا.. حان الوقت، لا أريد خنق أصدقائي بالعقوبات".
ويعد هذا الإعلان نقطة تحول في العلاقات الثنائية، لأن العقوبات مثلت خلال السنوات الماضية العقبة الأكبر أمام التعاون العسكري بين البلدين، كما عطلت صفقات تسليح عديدة.
وتشير القوانين الأمريكية إلى أن رفع العقوبات لا يحتاج إلى تصويت جديد من الكونغرس، بل يكتفي الرئيس الأمريكي بإخطار الكونغرس بأن الظروف التي فرضت العقوبات قد زالت، وهو ما يفتح الباب أمام استئناف التعاون الدفاعي بصورة كاملة.
كما يعني القرار إزالة العقبات القانونية أمام عودة تركيا إلى برنامج "إف-35"، إلى جانب تسهيل حصولها على محركات الطائرات وأنظمة التسليح الأمريكية المتطورة.
اظهار أخبار متعلقة
الاحتلال واليونان تتحركان لإفشال الصفقة
في المقابل، أثارت تصريحات ترامب قلقا واضحا في الاحتلال الإسرائيلي واليونان، اللتين تعتبران أن حصول تركيا على المقاتلة الشبح سيؤثر في توازن القوى شرق المتوسط.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه أبلغ ترامب معارضته للصفقة، مؤكدا أن بيع "إف-35" لأنقرة "سيخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط".
كما كشفت وكالة "رويترز" الأربعاء٬ أن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث كان يعتزم زيارة الاحتلال الإسرائيلي بعد انتهاء اجتماعاته في أنقرة لمناقشة الملف، إلا أنه ألغى الزيارة في اللحظات الأخيرة.
أما رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، فاكتفى بالقول إن "أي تحالف يجب أن يقوم على مبادئ حسن الجوار"، في إشارة إلى رفض أثينا امتلاك أنقرة هذا النوع من الطائرات.
وتأتي هذه المواقف بعد أشهر من تحركات إسرائيلية ويونانية داخل واشنطن لعرقلة أي محاولة لإعادة تركيا إلى البرنامج، خشية فقدان التفوق العسكري الذي تتمتع به تل أبيب في المنطقة.
شراكة دفاعية جديدة مع بريطانيا
وعلى هامش القمة، أعلنت تركيا وبريطانيا التوصل إلى اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة في مجالي الدفاع والأمن، وصفها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني بأنها ستنقل العلاقات العسكرية بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق.
ومن المقرر أن يوقع الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الاتفاقية، التي تشمل التعاون في الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، والدفاع ضد التهديدات الهجينة، إلى جانب تعزيز القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.
وأشار الموقع إلى أن نص الاتفاقية سيظل سريا نظرا لما يتضمنه من بنود عسكرية وأمنية حساسة، لافتا إلى أنها تشبه في طبيعتها الاتفاق الدفاعي الذي وقعته فرنسا واليونان عام 2021.
ويرى خبراء أن الاتفاق يمنح أنقرة ثقلا إضافيا داخل أوروبا، ويعزز تعاونها مع إحدى أكبر القوى العسكرية في الحلف.
اتفاقية تجارة حرة مع كندا
اقتصاديا، خرجت تركيا أيضا بمكسب جديد، بعدما أعلنت الرئاسة التركية ورئاسة الوزراء الكندية إطلاق مفاوضات رسمية للتوصل إلى اتفاقية تجارة حرة بين البلدين.
وجاء الإعلان عقب لقاء الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث أوضحت دائرة الاتصال بالرئاسة التركية أن الاتفاقية تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل، وتقوية سلاسل الإمداد، وزيادة القدرة التنافسية للشركات التركية والكندية في الأسواق العالمية.
ومن المنتظر أن تبدأ الفرق الفنية خلال الأشهر المقبلة إعداد الجولة الأولى من المفاوضات.
اظهار أخبار متعلقة
تركيا تعزز موقعها داخل الناتو
ويرى الخبراء أن حصيلة القمة تعكس نجاح أنقرة في استثمار المتغيرات الدولية لتعزيز موقعها داخل الحلف، خصوصا في ظل تزايد أهمية الجبهة الجنوبية للناتو، واحتدام المنافسة مع روسيا في البحر الأسود، واستمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قال الأستاذ المشارك في جامعة يدي تبه الدكتور فرقان كايا، في تصريحات لموقع "خبرلار" التركي، إن العلاقات التركية الأمريكية تدخل "مرحلة الربيع"، مضيفا: "أعتقد أن دبلوماسية القادة بين الرئيس أردوغان وترامب ستستمر، وأن مرحلة جديدة ستبدأ في العلاقات بين البلدين".
وأضاف أن رفع عقوبات "كاتسا" وعودة تركيا إلى برنامج "إف-35" سيعززان مكانة أنقرة داخل الناتو، مشيرا إلى أن تركيا "ستواصل أداء دورها كدولة منتجة للسلام، لكنها ستدعم هذا الدور بقدرات صناعاتها الدفاعية المتطورة".
وبذلك، تبدو قمة أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف، إذ مثلت بالنسبة لتركيا فرصة لإعادة تموضعها داخل المنظومة الغربية، وإعادة فتح ملفات كانت تبدو حتى وقت قريب مغلقة، في مقدمتها استعادة التعاون الدفاعي الكامل مع الولايات المتحدة، وتعزيز شبكة شراكاتها الاستراتيجية مع الدول الغربية.